سوريا: صراع القوى ومصير مجهول
الخميس 05/ديسمبر/2024 - 02:46 م
طباعة

تشكل الأزمة السورية واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في العصر الحديث، حيث تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية بشكل يجعل من أي حل شامل أمراً صعب المنال. ومع استمرار الصراع، تتنافس القوى الكبرى والإقليمية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية على حساب استقرار البلاد ومعاناة شعبها. في هذا السياق، تتعدد التحليلات حول أدوار اللاعبين الرئيسيين، مثل تركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة، وكيف تسهم تحركاتهم في رسم مستقبل سوريا. إلا أن هذه الديناميكيات تطرح تساؤلات حاسمة حول فرص التهدئة وإمكانات التصعيد، في ظل توازن هش للقوى على الأرض.
التصريحات التي تناولتها الحلقة التلفزيونية على قناة سكاي نيوز اليوم الخميس ٥ ديسمبر ٢٠٢٣، تسلط الضوء على تعقيد المشهد السوري، الذي بات ساحة لصراع القوى الإقليمية والدولية. ورغم أهمية الطروحات المقدمة من الضيوف، إلا أن بعضها يثير تساؤلات حول مدى دقتها وواقعيتها، مما يستدعي وقفة نقدية وتحليلية أعمق.
الدور التركي: استراتيجية مزدوجة
يشير طه عودة أوغلو إلى أن تركيا تسعى لتوسيع نفوذها في الشمال السوري باستخدام التنظيمات المسلحة المدعومة منها، مع التركيز على مواجهة التهديد الكردي. هذه الرؤية تحمل قدراً كبيراً من الصحة، إذ تعكس المساعي التركية لإقامة منطقة عازلة تمتد على طول حدودها الجنوبية. ومع ذلك، يغفل التحليل أهمية العوامل الداخلية التركية، كالأوضاع الاقتصادية والضغوط السياسية المحلية، التي تلعب دوراً رئيسياً في تشكيل استراتيجية أنقرة تجاه سوريا.
من جهة أخرى، الإشارة إلى محاولة تركيا تحقيق التطبيع مع دمشق تبدو متفائلة بشكل مبالغ فيه. فالتوتر المستمر بين الجانبين، خصوصاً مع رفض دمشق المستمر للمطالب التركية، يجعل من فكرة التطبيع السريع أمراً بعيد المنال، خاصة في ظل تداخل المصالح الإقليمية.
إيران بين الضغوط والرهانات الطويلة
تناول عماد أبشيناس الدور الإيراني في سوريا يشير إلى صراع متعدد الأوجه، حيث تواجه طهران الضغوط الإسرائيلية المستمرة واستهداف قواعدها العسكرية. ورغم وجاهة التحليل الذي يشير إلى استراتيجية "النفس الطويل"، إلا أن التصريحات أغفلت التحديات الاقتصادية الداخلية التي تعاني منها إيران، والتي قد تحد من قدرتها على دعم حلفائها إقليمياً. كما أن التركيز على دور حلفاء إيران مثل حزب الله والفصائل العراقية يتجاهل السياق الأوسع للتوترات الطائفية التي قد تؤثر على نفوذ إيران على المدى الطويل.
روسيا: من لاعب رئيسي إلى وسيط محاصر
الإشارة إلى دور روسيا تُظهرها كطرف رئيسي في مسار التسوية السياسية السورية، ولكن التحليل لا يعكس الواقع الحالي بشكل كامل. فالتورط الروسي في أوكرانيا أضعف قدرتها على إدارة ملفات خارجية أخرى، بما في ذلك سوريا. وبينما تبقى موسكو جزءاً من مسار أستانا، يبدو دورها متراجعاً لصالح القوى الإقليمية مثل تركيا وإيران، وهو ما يتطلب قراءة أكثر واقعية للمشهد.
الولايات المتحدة والأكراد: تحالف استراتيجي أم علاقة ظرفية؟
موقف واشنطن الداعم لقوات سوريا الديمقراطية يُبرز تحديات جديدة لتركيا، إلا أن الطرح يغفل محدودية الأهداف الأمريكية في سوريا. فالوجود الأمريكي في شمال شرق البلاد يبدو مرتبطاً أساساً بالتصدي لتنظيم "داعش" ومنع توسع النفوذ الروسي والإيراني، أكثر من كونه دعماً مطلقاً للأكراد. كما أن التوترات بين واشنطن وأنقرة بشأن هذه القضية تُظهر حدود التحالف الأطلسي بين الجانبين.
التنافس التركي الإيراني: صراع نفوذ متعدد الأبعاد
التوتر بين أنقرة وطهران يعكس صراعاً أوسع بين المحاور الإقليمية، كما أشار الضيوف. ولكن التحليل يغفل العوامل المشتركة التي قد تدفع الطرفين إلى التهدئة، مثل الرغبة في تقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة. فالحديث عن التنافس فقط يُبسط العلاقة المعقدة بين الجانبين، التي تجمع بين التعاون والتنافس حسب السياق.
السيناريوهات المستقبلية: تصعيد أم تسوية؟
الرؤى المقدمة حول مستقبل الأزمة السورية بدت متناقضة. فبينما يرى أبشيناس أن التفاهمات الإقليمية قد تكون المفتاح لاستقرار المنطقة، يعتقد أوغلو أن التصعيد العسكري هو السيناريو الأكثر ترجيحاً. الواقع يشير إلى أن كلا السيناريوهين ممكن، ولكن تحقيق التفاهمات الإقليمية يتطلب إرادة سياسية غير متوفرة حالياً، في حين أن التصعيد العسكري قد يؤدي إلى نتائج كارثية إنسانياً وسياسياً، مما يعمق الأزمة بدلاً من حلها.
الخاتمة
بينما تُظهر التصريحات رؤية شاملة للمشهد السوري، فإنها تتسم في بعض الأحيان بالتبسيط أو التجاهل لعوامل حاسمة. الأزمة السورية، بأبعادها الإقليمية والدولية، تتطلب تحليلاً أكثر عمقاً يأخذ في الاعتبار التغيرات الديناميكية المستمرة. ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الأطراف المعنية تجاوز مصالحها الضيقة للوصول إلى حل شامل؟ حتى الآن، يبدو أن المصالح الجيوسياسية تستمر في تعقيد المشهد، مما يجعل الاستقرار بعيد المنال.