التصعيد في الشمال السوري.. معركة النفوذ الإقليمي والدولي وتقدم الإرهاب
الإثنين 02/ديسمبر/2024 - 07:26 ص
طباعة

تشهد سوريا تصعيدًا عسكريًا جديدًا يهدد بإعادة إشعال الصراع الذي ظن البعض أنه بدأ يتجه نحو التهدئة. فقد شهدت الأيام الأخيرة هجومًا مباغتًا من قبل فصائل مسلحة مدعومة من تركيا، نجحت خلاله في السيطرة على مناطق استراتيجية في ريف حلب الشمالي، بما في ذلك مدن وقرى كانت تخضع لسيطرة القوات السورية. في الوقت نفسه، نفذت طائرات التحالف الدولي غارات على مواقع تابعة للميليشيات الإيرانية في دير الزور، مما يعكس استمرار الصراع الخفي بين القوى الدولية والإقليمية على الأراضي السورية.
هذا التصعيد العسكري المفاجئ يعيد ترتيب الأوراق في شمال سوريا، حيث سيطرت هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها على مدينة حلب ومعظم أحيائها، باستثناء المناطق الشمالية ذات الغالبية الكردية. هذه التطورات تشكل أول تقدم كبير لقوات المعارضة منذ عام 2020، ما يضع النظام السوري وحلفاءه، روسيا وإيران، في موقف حرج، ويثير قلق المجتمع الدولي بشأن تداعيات هذا التوتر على استقرار المنطقة.
على صعيد متصل، تُظهر الضربات الجوية المتبادلة بين الطيران الروسي وطائرات التحالف الدولي تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى في سوريا، حيث تستمر واشنطن وموسكو في استخدام النزاع السوري كمنصة لتحقيق مكاسب استراتيجية. وفي ظل هذه التحركات، تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في المناطق المتضررة، إلى جانب الخشية من أن تعيد هذه الفوضى تمكين الجماعات المتطرفة، مثل هيئة تحرير الشام، التي قد تستغل هذه الأوضاع لتعزيز نفوذها، مما يجعل الأزمة السورية أكثر تعقيدًا وأبعد عن الحل.
ردود الفعل الدولية والإقليمية: تضارب المصالح
البيان الصادر عن الولايات المتحدة وحلفائها (فرنسا، ألمانيا، والمملكة المتحدة) الذي يدعو إلى "وقف التصعيد" يعكس قلقًا دوليًا متزايدًا بشأن استقرار المنطقة. دعوة البيان إلى تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2254 تؤكد أن الحل السياسي لا يزال بعيد المنال في ظل استمرار الصراع العسكري.
في المقابل، تؤكد أنقرة أن لا علاقة لها بهذا التصعيد، رغم أن الفصائل المسلحة التي حققت هذه المكاسب مدعومة تركيًا. هذا التناقض يعكس استراتيجية أنقرة القائمة على الحفاظ على نفوذها في شمال سوريا، مع محاولة تجنب مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا.
من جهة أخرى، استهدفت غارات التحالف الدولي مواقع للميليشيات الإيرانية في دير الزور، مما يعكس استمرار الصراع الخفي بين الولايات المتحدة وإيران في الأراضي السورية. وفي الوقت ذاته، شن الطيران الروسي غارات على مناطق في حلب وإدلب، مما يظهر استمرار موسكو في دعم النظام السوري ومحاولة استعادة زمام المبادرة.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن استهداف التحالف الدولي لمواقع الميليشيات الإيرانية في دير الزور يعكس توازنًا معقدًا بين الأطراف الفاعلة في الصراع السوري. لأنه قد يؤدي إلى حالة فراغ أمني تستفيد منه هيئة تحرير الشام الا ان هذا الاحتمال يحتاج إلى تفصيل وتحليل معمق للأهداف الاستراتيجية لهذه العمليات. هناك عدة نقاط يجب أخذها بعين الاعتبار:
أهداف التحالف الدولي
غارات التحالف الدولي تستهدف في المقام الأول تقويض النفوذ الإيراني في سوريا، وهو جزء من الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران في الشرق الأوسط. هذه الغارات غالبًا ما تركز على الحد من قدرة إيران على تعزيز وجودها العسكري وربط سوريا بالعراق عبر شبكة من الميليشيات الموالية لها.
ليس من الواضح أن هذه العمليات تهدف مباشرة إلى دعم هيئة تحرير الشام أو تمهيد الطريق لها، حيث إن التحالف الدولي يتبنى رسميًا موقفًا معاديًا للتنظيمات المصنفة إرهابية، بما في ذلك هيئة تحرير الشام.
هيئة تحرير الشام كلاعب في المنطقة
هيئة تحرير الشام، التي تسيطر بشكل رئيسي على إدلب، تعتبر جهة متطرفة لها طموحات توسعية، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحديات من أطراف عدة، بما في ذلك النظام السوري، الفصائل المدعومة من تركيا، وقوات التحالف الدولي.
رغم ذلك، قد يؤدي تآكل النفوذ الإيراني أو ضعف قوات النظام السوري في مناطق مثل دير الزور إلى خلق فراغ أمني يمكن أن تحاول هيئة تحرير الشام استغلاله للتوسع، لكن هذا يعتمد على تطورات معقدة تشمل التوازنات الإقليمية والمحلية.
الموقف الروسي والتركي
روسيا، الداعمة للنظام السوري، قد ترى في تصعيد هيئة تحرير الشام تهديدًا مباشرًا لنفوذ النظام في حلب وإدلب. الغارات الجوية الروسية التي استهدفت إدلب وحلب تُظهر تصميم موسكو على منع الهيئة من تحقيق مكاسب إضافية. من جهة أخرى، تركيا، التي تدعم فصائل معارضة أخرى، تنظر بحذر إلى توسع هيئة تحرير الشام وتعمل على الحد من نفوذها، خاصة في سياق اتفاقيات وقف إطلاق النار مع روسيا.
ونستطيع القول ان استهداف الميليشيات الإيرانية قد يؤدي إلى تراجع نفوذها في مناطق استراتيجية، لكن دون وجود قوة بديلة قادرة على ملء هذا الفراغ، قد تتصاعد التوترات، وتجد هيئة تحرير الشام فرصة لاستغلال الوضع.
إذا حاولت هيئة تحرير الشام التوسع، ستواجه على الأرجح مقاومة من النظام السوري وروسيا، وربما من تركيا أيضًا، ما يعني مزيدًا من الفوضى والصراعات.
الفصائل المدعومة من تركيا قد تحاول منع أي توسع لهيئة تحرير الشام، خاصة في مناطق شمال حلب.
ورغم أن استهداف الميليشيات الإيرانية يضعف النظام السوري وحلفاءه، إلا أنه لا يمكن القول بشكل قاطع إنه يهيئ المنطقة لسيطرة هيئة تحرير الشام. المسألة تعتمد بشكل كبير على مواقف القوى الإقليمية والدولية ومدى استعدادها لمنع الهيئة من تحقيق مكاسب. المنطقة تعيش في حالة ديناميكية معقدة، حيث تستغل الجماعات المتطرفة مثل هيئة تحرير الشام الفراغات الأمنية، لكن هذه المحاولات غالبًا ما تُقابل بتدخلات مضادة من مختلف الأطراف.
الأهمية الاستراتيجية للمناطق المستهدفة
المناطق التي شهدت التصعيد الأخير، سواء في حلب أو دير الزور، تحمل أهمية استراتيجية كبيرة. فمدينة حلب تمثل ثاني أكبر مدن سوريا ومركزًا اقتصاديًا تاريخيًا، وسيطرتها تمنح الفصائل المسلحة ورقة ضغط قوية. أما مناطق "القرى السبع" في دير الزور، فهي تشكل نقطة تماس مباشر بين قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيًا وقوات النظام السوري المدعومة إيرانيًا وروسيا، مما يجعلها ساحة تنافس رئيسية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن السيطرة على حلب تمنح الجماعات المسلحة، مثل هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها، زخمًا سياسيًا وعسكريًا كبيرًا، خاصة مع انسحاب القوات السورية النظامية منها. هذه السيطرة لا تعني فقط هزيمة استراتيجية للنظام السوري، بل تفتح المجال أمام إعادة توزيع القوى في شمال سوريا، مما يضع ضغوطًا متزايدة على دمشق وحلفائها ويعزز موقف الفصائل في أي مفاوضات مستقبلية. كما أن استحواذ المعارضة المسلحة على حلب قد يشجع أطرافًا إقليمية على تقديم مزيد من الدعم لها لتعزيز مواقعها.
أما في دير الزور، فإن مناطق "القرى السبع" تمتلك أهمية اقتصادية وأمنية عالية، نظرًا لقربها من حقول النفط والغاز الغنية التي تشكل عصب الاقتصاد السوري. السيطرة على هذه المناطق تعني التحكم في جزء مهم من الثروات الطبيعية، ما يعزز الموقف المالي والعسكري لأي طرف يسيطر عليها. إضافة إلى ذلك، فإن وجود هذه المناطق على الحدود المباشرة بين مناطق نفوذ القوات الأمريكية وقوات النظام يجعلها مسرحًا محتملًا لتصعيدات أكبر بين الولايات المتحدة وإيران، ما قد يدفع المنطقة نحو مواجهة جديدة تؤثر على التوازنات في كامل الشرق الأوسط.
تحليل الأبعاد السياسية
التصعيد العسكري الحالي يعيد تذكير المجتمع الدولي بأن الصراع في سوريا لم يصل إلى مرحلة التسوية، وأن وقف إطلاق النار المبرم عام 2020 بين تركيا وروسيا لم يكن إلا هدنة مؤقتة. الأوضاع الحالية تشير إلى أن اللاعبين الرئيسيين (تركيا، روسيا، إيران، والولايات المتحدة) يسعون لتعزيز مواقعهم في أي مفاوضات مستقبلية، ما يدفعهم إلى دعم وكلائهم على الأرض لتحقيق مكاسب عسكرية.
من جهة أخرى، هذا التصعيد يضع النظام السوري في موقف حرج. فقد خسر السيطرة على مناطق استراتيجية، بينما يواجه ضغوطًا دولية متزايدة، خصوصًا مع تدهور الوضع الاقتصادي الداخلي. كما أن التوتر في سوريا قد يؤثر على استقرار العراق والدول المجاورة، ما قد يؤدي إلى مزيد من التدخلات الإقليمية.
علاوة على ذلك، يعكس التصعيد الأخير هشاشة الاتفاقيات الدولية بشأن سوريا، والتي غالبًا ما تُبرم بين القوى الكبرى دون أن تأخذ بعين الاعتبار التعقيدات المحلية واللاعبين على الأرض. فالتوترات الحالية تشير إلى أن هذه الاتفاقيات لم تنجح في خلق إطار مستدام للسلام أو تثبيت وقف إطلاق النار. بل يبدو أن كل طرف يستغل الهدن المؤقتة لإعادة ترتيب أوراقه وتحقيق تقدم ميداني جديد يخدم أجنداته الاستراتيجية. هذا الوضع يزيد من تعقيد المشهد السوري ويدفع نحو مزيد من عسكرة الصراع بدلاً من حله عبر الحوار السياسي.
إضافة إلى ذلك، فإن استمرار التصعيد العسكري يهدد بتقويض جهود الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لإيجاد حل سياسي شامل. فالتحركات الميدانية الأخيرة، سواء من قبل هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها أو من قبل التحالف الدولي وروسيا، تشير إلى أن الأطراف المختلفة تركز على تحقيق مصالحها الضيقة بدلاً من السعي لتحقيق استقرار طويل الأمد. هذا النهج قد يؤدي إلى تعميق الأزمة الإنسانية، حيث يواجه المدنيون في المناطق المستهدفة مخاطر متزايدة من النزوح والحرمان، مما يجعل الوضع أكثر تعقيدًا ويطيل أمد المعاناة الإنسانية في البلاد.
النتائج المحتملة
زيادة الفوضى وتقويض الحل السياسي
استمرار العمليات العسكرية وتصاعد التوتر بين الأطراف الفاعلة في سوريا يعمق الانقسامات بشكل أكبر، سواء بين القوى الإقليمية والدولية أو بين اللاعبين المحليين. فالأحداث الأخيرة توضح أن كل طرف يسعى لتحقيق مكاسب عسكرية تُترجم إلى نفوذ سياسي في أي مفاوضات مستقبلية، مما يؤدي إلى غياب التوافق على طاولة الحوار.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تصاعد القتال يعزز من غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، ويُضعف دور الأمم المتحدة كميسر للحوار. في ظل هذه الظروف، يصبح قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، الذي يدعو إلى حل سياسي شامل بقيادة سورية، بعيد المنال، لأن الديناميكيات الميدانية الحالية تعيد ترتيب الأولويات لصالح السيطرة العسكرية بدلاً من الحلول الدبلوماسية.
تفاقم الأزمة الإنسانية
الهجمات العسكرية المتزايدة والغارات الجوية، سواء من جانب التحالف الدولي أو الطيران الروسي، تؤدي إلى ارتفاع عدد الضحايا المدنيين ونزوح المزيد من السكان. سكان المخيمات، الذين يعيشون بالفعل في ظروف مأساوية، يواجهون الآن تصعيدًا جديدًا يزيد من تدهور أوضاعهم الإنسانية.
علاوة على ذلك، فإن الحصار المفروض على بعض المناطق مثل القرى المحاصرة في شمال سوريا، يؤدي إلى انعدام الوصول إلى المساعدات الإنسانية الأساسية، بما في ذلك الغذاء والدواء. مع تصاعد القصف، تصبح منظمات الإغاثة غير قادرة على الوصول إلى المناطق المتضررة، مما يزيد من معاناة السكان المحليين ويُطيل أمد الأزمة الإنسانية في البلاد.
تعزيز نفوذ الجماعات المتطرفة
استمرار الفوضى العسكرية والسياسية يخلق بيئة مثالية لنمو الجماعات المتطرفة، مثل هيئة تحرير الشام وغيرها من التنظيمات التي تستغل هذا الوضع لتعزيز سيطرتها على مناطق جديدة وتجنيد المزيد من الأفراد.
في ظل غياب سلطة مركزية قوية وفشل المجتمع الدولي في وضع حد لهذه الصراعات، تجد هذه الجماعات فرصة لملء الفراغ الأمني وتوسيع نفوذها. بالإضافة إلى ذلك، فإن التوترات الإقليمية بين إيران وتركيا والولايات المتحدة تُعقد المشهد أكثر، وتوفر لهذه الجماعات مبررًا للبقاء في المشهد كسد منيع ضد التدخلات الأجنبية، مما يعزز موقفها أمام المجتمعات المحلية.
النتيجة النهائية هي استمرار دورة العنف والفوضى، حيث تستغل هذه الجماعات الفوضى لتعزيز أجنداتها الأيديولوجية وتوسيع مناطق نفوذها، مما يجعل تحقيق الاستقرار مهمة شبه مستحيلة في المستقبل القريب.
الخاتمة
يظهر التصعيد الأخير في سوريا أن الحرب التي اندلعت قبل أكثر من عقد لا تزال تُلقي بظلالها على حاضر ومستقبل البلاد. ففي ظل التحركات العسكرية الجديدة والاشتباكات المتصاعدة، يبدو أن القوى الإقليمية والدولية تسعى لتعزيز مواقعها، بغض النظر عن الأثر المدمر الذي يخلفه هذا الصراع على المدنيين والبنية التحتية. هذا الوضع يعكس مرة أخرى غياب الإرادة السياسية للوصول إلى حل جذري للصراع، واستمرار الاعتماد على الأدوات العسكرية لتحقيق أهداف قصيرة المدى.
من جهة أخرى، فإن هذا التصعيد يعزز مخاوف المجتمع الدولي من عودة الجماعات المتطرفة إلى الواجهة، حيث يوفر انهيار الأمن والنظام في بعض المناطق بيئة خصبة لنمو هذه الجماعات واستغلالها للفوضى لتحقيق مكاسب جديدة. كما أن الوضع الإنساني في المناطق المتضررة يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، مع تصاعد الغارات الجوية وعمليات النزوح الجماعي، ما يتطلب استجابة عاجلة من المنظمات الإنسانية للحد من معاناة السكان.
في النهاية، تبقى سوريا عالقة في دائرة مغلقة من العنف والتدخلات الخارجية، حيث تتداخل المصالح الإقليمية والدولية في تعقيد الأزمة أكثر فأكثر. ما لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل حاسم لدفع جميع الأطراف نحو الالتزام بقرار مجلس الأمن رقم 2254، الذي يدعو إلى تسوية سياسية شاملة، فإن المشهد السوري مرشح لمزيد من التصعيد، مع ما يترتب عليه من تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة بأكملها.