الغرياني يُشعل فتيل الفوضى مجددًا.. دعوات تحريضية تهدد استقرار ليبيا
الجمعة 27/ديسمبر/2024 - 01:55 ص
طباعة

يواصل تنظيم الإخوان في ليبيا بقيادة مفتيه الصادق الغرياني محاولاته لتقويض حالة الاستقرار النسبي التي بدأت تتشكل في البلاد على الرغم من التحديات السياسية والأمنية.
يأتي ذلك في وقت تتطلع فيه ليبيا إلى إنهاء سنوات طويلة من الصراع والانقسام، وسط جهود محلية ودولية لإنهاء حالة الجمود السياسي والمضي نحو مستقبل أكثر استقرارًا.
في أحدث تصريحاته المثيرة للجدل، دعا الغرياني المليشيات المسلحة التي وصفها بـ"الكتائب والفصائل" إلى إعادة تنظيم صفوفها واستئناف التدريب العسكري بهدف الاستيلاء على السلطة بالقوة.
جاءت هذه التصريحات تحت ستار التعليق على الأحداث في سوريا، حيث استخدم الغرياني الأحداث هناك كذريعة لدعوة هذه الجماعات إلى "إعداد العدة" لاستكمال ما وصفه بتحقيق أهداف الثورة.
الغرياني، الذي عُرف بتحريضه المستمر، استغل هذه الرسالة لتأجيج الانقسامات، محاولًا استعادة النفوذ الذي بدأ يتراجع في ظل جهود المصالحة الوطنية التي تدعمها أطراف ليبية ودولية.
رفض الغرياني بشدة أي مبادرات للمصالحة الوطنية، مدعيًا أن الدعوات إلى التصالح مع "المجرمين" لن تؤدي إلا إلى زيادة الطغيان.
وفي محاولة لإذكاء نار الصراع، دعا إلى الاستعداد لمواجهة من وصفهم بـ"الطغاة".
تأتي هذه التصريحات في وقت يواصل فيه المجتمع الدولي الدفع نحو تحقيق تسوية شاملة بين الأطراف الليبية المتنازعة، بما في ذلك دعم الانتخابات كسبيل للخروج من الأزمة الممتدة منذ سنوات.
تاريخيًا، لعب الغرياني دورًا محوريًا في تأجيج الفتنة والصراع الداخلي في ليبيا، فمنذ عزله من منصب المفتي العام للديار الليبية من قبل البرلمان في نوفمبر 2014 بسبب فتاويه المثيرة للجدل، ظل الغرياني يستخدم منصبه السابق كمنصة لإطلاق دعوات تشرعن العنف وتحرض على الانقسام.
ومع أن البرلمان قد اتخذ خطوة قانونية واضحة بعزله، إلا أن الغرياني ما زال يحتفظ بنفوذه من خلال دار الإفتاء بدعم من المليشيات المسلحة ذات التوجهات الإسلاموية الراديكالية، والتي ترى فيه أداة لتبرير أفعالها تحت غطاء ديني.
يعرف الغرياني في الأوساط الليبية بألقاب مثل "مفتي الإرهاب" و"مفتي الخراب" بسبب دعمه المستمر للجماعات المتطرفة. ومنذ 2012، أصبح أحد أبرز المحركين للأجندة المتطرفة في البلاد، حيث أصدر فتاوى دعمت تلك الجماعات في تنفيذ جرائمها ضد الليبيين.
كما أفتى بجواز قتل أفراد الجيش الوطني الليبي، مما أسهم بشكل كبير في تعميق الانقسامات وإطالة أمد الصراع. هذه الفتاوى لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل ترجمت إلى أعمال عنف مدمرة استهدفت مؤسسات الدولة وأفرادًا في المجتمع الليبي، مما جعل الغرياني شخصية محورية في تفاقم الأزمة.
الجماعات المسلحة التي تدافع عن الغرياني تستغل تصريحاته كغطاء ديني لتبرير عملياتها، فيما يستخدم هو نفوذها لحماية منصبه في دار الإفتاء.
هذا التحالف بين الغرياني والميليشيات الإسلاموية أسهم في تعطيل جهود المصالحة وتوحيد المؤسسات الليبية، حيث أصبح الغرياني أداة لتعطيل أي تقدم نحو الاستقرار.
تصريحات الغرياني الأخيرة تأتي في وقت حساس تشهد فيه ليبيا مساعٍ لتحقيق تقدم في المسار السياسي، خاصة مع الجهود الدولية والإقليمية الرامية لتوحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات، ولكن هذه الدعوات التحريضية قد تعرقل هذه المساعي وتعيد البلاد إلى دوامة العنف، وهو ما يتطلب استجابة حازمة من الأطراف الوطنية والدولية.
على مدى السنوات الماضية، لعبت الفتاوى الصادرة عن الغرياني دورًا كبيرًا في إشعال فتيل الاقتتال الداخلي، ففي 2014، أطلق دعوات للجماعات المسلحة لمنع إجراء الانتخابات، ما أدى إلى اندلاع مواجهات عنيفة.
كما أن الفتاوى المتطرفة التي أصدرها كانت وراء تنفيذ عمليات اغتيال وهجمات إرهابية استهدفت مؤسسات الدولة. تأثير هذه الفتاوى امتد إلى تدمير النسيج الاجتماعي الليبي وزيادة حدة الانقسامات بين مكونات المجتمع.
أمام هذه التحديات، يظل دور المجتمع الدولي حاسمًا في التصدي للتحريض على العنف في ليبيا، حيث تحتاج البلاد إلى دعم قوي لتطبيق قرارات مجلس الأمن المتعلقة بحظر الأسلحة وملاحقة المسؤولين عن زعزعة الاستقرار.
كما يتطلب الأمر الضغط على الأطراف التي توفر الدعم للمليشيات المتطرفة، سواء كانت دولًا أو منظمات. بالإضافة إلى ذلك، فإن المجتمع الدولي مطالب بمساعدة ليبيا في بناء مؤسسات قوية قادرة على فرض سيادة القانون ومحاسبة المتورطين في أعمال العنف.
رغم هذه الدعوات المحرضة، يظل الأمل معقودًا على وعي الشعب الليبي وقدرته على التمييز بين الدعوات البناءة وتلك التي تهدف إلى تحقيق مصالح شخصية أو أيديولوجية ضيقة، فإن نجاح ليبيا في تجاوز هذه المرحلة الحرجة يعتمد بشكل كبير على دعم الجهود الوطنية والدولية لتحقيق الاستقرار، وقطع الطريق أمام الأصوات التي تسعى لإبقاء البلاد في حالة من الفوضى.
الرهان الآن هو على قدرة الليبيين أنفسهم في التصدي لهذه الدعوات التخريبية، من خلال الالتفاف حول مشروع وطني جامع يعيد بناء الدولة على أسس من العدالة والمساواة واحترام القانون.
كما أن تعزيز الوعي بخطورة الخطاب التحريضي، ودعم المبادرات السلمية، يمكن أن يكون مفتاحًا للتغلب على التحديات.
فمن الواضح أن دعوات الغرياني تمثل تهديدًا كبيرًا لمسار المصالحة والاستقرار في ليبيا، ومع ذلك، فإن تنامي الوعي بخطورة هذه التحريضات يمكن أن يشكل حائط صد أمام محاولاته المتكررة لإشعال نار الفتنة مجددًا.
ويتطلب الوضع في ليبيا إلى توحيد الصفوف والعمل بروح وطنية خالصة لتحقيق تطلعات شعبها في السلام والتنمية، بعيدًا عن تأثيرات الشخصيات المثيرة للجدل التي تسعى لإبقاء البلاد في دائرة