هجوم حفتر على معسكر "تيندي".. خطوة استباقية أم تصعيد يهدد استقرار الجنوب الليبي؟
الجمعة 03/يناير/2025 - 11:39 ص
طباعة

يشهد الجنوب الليبي تصعيدًا أمنيًا غير مسبوق خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل صمت غامض من الأطراف السياسية والعسكرية على حد سواء، سواء في الشرق أو الغرب.
هذا التصعيد يضع المنطقة على حافة أزمة جديدة قد تهدد استقرار البلاد بالكامل، وتعيدها إلى دوامة العنف التي ظلت عالقة فيها منذ سقوط النظام السابق.
أبرز هذه التطورات كان الهجوم الذي شنته قوات تابعة لخليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، على معسكر "تيندي" في مدينة أوباري جنوب غرب البلاد.
المعسكر، الذي يُعد مركزًا استراتيجيًا تابعًا لرئاسة أركان المجلس الرئاسي، وقع تحت سيطرة قوات حفتر بعد عملية عسكرية مفاجئة، أسفرت عن طرد القادة الموجودين فيه والاستيلاء على المعدات والذخائر.
ووفقًا لمصادر قريبة من القيادة العامة، بررت قوات حفتر الهجوم بأنه خطوة استباقية لمنع ما وصفته بمخططات يقودها الفريق علي كنة، قائد منطقة سبها العسكرية التابعة للمجلس الرئاسي، لإحداث فوضى في الجنوب والهجوم على معسكرات حفتر.
ومع ذلك، لم يصدر أي تعليق رسمي من المجلس الرئاسي الذي يُفترض أنه يمثل القائد الأعلى للجيش الليبي وفق اتفاق جنيف.
هذا الصمت من المجلس الرئاسي أثار تساؤلات حول مدى قدرته على مواجهة التحركات المتزايدة لقوات حفتر، خاصة في منطقة الجنوب التي تُعتبر مركزًا للصراعات على النفوذ بين الأطراف المحلية والإقليمية.
وعلى الرغم من أن السيطرة على معسكر "تيندي" تمثل انتصارًا عسكريًا لقوات حفتر، إلا أنها كشفت عن خلافات داخلية بين قيادات قواته، وهو ما يعكس تعقيد المشهد.
من بين هذه الخلافات، كانت الاستقالة المفاجئة للواء حسن الزادمة، قائد اللواء 128 التابع لحفتر، التي أثارت الكثير من الجدل.
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن استقالة الزادمة جاءت نتيجة صراع على النفوذ مع صدام حفتر، نجل القائد العام، إلى جانب رفض الزادمة لتزايد التدخل الروسي عبر مرتزقة "فاغنر" في الجنوب الليبي.
الزادمة، الذي يُعتبر شخصية بارزة في تعزيز نفوذ حفتر بالجنوب، أعرب عن استيائه من "المعاملة المهينة" التي تعرض لها أفراد قواته من قبل المرتزقة الروس المتمركزين في قاعدة القرضابية الجوية.
ووسط هذه التوترات، تصاعدت المخاوف من انهيار اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2020 برعاية الأمم المتحدة.
هذه المخاوف زادت بعد تسريب رسالة لرئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، موجهة إلى مجلس الأمن الدولي، تحذر من احتمالية اندلاع حرب جديدة بسبب تصاعد التهديدات بين الأطراف الليبية.
ورغم نفي مكتبه لصحة الرسالة، أكدت مصادر عسكرية أنها حقيقية، مشيرة إلى أن عقيلة اضطر للتراجع عن موقفه بسبب الانتقادات التي طالته واتهامه بالاستقواء بالخارج.
إلى جانب التطورات في الجنوب، شهدت مدينة سرت، الواقعة على خط التماس بين الشرق والغرب، مواجهات مسلحة بين اللواء 128 والكتيبة 77، وكلاهما يتبع لقوات حفتر.
وتعكس هذه الاشتباكات الداخلية انقسامات متزايدة داخل صفوف القيادة العامة، ما يثير تساؤلات حول مدى تماسك قوات حفتر في ظل التحركات الروسية لتعزيز نفوذها في المنطقة.
وتحدثت تقارير إعلامية عن وصول تعزيزات ومعدات روسية إلى شرق ليبيا، في إشارة إلى أن موسكو تسعى لترسيخ وجودها العسكري وسط تزايد الضغط الدولي عليها في أماكن أخرى.
على الصعيد الإقليمي، أثارت هذه التطورات مخاوف مصر، التي تعتبر استقرار ليبيا أمرًا حيويًا لأمنها القومي. القاهرة عبرت مرارًا عن قلقها من تسلل عناصر إرهابية إلى حدودها الغربية، خاصة في ظل بقاء خلايا نائمة لتنظيم داعش وجماعات إرهابية أخرى في الجنوب الليبي.
وأكد اللواء محمد رفعت جاد، المتخصص في الشؤون العسكرية، أن انهيار السيطرة الحكومية في غرب ليبيا قد يؤدي إلى ظهور مناطق خارجة عن السيطرة تُستخدم كملاذ آمن للجماعات الإرهابية، ما يشكل تهديدًا مباشرًا لمصر ودول الجوار.
في هذا الإطار، كثفت مصر من عمليات المراقبة للحدود باستخدام تقنيات متطورة، كما زادت التنسيق مع تونس والجزائر لمنع تفاقم الأوضاع.
ومع ذلك، لا تزال المخاوف قائمة من أن يؤدي تدهور الأوضاع إلى تصعيد عسكري أوسع نطاقًا يعيد ليبيا إلى حالة الفوضى التي عاشتها بعد 2011.
التقارب المصري-التركي الأخير قد يُشكل فرصة لتخفيف التوترات وتعزيز الجهود نحو حل سياسي شامل. إذا تمكنت القاهرة وأنقرة من تنسيق جهودهما، فقد ينجحان في إعادة الأطراف الليبية إلى طاولة الحوار، وهو أمر ضروري لتحقيق استقرار طويل الأمد.
الانتخابات العامة أو الاتفاق على مبادرات سلام شاملة قد يكونان السبيل الوحيد للخروج من هذه الأزمة، لكن ذلك يتطلب دعمًا دوليًا قويًا.
في ظل هذا المشهد المتشابك، تبدو ليبيا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما نجاح الجهود الدولية والإقليمية في تحقيق اختراق سياسي، أو انزلاق البلاد نحو موجة جديدة من العنف تُهدد استقرار المنطقة بأسرها، حيث أن الوقت ينفد، والحاجة إلى تدخل عاجل وحاسم أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.