استراتيجية داعش الدعائية وتأثيرها على الأمن العالمي
الأربعاء 22/يناير/2025 - 11:28 م
طباعة

تُشير التقارير الإعلامية، ومنها ما نشرته صحيفة "لا راثون" الإسبانية، إلى أن تنظيم د.ا.عش الإرهابي لا يزال يحتفظ بنشاطه الدعائي رغم التراجع الكبير الذي شهده على المستوى الميداني. فمنذ سنوات، أدرك التنظيم أن قوته لا تعتمد فقط على السيطرة الجغرافية، بل على مدى قدرته على نشر أيديولوجيته المتطرفة واستقطاب أنصار جدد من مختلف أنحاء العالم. ولهذا، عمل بشكل مستمر على تطوير أدواته الإعلامية، مستخدمًا الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر مواده الدعائية بمختلف اللغات، وهو ما ظهر مؤخرًا من خلال إصداره نشيدًا باللغة الإسبانية يدعو صراحةً إلى تنفيذ هجمات وحشية ضد المدنيين.
إصدار مثل هذا النشيد بالإسبانية و الذي يتضمن عبارات تكرس للفكر المتطرف وتعكس منهجية التنظيم القائمة على سفك الد-ماء وبث الر-عب في النفوس، مثل: "هم يريدون أن يُقـتلوا، هم يريدون أن يُـبادوا، هم يريدون أن يُنفذ فيهم الإعدام"، و"الخلافة ستتقدم ولن تُوقف أبدًا، سنقاتل حتى النهاية، استعدوا للقـتال".
يعكس استراتيجية مدروسة تهدف إلى توسيع رقعة الإرهاب من خلال استهداف مجتمعات جديدة بلغاتها المحلية، مما يزيد من فرص تجنيد عناصر جديدة أو تحريض أفراد متأثرين بأيديولوجيته على تنفيذ عمليات فردية. هذا التطور في الأسلوب الدعائي يثير تساؤلات حول مدى فاعلية الجهود الدولية في مواجهة الدعاية الإرهابية، خاصة في ظل اعتماد التنظيم على منصات رقمية يصعب مراقبتها بالكامل. لذلك، من الضروري تحليل هذه الاستراتيجية الدعائية، فهم أساليب انتشارها، وتقييم الجهود المبذولة لمكافحتها من منظور أمني وإعلامي على حد سواء.
الدعاية كأداة للإرهاب: التحريض والتجنيد
منذ صعوده، اعتمد د.ا.عش على الدعاية كوسيلة رئيسية للتجنيد والتحريض، حيث لا يقتصر نشاطه على منصات مغلقة أو مظلمة، بل يمتد إلى شبكات اجتماعية علنية ووسائل إعلامية مرئية ومسموعة. إصدار نشيد باللغة الإسبانية يعكس استهداف التنظيم لجمهور جديد، خصوصًا في أوروبا وأمريكا اللاتينية، حيث يوجد مسلمون قد يكونون عرضة للتأثر بهذه الرسائل المتطرفة.
يتميز خطاب د.ا.عش الدعائي بلغة مباشرة تحرض على العنف وتغذي عقلية الضحية/المهاجم، حيث يصور العالم الخارجي كعدو يجب الانتقام منه. فمثلاً، العبارات الواردة في النشيد مثل "سنقاتل حتى النهاية" و"الخلافة لن تتوقف أبدًا"، تكرس فكرة استمرار القتال بلا هوادة، ما يعزز عقلية الذئاب المنفردة التي باتت تهديدًا أمنيًا خطيرًا.
استغلال الإنترنت: الانتشار اللامركزي للدعاية الإرهابية
منذ عام 2016، ركز د.ا.عش على بناء شبكة إعلامية دولية عبر الإنترنت، مستفيدًا من سرية التطبيقات المشفرة ومنصات التواصل الاجتماعي لنشر دعايته. هذا التوجه مكّنه من استقطاب مجندين جدد من دول بعيدة عن مناطقه التقليدية، كما حدث مع منفذي الهجمات الأخيرة في الغرب، مثل هجوم الدهس في نيو أورليانز.
الطابع اللامركزي لهذه الدعاية يجعل من الصعب تتبعها أو إيقافها بالكامل. فحتى بعد تفكيك العديد من الحسابات والمنتديات التابعة له، يجد التنظيم طرقًا جديدة لإعادة بناء منصاته الإعلامية، إما عبر مواقع بديلة أو باستخدام أساليب تقنية تخفي نشاطه.
خطورة الدعاية الإرهابية: التأثير النفسي والاجتماعي
الخطورة الحقيقية للدعاية الإرهابية لا تكمن فقط في استقطاب المقاتلين، بل في التأثير النفسي الذي تتركه على الأفراد والمجتمعات. نشر أناشيد تحرض على العنف بلغات متعددة يهدف إلى خلق بيئة من الخوف وعدم الاستقرار، وهو ما يساعد التنظيم في تحقيق أهدافه دون الحاجة إلى عمليات عسكرية واسعة.
علاوة على ذلك، يؤدي استمرار نشر هذا النوع من الدعاية إلى تطبيع العنف لدى فئات معينة، خاصة الشباب الذين قد يكونون عرضة للأفكار المتطرفة بسبب العزلة الاجتماعية أو الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
دلالة اختيار اللغة الإسبانية في دعاية داعش
اختيار تنظيم داعش للإسبانية في أحد إصداراته الدعائية ليس عشوائيًا، بل يحمل دلالات استراتيجية عميقة تعكس سعيه لاستهداف مناطق وجماهير جديدة. يمكن تفسير هذا الاختيار من عدة زوايا:
1. التوسع نحو جمهور ناطق بالإسبانية:
تُعدّ الإسبانية واحدة من أكثر اللغات انتشارًا عالميًا، حيث يتحدث بها أكثر من 500 مليون شخص، معظمهم في إسبانيا وأمريكا اللاتينية. يفتح استخدام هذه اللغة المجال أمام التنظيم للوصول إلى فئات جديدة قد تكون غير مستهدفة سابقًا بشكل مباشر، مما يعزز انتشاره الدعائي.
2. استهداف الجاليات المسلمة في إسبانيا وأمريكا اللاتينية:
هناك تواجد مسلم متنامٍ في إسبانيا، خصوصًا من المهاجرين من شمال إفريقيا، الذين قد يكون بعضهم عرضة للتأثر بالدعاية الإرهابية بسبب التهميش أو الشعور بالاغتراب. كما أن أمريكا اللاتينية، رغم قلة عدد المسلمين فيها، تُستخدم أحيانًا كمنطقة عبور للجماعات المتطرفة، مما يجعلها ساحة محتملة للتجنيد أو التنسيق اللوجستي.
3. إسبانيا كهدف رمزي وتاريخي:
ينظر تنظيم د.ا.عش وبعض الجماعات المتطرفة إلى إسبانيا باعتبارها جزءًا مما يسمونه "الأندلس المفقود"، وهو خطاب متكرر في أدبياتهم التي تسعى إلى استعادة أمجاد الخلافة المزعومة. لذا، فإن استخدام اللغة الإسبانية في دعايتهم قد يكون محاولة لربط الماضي بالحاضر، مما يمنح خطابهم بعدًا أيديولوجيًا إضافيًا.
4. تعزيز العمليات الإرهابية في أوروبا:
نظرًا لكون الإسبانية لغة رسمية في إسبانيا، فإن نشر مواد دعائية بها قد يسهل استقطاب أفراد مقيمين في أوروبا، سواء من المسلمين أو حتى من معتنقي الإسلام حديثًا، ما قد يسهم في تحفيز هجمات الذئاب المنفردة، كما حدث في عدة هجمات سابقة شهدتها إسبانيا مثل هجمات برشلونة عام 2017.
5. صعوبة الرقابة على المحتوى بلغات متعددة:
كلما زاد تنوع اللغات المستخدمة في الدعاية الإرهابية، زادت صعوبة رصدها ومكافحتها من قبل الأجهزة الأمنية والمنصات الرقمية. فاللغات الأكثر شيوعًا مثل الإنجليزية والعربية تخضع لرقابة مشددة، بينما قد تمر الرسائل الإرهابية بلغات أخرى مثل الإسبانية دون متابعة كافية، مما يمنح التنظيم فرصة أكبر لنشر خطابه.
كيف يمكن مواجهة الدعاية الإرهابية؟
لمواجهة هذه الظاهرة، يجب تبني استراتيجيات متعددة الأبعاد، تتضمن:
1. مكافحة المحتوى الرقمي: تعزيز التعاون بين الحكومات وشركات التكنولوجيا لإزالة المحتوى الإرهابي بسرعة، مع تحسين تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد هذا النوع من الدعاية.
2. التحصين الفكري: تطوير برامج توعوية لمواجهة الأفكار المتطرفة عبر المدارس والمساجد ومنصات التواصل الاجتماعي.
3. تعزيز البدائل الإعلامية: تقديم خطاب مضاد فعال، يُبرز الحقائق حول هذه التنظيمات ويكشف تناقضاتها.
4. مراقبة الذئاب المنفردة: تعزيز آليات الرصد المبكر للأفراد الذين يُظهرون علامات التأثر بالفكر الإرهابي.
خاتمة
إن استمرار داعش في نشر دعايته بلغات جديدة، مثل الإسبانية، يعكس تطورًا في استراتيجيته الإعلامية، ما يشير إلى تهديد مستمر للأمن الدولي. ولأن الإرهاب لم يعد يعتمد على الحدود الجغرافية، بل يتغذى على الفكر والاتصال الرقمي، فإن التصدي له يتطلب جهودًا دولية منسقة تجمع بين المواجهة الأمنية والفكرية. إن مواجهة الدعاية الإرهابية ليست مجرد قضية تتعلق بمكافحة المحتوى المتطرف، بل هي معركة طويلة ضد الأيديولوجيا العنيفة التي تسعى هذه التنظيمات إلى نشرها عالميًا.
اختيار اللغة الإسبانية يعكس استراتيجية مدروسة للتوسع والتأثير، حيث يسعى التنظيم إلى الوصول إلى جمهور جديد، مستغلًا العوامل اللغوية والثقافية والجغرافية لتوسيع دائرة نفوذه. مواجهة هذا التوجه تتطلب تعزيز الرقابة على المحتوى المتطرف بجميع اللغات، إلى جانب تطوير خطاب مضاد أكثر فعالية للوصول إلى الفئات المستهدفة قبل أن تقع في فخ الدعاية الإرهابية.