ليبيا.. عمليات تهريب البشر والجريمة المنظمة في الجنوب تنذر بكارثة إنسانية
السبت 30/نوفمبر/2024 - 11:32 ص
طباعة

في حادثة هزت مدينة سبها جنوب ليبيا، تمكنت الأجهزة الأمنية من اكتشاف جريمة بشعة تمثلت في قتل مهاجرين غير شرعيين على يد عصابات إجرامية، حيث تم العثور على جثث الضحايا في بئر صرف صحي "البئر السوداء"، وهو ما يضيف فصلًا مروعًا آخر إلى سلسلة الجرائم المرتكبة من قبل تلك العصابات التي تستغل المهاجرين في ليبيا.
تضاف هذه الحادثة إلى الواقع المؤلم الذي يعيشه المهاجرون غير الشرعيين في البلاد، الذين يواجهون مخاطر جسيمة على حياتهم بسبب عصابات تهريب البشر والجريمة المنظمة التي تنشط في الجنوب الليبي.
وتواصل الأجهزة الأمنية في ليبيا محاربة الجريمة المنظمة، وفي إطار هذه الجهود، تلقت إدارة إنفاذ القانون بالمنطقة الجنوبية التابعة للإدارة العامة للعمليات الأمنية، معلومات دقيقة تفيد بوجود وكر إجرامي في سبها يضم شبكة واسعة من الأنشطة غير القانونية.
وتشير التحقيقات الأولية إلى أن هذا الوكر كان يضم مجموعة من العصابات التي تتاجر بالبشر والمخدرات وتهريب الوقود، بالإضافة إلى انخراطهم في تجارة الدعارة.
بعد تلقي هذه المعلومات، بادرت قوات الأمن بحملة مداهمة مشتركة مع كتيبة 11 من اللواء طارق بن زياد، حيث تم اقتحام الوكر واعتقال عدد من الأفراد المتورطين.
وخلال التحقيقات الأولية، كشف أحد المعتقلين عن تفاصيل مروعة حول قتل المهاجرين غير الشرعيين.
أكد المعتقل أنه تم قتل مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين ورمي جثثهم في بئر صرف صحي نائية بناءً على أوامر من قادة ليبيين ينظمون عمليات التهريب والإتجار بالبشر في المنطقة.
حسب اعترافات المعتقل، فإن الضحايا كانوا من المهاجرين الذين وصلوا إلى ليبيا عبر شبكات تهريب البشر، وكانوا يعملون في ظروف قاسية ضمن هذه الشبكات.
وقد أكدت التحقيقات أن هذه العصابات كانت تتعامل مع المهاجرين كسلع رخيصة، حيث يتم التخلص منهم عندما يعجزون عن دفع المبالغ المطلوبة مقابل تهريبهم أو في حالة عدم وفائهم بشروط العمل القاسية المفروضة عليهم.
وأوضح المعتقل أن العصابة كانت تقوم بقتل الضحايا بشكل جماعي ورمي جثثهم في الآبار السوداء، وهي أماكن نائية يصعب الوصول إليها.
وقد أضافت التحقيقات أنه وفقًا لما أفاد به أحد المعتقلين، هناك جثث أخرى ما زالت في ذات البئر، مما يزيد من حجم الجريمة ويكشف عن الواقع المأساوي الذي يعيشه المهاجرون غير الشرعيين في ليبيا.
كما تم العثور على جثة أولى خلال عمليات البحث، وجرى عرضها على الطبيب الشرعي لتحديد سبب الوفاة وأخذ عينات من الحمض النووي للتأكد من هوية الضحية.
فيما يتعلق بالتحقيقات، فقد تم إشراك النيابة العامة في عملية تفقد الجثث واستخراجها من مكان الحادث، بحضور وكيل النيابة العامة وفريق من مكتب المباحث الجنائية في سبها.
وتعتبر هذه الحادثة جزءًا من صورة أكبر للمعاناة الإنسانية التي يواجهها المهاجرون في ليبيا، حيث أن العديد منهم يتعرضون للاستغلال من قبل عصابات التهريب، التي تقوم بجلبهم من دولهم الأصلية بتكلفة عالية، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف ضحايا لعمليات قتل وحشية.
رغم اكتشاف جثة واحدة فقط حتى الآن، إلا أن التحقيقات تشير إلى أن هناك جثثًا أخرى قد تعود لخمسة مهاجرين آخرين، سيتم استخراجهم في الأيام القادمة.
وتستمر الأجهزة الأمنية في عمليات البحث المكثفة للقبض على المزيد من أفراد العصابة المتورطة، الذين يُعتقد أنهم لا يزالون مختبئين في مناطق أخرى من المدينة أو في محيط الجنوب الليبي.
وتعتبر هذه الجريمة جزءًا من مشكلة أوسع تعاني منها مناطق الجنوب الليبي التي أصبحت مرتعًا للشبكات الإجرامية المتنوعة، حيث تنشط عصابات تهريب البشر والمخدرات في هذه المنطقة، مما يجعلها واحدة من أخطر الأماكن في ليبيا.
وتعمل هذه العصابات في ظل غياب السيطرة الفعالة من قبل السلطات المركزية، إذ أن الجنوب يعاني من ضعف في الأمن وانتشار الفوضى منذ اندلاع الصراع في 2011.
وتجذب هذه الشبكات الإجرامية المهاجرين غير الشرعيين الذين يهربون من أوطانهم بسبب الحروب أو الأزمات الاقتصادية، ليجدوا أنفسهم في قبضة عصابات تهريب البشر التي لا تتوانى عن استغلالهم وقتلهم إذا لزم الأمر.
وفي ظل الظروف الراهنة، تستمر العصابات في ممارسة أنشطتها غير القانونية بحرية نسبية بسبب انعدام الأمن والرقابة.
وتشير هذه الحادثة إلى حجم التحديات التي تواجهها السلطات الليبية في مكافحة الجريمة المنظمة، خاصة في ظل الصراع المستمر في البلاد، وضعف الحكومة المركزية.
وبالرغم من الجهود المستمرة من قبل السلطات المحلية والمجتمع الدولي لمكافحة تهريب البشر، إلا أن هذه الأنشطة الإجرامية ما زالت مستمرة.
وتكمن المشكلة في ضعف التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وغياب الرقابة الفعالة على الحدود الجنوبية للبلاد.
وعلى الرغم من تلك التحديات، لا تزال النيابة العامة الليبية تبذل جهودًا كبيرة لكشف تفاصيل الجرائم التي ترتكبها هذه العصابات، حيث تعمل بالتعاون مع الأجهزة الأمنية المتخصصة في مكافحة الجريمة المنظمة.
ويُتوقع أن تتسارع وتيرة التحقيقات في الأيام المقبلة، لا سيما مع تأكيد هوية بعض الضحايا ووجود أدلة إضافية حول كيفية قتلهم.
ويري مراقبون أن هذه الجريمة تظل بمثابة جرس إنذار يلفت الانتباه إلى الوضع المأساوي للمهاجرين غير الشرعيين في ليبيا، والتهديدات التي يواجهونها من العصابات الإجرامية المتورطة في تهريب البشر والاتجار بأرواحهم.
كما، تواصل الأجهزة الأمنية في ليبيا جهودها لملاحقة هؤلاء المجرمين، في وقت تبقى فيه التحديات الأمنية والاقتصادية في الجنوب الليبي عائقًا كبيرًا أمام تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد.
ومنذ اندلاع الصراع في ليبيا في عام 2011، شهدت البلاد تحولًا كبيرًا في المشهد الأمني والاجتماعي، حيث أدت حالة الفوضى السياسية والعسكرية إلى انتشار العصابات الإجرامية والميليشيات المسلحة التي تنشط في مختلف أنحاء البلاد، بما في ذلك المناطق الجنوبية.
هذا الوضع الأمني المتدهور أسهم في تغذية جريمة تهريب البشر، الاتجار بالمخدرات، وتجارة الأسلحة، بالإضافة إلى انتشار الخلايا الإرهابية التي تستغل ضعف الدولة لتوسيع نفوذها في بعض المناطق.
وكانت مدينة سبها، مثل العديد من المدن الليبية، من بين الأماكن التي عانت بشكل كبير من هذا الانفلات الأمني، حيث أصبحت ملاذًا لعصابات تهريب البشر والوقود، إضافة إلى العناصر الإرهابية التي تسعى لتنفيذ أجنداتها في ظل غياب سلطة مركزية قوية، حيث وجدت هذه الجماعات الإجرامية في حالة الفراغ الأمني فرصة لتوسيع نشاطاتها الإجرامية وارتكاب الجرائم ضد المدنيين، مثل قتل المهاجرين غير الشرعيين واستخدامهم كوقود لحروبهم الاقتصادية والسياسية.
ويعكس استمرار الفوضى الأمنية في ليبيا منذ 2011 عجز الدولة عن فرض سيطرتها على كافة المناطق، مما ساهم في تصعيد العنف، وتوسيع دائرة الإرهاب والجريمة المنظمة.