الشعراوي والمرأة والعلم.. صدمات فكرية في وجدان الحداثة

الأحد 05/أبريل/2026 - 12:34 م
طباعة الشعراوي والمرأة حسام الحداد
 
في مثل هذا اليوم، الخامس من أبريل لعام 1911، ولدت في قرية "دقادوس" بمحافظة الدقهلية الشخصية الأكثر إثارة للجدل في الوجدان المصري المعاصر؛ الشيخ محمد متولي الشعراوي. لم يكن الشعراوي مجرد مفسر للقرآن، بل تحول عبر شاشات التلفاز إلى "أيقونة" تغلغلت في الوعي الجمعي، مستخدماً لغة رشيقة وقدرة خطابية فذة بسطت المفاهيم الدينية لملايين البسطاء. إلا أن هذا الصعود الشعبي الجارف واكبه مشروع فكري يراه التيار التنويري حائط صد منيع أمام الحداثة، حيث امتزجت فيه البلاغة اللغوية برؤى سلفية جامدة، جعلت من "الخاطرة الإيمانية" أداة لتثبيت مفاهيم ماضوية تصادمت في كثير من الأحيان مع قيم الدولة الوطنية ومنجزات العلم الحديث.
إن الاحتفاء بذكرى ميلاد "إمام الدعاة" لا يستقيم اليوم دون قراءة نقدية فاحصة لمسيرته، تتجاوز هالة التقديس التي أحاطه بها مريدوه. فخلف الابتسامة الأبوية والأسلوب السلس، تكمن مواقف وفتاوى شكلت "سقطات" تاريخية في مسار العقل المصري؛ بدءاً من السجود شكراً على انكسار الوطن في نكسة 1967، وصولاً إلى معارضة التقدم الطبي والتقليل من شأن غزو الفضاء، وانتهاءً بتكريس رؤية دونية للمرأة. إننا أمام شخصية مزدوجة، مثلت لقطاع واسع "صوت السماء"، بينما رآها المثقفون "كابحاً للنهضة" ومنظراً لردة حضارية ألبست الجمود ثوب الدين.

سجدة الشكر على هزيمة 1967
تُعد واقعة "سجدة الشكر" عقب نكسة 1967 حجر الزاوية في نقد الفكر الأيديولوجي للشيخ الشعراوي؛ فهي اللحظة التي تجلى فيها تقديم "الولاء للعقيدة بمفهومها الضيق" على "الانتماء للوطن بمفهومه الشامل". من منظور تنويري، يمثل هذا المسلك طعنة في قلب مفهوم الدولة الوطنية، حيث تحول الإله في وجدان الشيخ إلى طرف في صراع سياسي داخلي، يُعاقب شعباً بأكمله بالاحتلال والقتل والتشريد لينتصر لرأي الشيخ في الخلاف مع النظام الناصري، وكأن دماء الجنود في سيناء كانت ثمناً مقبولاً لـ "تطهير" البلاد من أفكار اشتراكية أو ماركسية لا يرضى عنها.
كما يبرز في تبريره للواقعة سياق فكري يرسخ "للاغتراب الوطني"، حين ادعى أن النصر لو تحقق لفتن الناس في دينهم. وهنا تكمن مغالطة كبرى؛ فالإيمان الحقيقي لا يمكن أن يكون هشاً لدرجة أن يهزه نصر عسكري للوطن، بل إن ربط الإيمان بالهزيمة والمذلة هو الذي يفتن الناس ويصرفهم عن منطق القوة والعمل. إن منطق الشعراوي هنا يكرس لفكرة "القدرية السلبية"، التي تجعل من الكوارث القومية "منحاً إلهية" بدلاً من كونها "إخفاقات بشرية" تستوجب المحاسبة والتعلم، وهو ما أدى تاريخياً إلى تخدير العقل الجمعي العربي وصرفه عن البحث في الأسباب العلمية والعسكرية للهزيمة.
أخيراً، فإن سجدة "النكاية السياسية" هذه تكشف عن خلل بنيوي في ترتيب الأولويات الأخلاقية؛ فكيف يستقيم شكر الله على انتصار جيش احتلال (إسرائيل) على جيش بلاده؟ إن هذا المسلك يمنح شرعية أخلاقية ودينية للمعتدي بصفته "أداة إلهية"، ويحول مأساة اقتطاع الأرض وانتهاك السيادة إلى مجرد "درس تربوي". إن الوطن هو الوعاء الذي يحمي الدين والإنسان معاً، وأي فكر يرى في انكسار الوطن "نصراً للفكرة" هو فكر عدمي يغذي الانقسام المجتمعي ويجعل من رجل الدين وسيلة لتبرير الهزائم بدلاً من كونه صوتاً لشحذ الهمم نحو التحرر والتقدم.

 موقفه من العلم ونقل الأعضاء
تجلت في آراء الشيخ الشعراوي حول العلم والطب ملامح "النظرة السلفية الجامدة" التي تصادم مقاصد الإنسانية ومنطق الحداثة؛ فمعارضته الشرسة لنقل الأعضاء وتبريره بأن الجسد "ملك لله ولا يجوز التصرف فيه" تعكس فهماً قاصراً لمعنى الاستخلاف في الأرض. فمن منظور تنويري، العلم هو الأداة التي وهبها الله للإنسان لإعمار الكون وحفظ النفس البشرية، وتحويل جسد الميت إلى "مادة مقدسة" تُترك للتحلل في التراب بينما يموت المرضى من الأحياء بسبب فشل عضوي، هو تغليب للنصوص الحرفية على "جوهر الدين" الذي جعل إنقاذ حياة إنسان واحداً معادلاً لإحياء الناس جميعاً. هذا الفكر لم يكن مجرد رأي فقهي، بل تحول إلى عائق أخلاقي واجتماعي أخّر التشريعات الطبية في مصر لسنوات طويلة، وحرم الآلاف من فرص النجاة تحت دعاوى "الورع الزائف".
أما سخريته من "غزو الفضاء" وقوله إن "منديل الكلينكس" أكثر نفعاً للمسلم من الصعود للقمر، فتمثل ذروة الانفصال عن الواقع الحضاري؛ فهذه الرؤية "النفعية الضيقة" تحصر قيمة العلم في سد الاحتياجات البدائية للاستهلاك اليومي، وتتجاهل أن ارتياد الفضاء هو الذي منح البشرية تكنولوجيا الأقمار الصناعية، والاتصالات، والتنبؤ بالكوارث، وتطوير الطب. إن حصر نفع العلم فيما يخدم "الفروض الدينية المباشرة" فقط هو دعوة صريحة للتخلف، وكأن الشيخ يريد للمسلم أن يظل "مستهلكاً" للمناديل التي يصنعها الغرب، بينما يزهد في "العلم" الذي مكن ذلك الغرب من كشف أسرار الكون، وهو ما يتناقض مع دعوات القرآن المتكررة للتدبر في ملكوت السماوات والأرض.
إن هذا الخطاب "المعادي للعلم" ساهم بشكل مباشر في خلق فجوة معرفية لدى الأجيال التي تربت على "خواطر الشيخ"، حيث ترسخت لديهم فكرة أن التقدم العلمي الغربي هو مجرد "ترف" أو "لهو" لا يغني من الجوع، بينما الحقيقة أن العلم هو "سلطان" العصر والسبيل الوحيد للسيادة. من منظور تنويري، نقد الشعراوي في هذا السياق واجب لفك الارتباط بين "التدين" وبين "العداء للمنجز الحضاري"؛ فالمنديل الذي احتفى به الشيخ هو نتاج مصنع، والمصنع نتاج علم، والعلم لا يتجزأ. إن الاستخفاف بالعلم التجريبي باسم "الغيبيات" هو الذي أبقى المجتمعات العربية في ذيل القافلة، تابعة تكنولوجياً لمن تسخر من إنجازاتهم في الفضاء.

 قضايا المرأة والحجاب
تُمثل آراء الشيخ الشعراوي في قضايا المرأة ذروة الفكر "البطريركي" (الأبوي) الذي يحصر كيان المرأة في دور الوظيفة والمنفعة للرجل، متجاهلاً كينونتها كإنسانة كاملة الأهلية والمواطنة. فتشبيهه للعلاقة الزوجية والجسد الأنثوي بأنه مجرد "مصرف" لشهوة الرجل، هو انحدار بالروابط الإنسانية إلى مستوى مادي مهين، يُجرّد المرأة من عواطفها وحقها في الرغبة والشراكة المتكافئة. من منظور تنويري، هذا الخطاب هو الذي شرعن ثقافة "التشييء" التي تعامل المرأة كأداة لا كذات، مما يفتح الباب واسعاً أمام تبرير العنف والتحرش ولقمع استقلاليتها باسم "القوامة" التي تم تفسيرها بشكل سلطوي يتنافى مع مبادئ العدالة والمساواة الحديثة.
أما سقطته المدوية بالتشكيك في "نسب أطفال المرأة غير المحجبة"، فهي نموذج صارخ لـ "الإرهاب الفكري والاجتماعي" الذي مورس ضد النساء لعقود. إن ربط العفة والنزاهة الأخلاقية بقطعة قماش (الحجاب) والذهاب أبعد من ذلك بالطعن في أعراض الملايين من النساء غير المحجبات واتهامهن في شرفهن وشرف أبنائهن، هو "قذف علني" يخالف أبسط القواعد الشرعية قبل الإنسانية. هذا الفكر لا يسعى للإقناع الديني بقدر ما يسعى إلى "الوصم الاجتماعي" وخلق حالة من الشك والتمزق في نسيج الأسرة المصرية، حيث يحول مظهر المرأة إلى معيار للطعن في نسب أطفالها، وهو منطق غوغائي يتجاوز المنطق العلمي للوراثة والمنطق الأخلاقي للثقة الزوجية.
وفيما يتعلق بشرعنة "ضرب الزوجة" كوسيلة تأديبية، فإن الشعراوي كرس لقيم "العصور المظلمة" التي ترى في العنف الجسدي أداة للتربية، متصادماً بشكل فج مع مواثيق حقوق الإنسان والكرامة البشرية. إن القبول بمبدأ الضرب، حتى لو وضع له "شروطاً" أو وصفه بالخفيف، هو إعطاء غطاء مقدس للهمجية المنزلية، فالحوار والتفاهم هما أساس العلاقة الحديثة، وليس "العقاب البدني" الذي يحول البيت إلى زنزانة والزوج إلى سجان. من وجهة نظر التنوير، إن هذه الفتاوى ساهمت في تعطيل نهضة المرأة العربية لسنوات، وأرست قواعد لثقافة التمييز التي نناضل اليوم لتفكيكها، مؤكدين أن شرف المرأة في عقلها وعملها وإخلاصها، وليس في تغطية رأسها أو الخضوع لمنطق الضرب والتأديب.

 الموقف من الفن والسياسة
شكل موقف الشيخ الشعراوي من الفن والسياسة حجر زاوية في مشروع "ردة الوعي" التي أصابت المجتمع المصري في السبعينيات والثمانينيات؛ فدوره المحوري في دفع الفنانات للاعتزال لم يكن مجرد نصيحة دينية، بل كان "اغتيالاً ناعماً" للقوة الناعمة المصرية. من منظور تنويري، فإن الفن هو أرقى تجليات الحرية الإنسانية ومرآة رقي الشعوب، وتصويره من قِبل الشيخ كخطيئة تستوجب "التوبة" والاعتزال، حوّل الإبداع إلى وصمة عار والجمال إلى رجس. هذا التوجه ساهم في تجفيف منابع الإبداع المصري وخلق حالة من "الانفصام القومي"، حيث يُنظر للفنان كآثم وللفن كعائق عن التقوى، مما أفسح المجال لثقافة التحريم والمنع التي همشت دور السينما والمسرح في قيادة التنوير.
أما صداماته مع قمم الفكر والمنطق، مثل الفيلسوف زكي نجيب محمود والأديب توفيق الحكيم، فقد كشفت عن ضيق أفق في استيعاب "التعددية" ومحاولة لفرض "وصاية ثيوقراطية" (دينية) على حرية الفكر. فبينما كان هؤلاء المثقفون يسعون لترسيخ قيم العقلانية والمنهج العلمي، كان الشعراوي يواجههم بمنطق "النقل قبل العقل"، محولاً الخلاف الفكري إلى معركة "إيمان ضد كفر". هذا الصدام لم يكن مجرد جدال عابر، بل كان محاولة لكسر شوكة المثقف التنويري أمام الجماهير التي خُطبت ودها بالبلاغة اللغوية، مما أدى إلى تراجع دور النخبة المثقفة لصالح "سلطة المنبر"، وهو ما عطل مسار النهضة الفكرية المصرية وجعل العقل الجمعي أسيراً للتفسيرات الماضوية.
وفي الملف السياسي، كان رفض الشعراوي لمصطلح "الديمقراطية" بدعوى أنها وافد غربي لا يتسق مع "الشورى الإسلامية"، بمثابة ضربة لأساس الدولة المدنية الحديثة. من وجهة نظر التنوير، فإن الشورى كما طرحها الشعراوي تظل مفهماً ضبابياً وغير ملزم يفتقر لآليات المحاسبة، وتفويض الحاكم وصناديق الاقتراع، مما يشرعن "الاستبداد المغلف بالدين". إن محاولة "أسلمة" المصطلحات السياسية للهروب من استحقاقات الديمقراطية (مثل تداول السلطة، وحقوق الأقليات، والمواطنة الكاملة) هي التي مهدت الطريق لنمو التيارات الأصولية المتطرفة؛ فالشعراوي بفتاواه السياسية عزل العقل المسلم عن أحدث ما وصلت إليه البشرية في فن إدارة الحكم، مبقياً المجتمع في دائرة "الرعية" بدلاً من ترقيته إلى مرتبة "المواطنة".

الخاتمة
ختاماً، يظل الشيخ الشعراوي ظاهرة اجتماعية ودينية لا يمكن تجاوزها، لكنها تستوجب التفكيك لا التبجيل الأعمى. إن مأزق الشعراوي الحقيقي لم يكن في "تفسيره" للقرآن، بل في "توظيفه" لهذا التفسير لشرعنة الهزيمة الوطنية، وتحقير المنجز العلمي، وتشييء المرأة. لقد رحل الشيخ وبقيت "خواطره" ساحة اشتباك مفتوحة بين وعي يسعى للتحرر والعقلانية، وبين ثقافة شعبية لا تزال أسيرة لسطوة المنبر؛ مما يجعل من نقد سقطاته ضرورة تنويرية ملحة لاستعادة بوصلة الوطن نحو المستقبل، بعيداً عن تقديس الأشخاص على حساب قدسية العقل والكرامة الإنسانية.

شارك