تحليل خطاب أحمد الشرع "الجولاني".. قراءة نقدية في سياق التوجه نحو الغرب

في ظل التطورات المتسارعة التي شهدتها الساحة السورية، وخاصة بعد سقوط نظام بشار الأسد وفراره إلى روسيا، ألقى قائد هيئة تحرير الشام أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) خطابًا يعكس تحولًا استراتيجيًا في خطابه السياسي. يمكن قراءة هذا الخطاب كجزء من محاولة مدروسة لاستمالة الغرب وكسب شرعيته، مستندًا إلى تغييب مقصود لبعض القضايا الحساسة، مثل التدخل الإسرائيلي وتدمير القدرات العسكرية السورية.
السياق السياسي والدولي
جاء خطاب الجولاني في مرحلة يسعى فيها إلى تثبيت هيئة تحرير الشام كجهة قادرة على قيادة سوريا في مرحلة ما بعد الأسد. إلا أن غياب أي تعليق على التدخل الإسرائيلي ودوره في إضعاف النظام السوري، خاصة مع تدمير أكثر من ٧٠% من قدراته العسكرية، يثير تساؤلات حول الرسائل المبطنة التي يحاول إيصالها.
هذا الصمت عن إسرائيل، في ظل استحضار موضوعات العدالة والمصالحة، يعكس رغبة واضحة في كسب ود القوى الغربية التي قد تنظر إلى هيئة تحرير الشام بقلق بسبب خلفيتها الإسلامية المتشددة.
البنية الخطابية: لغة الانفتاح المقننة
1. تهدئة المخاوف الدولية
ركز الجولاني في خطابه على فكرة أن الشعب السوري منهك من الحرب، وأن البلاد لن تنخرط في صراع آخر. هذه اللغة ليست موجهة فقط للشعب السوري بل تحمل رسالة ضمنية للمجتمع الدولي، مفادها أن هيئة تحرير الشام لا تشكل تهديدًا لاستقرار المنطقة.
2. تغييب القضايا الإقليمية الحساسة
بدا لافتًا غياب أي إشارة إلى التدخلات الإقليمية، لا سيما الغارات الإسرائيلية التي دمرت البنية العسكرية للنظام السوري. هذا التجاهل قد يُقرأ كرسالة ضمنية تعكس رغبة في تجنب الصدام مع الغرب أو إسرائيل، وربما حتى التلميح إلى استعداد الهيئة للتماشي مع التوازنات الإقليمية القائمة.
3. خطاب العدالة الانتقائية
رغم حديثه عن محاسبة مجرمي الحرب وضباط النظام، إلا أن الخطاب ظل مقتصرًا على تحميل المسؤولية للنظام السوري فقط، دون أي إشارة إلى الأطراف الأخرى المتورطة في الصراع، سواءً كانت دولية أو إقليمية. هذه الانتقائية في تحديد الجناة تهدف إلى تعزيز صورة الهيئة كجهة معتدلة تسعى لتحقيق العدالة، لكنها في الوقت ذاته تتجنب إثارة غضب أي طرف خارجي قوي.
محاولة تقديم صورة جديدة للهيئة
يمكن تحليل خطاب الجولاني ضمن إطار السعي إلى إعادة تشكيل صورة هيئة تحرير الشام، من فصيل مسلح مصنف دوليًا كمنظمة إرهابية إلى جهة سياسية قابلة للتعامل مع المجتمع الدولي.
لغة التهدئة: تصريحه بأن الحرب انتهت وأن سوريا ليست مستعدة لصراع جديد يهدف إلى تهدئة المخاوف الدولية.
خطاب العدالة والمصالحة: الإشارة إلى التسامح مع من لم تتلطخ أيديهم بالدماء، مقابل محاسبة المتورطين، تندرج ضمن جهود إعادة بناء صورة الهيئة كقوة مسؤولة أخلاقيًا.
الدلالات السياسية للصمت عن إسرائيل
رسالة ضمنية للغرب: غياب أي إشارة إلى الدور الإسرائيلي في إضعاف النظام السوري قد يُفسر على أنه رسالة موجهة إلى الدول الغربية، تعكس استعداد الهيئة لتجنب أي خطاب معادٍ لإسرائيل.
تفادي الصدام الإقليمي: يبدو أن الجولاني يحاول طمأنة الأطراف الإقليمية، بما فيها إسرائيل، بأن الهيئة لن تشكل تهديدًا مباشرًا لها.
التناقضات الداخلية في الخطاب
رغم محاولات الجولاني تقديم صورة جديدة، إلا أن الخطاب يحمل تناقضات واضحة:
1. محاسبة النظام مقابل تجاهل التدخلات الخارجية: الحديث عن العدالة والمحاسبة يتناقض مع الصمت عن التدخل الإسرائيلي الذي لعب دورًا كبيرًا في الصراع.
2. ازدواجية الرسائل: خطاب التسامح مع الشعب السوري يرافقه خطاب تهديد بملاحقة المتورطين في الجرائم، مما قد يثير مخاوف داخلية من أعمال انتقامية.
الاستراتيجية العامة: كسب ود الغرب
تحليل خطاب الجولاني يكشف عن استراتيجية واضحة تهدف إلى استمالة الغرب وكسب الشرعية الدولية.
خطاب معتدل: يسعى الجولاني إلى تقديم هيئة تحرير الشام كبديل معتدل مقارنة بنظام الأسد، مع التركيز على لغة المصالحة.
تجنب القضايا الجدلية: الابتعاد عن انتقاد إسرائيل يعكس إدراكًا لأهمية تهدئة المخاوف الغربية من ارتباط الهيئة بأجندات معادية لإسرائيل.
الخاتمة
خطاب الجولاني يعكس تحولًا كبيرًا في استراتيجية هيئة تحرير الشام، حيث يسعى إلى استثمار المرحلة الانتقالية لتقديم الهيئة كبديل سياسي شرعي ومعتدل. ومع ذلك، فإن تجاهله لقضايا حساسة مثل التدخل الإسرائيلي يثير تساؤلات حول طبيعة التوجهات المستقبلية للهيئة، وحقيقة مواقفها من القضايا الإقليمية والدولية. يبدو أن الجولاني يخوض حفلة سياسية مدروسة، هدفها الأول كسب ود الغرب، حتى لو جاء ذلك على حساب تجاهل الواقع الإقليمي وتعقيداته.