الجولاني وتحولات القيادة في هيئة تحرير الشام: حقائق وتناقضات

أبو محمد الجولاني هو أحد أبرز القادة الجهاديين والمصننف ارهابيها على القوائم الأمريكية، ويُعتبر زعيم هيئة تحرير الشام أكبر جماعة مسلحة في شمال غرب سوريا، تتميز شخصيته بالغموض، حيث لا يزال يُحيط بها الكثير من التساؤلات حول هويته الحقيقية مكان ولادته وأهدافه السياسية والعسكرية.
ومع اقتحام قواته لحلب، أصبح الجولاني مرة أخرى محوراً للنقاش والجدل داخل سوريا وخارجها، خاصة أنه أصبح زعيماً لجماعة معترف بها من قبل الدول الغربية والإسلامية والأمم المتحدة.
الغموض حول هويته
يُثار الجدل حول هوية أبو محمد الجولاني، ولا سيما فيما يتعلق بمكان ولادته، ترد روايات متضاربة حول ذلك، إذ يقال إنه وُلد في الرياض عاصمة السعودية في عام 1982، بينما تشير تقارير أخرى إلى أنه وُلد في دير الزور بسوريا في عام 1981.
وتختلف التقارير حول اسمه الحقيقي وتاريخ ومكان ولادته وسيرته الذاتية وحتى ولادته، مما يزيد من غموض شخصيته. وبحسب تقارير الأمم المتحدة فإنه ولد بين عامي 1975 و1979، بينما قال الإنتربول إنه ولد عام 1975.
وكما قال في مقابلة مع قناة PBS في الولايات المتحدة، فإن اسمه الحقيقي هو أحمد حسين الشرع، ولقبه الذي يشير إلى جبال الجولان، يعكس ارتباط عائلته بتلك المنطقة. وقال في تلك المقابلة إنه ولد عام 1982 في العاصمة السعودية الرياض، حيث كان والده مهندسا نفطيا حتى عام 1989. وفي ذلك العام، عادت عائلة الجولاني إلى سوريا، حيث نشأ وعاش في حي المزة بدمشق.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن الجولاني من مواليد مدينة دير الزور السورية عام 1981، ويقال إنه درس الطب في دمشق لمدة عامين قبل أن يغادرها في سنته الدراسية الثالثة للانضمام إلى تنظيم القاعدة في العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003.
هذه التضاربات تزيد من الغموض حول هويته، ورغم أن الجولاني أكد في مقابلة مع شبكة بي بي إس الأمريكية أنه وُلد في الرياض، إلا أن التقارير الصحفية تتفاوت في هذا الخصوص، إلى جانب ذلك، تظل العديد من التفاصيل الشخصية حول عائلته ونشأته مجهولة، مما يعزز من انطباع الغموض المحيط بشخصيته.
التحاقه بالجهاد: من العراق إلى سوريا
تبدأ مسيرة الجولاني الجهادية في العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003، انضم إلى تنظيم القاعدة تحت قيادة أبو مصعب الزرقاوي، الذي كان واحدًا من أبرز قادة القاعدة في العراق.
وبعد وفاة الزرقاوي في 2006، استمر الجولاني في نشاطاته الجهادية، حيث تم احتجازه من قبل القوات الأمريكية في العراق، ثم أُفرج عنه في عام 2008.
ويعتقد أنه ارتقى سريعا في صفوف التنظيم الجهادي، ليصبح صديقا مقربًا لأبي مصعب الزرقاوي. وانتقل إلى لبنان في عام 2006 بعد اغتيال الزرقاوي، حيث ورد أنه أشرف على تدريب الجماعة اللبنانية المسلحة جند الشام. ويُعتقد أنه سافر مرة أخرى إلى العراق، حيث اعتقلته القوات الأمريكية لفترة، وانضم إلى تنظيم دولة العراق الإسلامية بعد إطلاق سراحه عام 2008.
بعد إطلاق سراحه، انضم إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق تحت قيادة أبو بكر البغدادي، إلا أنه في 2011، أُرسل إلى سوريا لتأسيس فرع جديد لتنظيم القاعدة هناك للقتال ضد الرئيس السوري بشار الأسد.
في 2012، أسس الجولاني جبهة النصرة في سوريا داعيًا السوريين إلى الجهاد ضد نظام الرئيس بشار الأسد. وعندما تولى قيادة جبهة النصرة، قالت مؤسسة كويليام البريطانية للأبحاث، إن الجولاني لديه "خبرة في العراق"، مما يجعل قيادته لجبهة النصرة "لا يمكن دخولها بلا منازع". وذكر التقرير أيضًا أن التفاصيل التي قدمها الجولاني كانت "مشددة للغاية لدرجة أن معظم أعضاء جبهة النصرة لا يعرفون زعيمهم".
لكن بعد عدة سنوات من الارتباط بتنظيم القاعدة، رفض الجولاني محاولة أبو بكر البغدادي دمج جبهة النصرة مع تنظيم (داعش) في 2013، مما أدى إلى انفصال الجولاني عن داعش وتأكيد ولائه لزعيم القاعدة أيمن الظواهري.
تحولاته: من القاعدة إلى هيئة تحرير الشام
في عام 2016، أعلن الجولاني قطع علاقته بتنظيم القاعدة، وأعاد تسمية جبهة النصرة إلى جبهة فتح الشام، سعياً منه لتقديم صورة أكثر محلية وأقل ارتباطًا بالتنظيمات العالمية.
وفي عام 2017، شكل الجولاني هيئة تحرير الشام من خلال اندماج عدة فصائل جهادية مثل حركة نور الدين الزنكي، لواء الحق، جيش السنة وجبهة أنصار الدين. ورغم محاولاته الفصل عن القاعدة، بقيت الهيئة على صلة وثيقة بالعديد من التنظيمات الجهادية السابقة، مما جعلها محورًا للجدل والتساؤلات.
في عام 2021، قال الجولاني لشبكة PBS إنه تخلى عن هدف تنظيم القاعدة المتمثل في الجهاد العالمي ويركز الآن فقط على الإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا وإقامة نظام إسلامي في سوريا.
وتقدر الاستخبارات الأمريكية أن هيئة تحرير الشام تضم ما بين 5 آلاف و10 آلاف عضو، فيما قدر مشروع التهديدات العابرة للحدود الوطنية التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية حول الجماعات السلفية الجهادية، فإن هيئة تحرير الشام لديها قوة قتالية تتراوح بين 12 ألفًا و15 ألف مسلح اعتبارًا من أكتوبر 2018.
و تقع المجموعة بشكل أساسي في محافظة إدلب السورية، على الرغم من تمتعها بحضور عملياتي في محافظات حلب وحماة ودرعا ودمشق.
ورغم أن هيئة تحرير الشام معروفة بأنها منظمة إرهابية، فإن الغالبية العظمى من "الأحداث العنيفة" المنسوبة إلى الجماعة تتوافق مع استراتيجيتها المناهضة للحكومة، والمناهضة لإيران، والمناهضة لتنظيم داعش .
اليوم، لا تزال هيئة تحرير الشام تحت قيادة أبو محمد الجولاني، لكن أهداف الجماعة تغيرت إلى حد ما منذ إعلان استقلالها عن تنظيم القاعدة. ورغم أن تصريحات الجولاني العلنية تشير أحيانًا إلى أهداف أوسع نطاقًا (على سبيل المثال، "بهذه الروح... لن نصل إلى دمشق فحسب، بل إن القدس ستكون في انتظار وصولنا بإذن الله" ، فإن خطاب "الخلافة العالمية" الواسع النطاق الذي تفضله القاعدة غائب إلى حد كبير في منشورات هيئة تحرير الشام اليوم. وبدلاً من ذلك، تركز الجماعة على المستوى المحلي، حيث يتمثل هدفها الأساسي في إقامة حكم إسلامي في سوريا من خلال "إسقاط النظام الإجرامي "الأسد" وطرد الميليشيات الإيرانية".
ولتحقيق هذه الغاية، روج الجولاني لاستراتيجية متعددة الجوانب. كانت المرحلة الأولى، التي زعمت هيئة تحرير الشام أنها أكملتها في أغسطس 2018، هي إزالة "الميليشيات الإيرانية والمسلحين من بلدتي الفوعة وكفريا، الذين كانوا يشكلون تهديدًا للمنطقة بأكملها وحافزًا للتعبئة الطائفية، والتي يستغلها النظام لتحقيق أهدافه".
والمرحلة الثانية، حتى أكتوبر 2018، هي حملة ضد تنظيم داعش وحلفائه في سوريا، الذين ندد بهم الجولاني باعتبارهم "مزعزعين للاستقرار"، والمرحلة الثالثة هي مرحلة ترسيخ أو "تحصين والدفاع" عن شمال سوريا من أجل منع خسارة المزيد من الأراضي.
وتكمل هذه الاستراتيجية العسكرية استراتيجية سياسية، حيث تسعى هيئة تحرير الشام إلى الوحدة بين الجماعات الجهادية في سوريا - مشيرة إلى هذه الوحدة باعتبارها "صفًا واحدًا متماسكًا" - مع الحفاظ على سياسة "عدم التفاوض" أو المصالحة مع نظام الأسد.
حكمه في إدلب
تحت قيادة الجولاني، تمكنت هيئة تحرير الشام من السيطرة على معظم محافظة إدلب، وهي آخر معقل رئيسي للمعارضة المسلحة في سوريا. في المناطق التي تسيطر عليها الهيئة، أسس الجولاني نظام حكم محلي، حيث تم تشكيل حكومة الإنقاذ، وهي مسؤولة عن إدارة شؤون مثل التعليم والصحة والأمن الداخلي.
كما تم إنشاء محاكم شرعية وقوات شرطة لتنفيذ القانون في المناطق الخاضعة للهيئة. ورغم الصورة البراغماتية التي يسعى الجولاني لتقديمها عن حكمه، إلا أن هناك تقارير تشير إلى قمع مظاهرات ضد الهيئة وتعذيب المعتقلين في سجونها، مما يثير تساؤلات حول مستوى الحريات تحت حكمه.
العلاقات مع القوى الدولية
أبو محمد الجولاني هو شخصية مثيرة للجدل على الساحة الدولية. في 2021، أكد في مقابلة مع بي بي إس أن هيئة تحرير الشام قد تخلت عن أهداف القاعدة العالمية، وأنها تركز فقط على الإطاحة بنظام الأسد.
ورغم هذه التصريحات، تبقى الهيئة على قائمة المنظمات الإرهابية لدى العديد من الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي عرضت مكافأة قدرها 10 ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى القبض عليه.
في العام الماضي، أظهرت التقارير أن هيئة تحرير الشام أجرت تحقيقات في ما يسمى بـ"قضية العميل"، حيث شنت حملة اعتقالات ضد العديد من قياداتها وأفرادها بتهم التعاون مع الولايات المتحدة وروسيا أو العمل لصالح الحكومة السورية. اعتُبرت هذه الحملة خطوة لتقوية قبضته على الهيئة والتخلص من أي منافسين محتملين.
وشهدت الهيئة صراعات داخلية تمثلت في انشقاقات عن الجولاني بسبب سياساته وقراراته التنظيمية. في 2013، فُصل العديد من كبار قادة جبهة النصرة بعد الخلافات حول الدمج مع داعش، وهو ما أسهم في تشديد قبضته على الجماعة وتوحيد السلطة تحت قيادته. كما شهدت الهيئة عمليات اعتقال واسعة لعناصر اتهمتهم بالخيانة أو التعاون مع دول أخرى.
اليوم، أصبح الجولاني زعيم القوة الأكثر هيمنة في الأراضي السورية التي تسيطر عليها المعارضة. ومن قاعدته في الزاوية الشمالية الغربية من البلاد، قاتل هو ومنظمته ضد قوات الأسد وحلفاء الأسد الروس والإيرانيين وحلفاء الجولاني السابقين في داعش والقاعدة.
من ضمن التحولات البراغماتية التي تجسدها هيئة تحرير الشام، استهدافها بشكل متزايد للجماعات الجهادية المتطرفة المتبقية في إدلب، وعلى رأسها حركة حراس الدين التابعة لتنظيم القاعدة. هذا التحرك يعتبر خطوة لتقديم صورة محلية أكثر تقبلاً من المجتمع الدولي والإقليمي، حيث حاولت الهيئة القضاء على الحركات الجهادية التي كانت تعتبر تهديدًا لأمنها الداخلي وتطورها السياسي، فضلًا عن عدم رغبتها في أن تكون مرتبطة بالجهاد العابر للحدود الوطنية كما كانت الحال في السابق.
تزامنًا مع هذه الاستراتيجية، تبنت الهيئة سياسة "العصا والجزرة" ضد الجماعات المتطرفة، حيث شنت حملات اعتقال ضد قادة هذه الفصائل المتشددة، مما يعكس سعي الهيئة إلى التخلص من العناصر التي قد تهدد استقرار حكمها في إدلب.
التوجه نحو التحول المحلي: إعادة تعريف الهوية
تتضح أهمية هذه التحولات في رؤية هيئة تحرير الشام في محاولة لتغيير هويتها من جماعة جهادية عالمية إلى جماعة سورية محلية تركز على "التحرير الوطني" وليس الجهاد العابر للحدود. هذه التوجهات قد تكون مدفوعة بعوامل متعددة، بما في ذلك رغبة الهيئة في أن تكون جزءًا من الحلول السياسية المستقبلية في سوريا، بما يحقق لها الاعتراف كجماعة محلية يمكن التفاوض معها، على غرار ما حدث مع طالبان في أفغانستان.
نموذج طالبان: الدروس المستفادة والتوقعات المستقبلية
في أعقاب سقوط نظام طالبان في أفغانستان وتقديمه نموذجًا لجماعة مسلحة محلية قادرة على السيطرة على الدولة والتفاوض مع القوى الكبرى، يبدو أن هيئة تحرير الشام تسعى إلى الاقتداء بهذا النموذج. إذ يبدو أن الهيئة ترى في تجربة طالبان فرصة لفرض نفسها كقوة محلية قد تتمكن من فرض سيطرتها على المناطق التي تسيطر عليها، وهو ما قد يعزز من موقفها السياسي في المستقبل في حال حدوث تسوية في سوريا.
الضغوط التركية والتحولات في الرؤية السياسية
من الواضح أن تركيا كانت تلعب دورًا مهمًا في دفع هيئة تحرير الشام نحو تبني بعض السياسات المحلية والبراغماتية. بعد محادثات أستانا، كان هناك ضغط متزايد على الهيئة لقبول الواقع الإقليمي والسياسي واتباع نهج أكثر توافقًا مع مصالح تركيا، وهو ما يظهر في سعي الهيئة إلى تقديم نفسها كقوة محلية لا تسعى للتوسع الخارجي أو ارتكاب أعمال إرهابية ضد الغرب.
الخلاصة:
إن التحولات التي قامت بها هيئة تحرير الشام تعكس سعيًا واضحًا للتكيف مع الواقع السياسي العسكري المعقد في سوريا. من خلال تشكيل حكومة الإنقاذ، محاربة الجماعات الجهادية المتطرفة، والتوجه نحو النموذج المحلي الذي قدمته طالبان، تسعى الهيئة إلى تغيير صورتها من جماعة جهادية عابرة للحدود إلى قوة محلية تركز على التحرير الوطني وحكم المناطق التي تسيطر عليها. هذا التحول البراغماتي قد يمكن الهيئة من التفاوض مع القوى الإقليمية والدولية، وهو ما قد يسهم في تطورها السياسي في المستقبل.