أكاذيب بالجملة: كيف زيفت قنوات الإخوان قرار ترامب؟

الأحد 26/يناير/2025 - 07:43 ص
طباعة أكاذيب بالجملة: كيف حسام الحداد
 
في محاولاتها المستمرة لنشر الأكاذيب وتضليل وتضليل الرأي العام ، يلعب إعلام جماعة الإخوان دورًا محوريًا في توظيف الأخبار لخدمة أجندات سياسية محددة. وفي هذا السياق، جاء تعامل الإعلام التابع للجماعة مع قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتجميد المساعدات الخارجية مثالًا واضحًا على استخدام الأخبار بشكل انتقائي وموجه. فقد سارعت القنوات والمنصات الإعلامية المحسوبة على الإخوان إلى الاحتفاء بالقرار، معتبرةً إياه "أول ضربة يتلقاها الجنرال السيسي"، دون تدقيق أو مراجعة لمضمون القرار الرسمي، الذي استثنى مصر وإسرائيل من هذا التجميد. هذا التسرع في نشر الخبر يعكس نمطًا متكررًا من التعامل الانتقائي مع الأحداث، حيث يتم التركيز على الجوانب التي تخدم السردية السياسية للجماعة، مع إغفال أو تحريف الحقائق التي قد تتعارض مع هذه السردية.
ما يثير الجدل في هذه التغطية الإعلامية ليس فقط الخطأ في نقل الخبر، بل أيضًا غياب أي مراجعة لاحقة لتصحيح المعلومات المغلوطة أو تقديم قراءة تحليلية أعمق للقرار الأمريكي في سياقه السياسي. فبدلًا من البحث في الدوافع الحقيقية وراء استثناء مصر وإسرائيل من التجميد، أو مناقشة تداعيات القرار على سياسات ترامب الخارجية، اكتفى الإعلام الإخواني بتقديم صورة مشوهة تركز على "هزيمة" النظام المصري، وهو ما يعكس مقاربة قائمة على الدعاية أكثر من التحليل الصحفي الرصين. هذا النهج لا يساهم فقط في تضليل الجمهور، بل يضعف أيضًا مصداقية هذه القنوات على المدى البعيد، حيث يدرك المتابعون لاحقًا عدم صحة ما تم الترويج له، مما يؤدي إلى تآكل الثقة في هذه الوسائل الإعلامية حتى بين جمهورها التقليدي.

القرار الأمريكي: قراءة في التفاصيل
أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارًا تنفيذيًا يقضي بتجميد المساعدات الخارجية الأمريكية لمدة 90 يومًا، في إطار مراجعة شاملة لمدى فعاليتها وانسجامها مع أجندته السياسية الجديدة. القرار جاء ضمن توجه أوسع اتبعته إدارة ترامب في سياستها الخارجية، حيث ركزت على إعادة تقييم الالتزامات المالية الأمريكية في الخارج، بهدف تقليص الإنفاق على البرامج التي لا تحقق فائدة مباشرة للولايات المتحدة. وقد أثار هذا القرار جدلًا واسعًا، خاصة أنه جاء بعد انتقادات متكررة من ترامب خلال حملته الانتخابية للمساعدات الخارجية، التي وصفها بأنها تُهدر دون تحقيق مصالح استراتيجية واضحة لبلاده.
مع ذلك، فإن المذكرة الداخلية التي أصدرها وزير الخارجية ماركو روبيو كشفت عن استثناءات مهمة لهذا التجميد، حيث استُثنيت كل من مصر وإسرائيل من القرار، إلى جانب المساعدات الغذائية الطارئة. ويعكس هذا الاستثناء إدراك الإدارة الأمريكية لحساسية وأهمية الدعم العسكري والسياسي لهذين البلدين، حيث تعتبر المساعدات المقدمة لهما جزءًا من الترتيبات الأمنية والاستراتيجية التي تضمن مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. كما أن هذا الاستثناء لم يكن مفاجئًا، نظرًا للروابط العميقة التي تربط واشنطن بكل من القاهرة وتل أبيب، خاصة في المجال العسكري والاستخباراتي.
فيما يخص مصر، فإن المساعدات العسكرية الأمريكية تُشكل ركيزة أساسية للعلاقات الثنائية بين البلدين منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، حيث تحصل القاهرة سنويًا على نحو 1.3 مليار دولار كمساعدات عسكرية، تُستخدم في شراء الأسلحة والمعدات الأمريكية، إضافة إلى برامج تدريب وتعاون عسكري مشترك. هذه المساعدات لا تعكس مجرد دعم سياسي لمصر، بل تمثل جزءًا من استراتيجية أوسع لضمان الاستقرار الإقليمي والحفاظ على التعاون الأمني في ملفات مثل مكافحة الإرهاب وتأمين قناة السويس، التي تعد ممرًا حيويًا للتجارة العالمية والمصالح الأمريكية.
إضافة إلى ذلك، فإن استثناء مصر من القرار يعكس طبيعة العلاقة بين إدارة ترامب والنظام المصري، حيث أبدى ترامب دعمًا واضحًا للرئيس عبد الفتاح السيسي منذ توليه السلطة، واعتبره حليفًا قويًا في مواجهة الإرهاب في المنطقة. على عكس بعض الإدارات الأمريكية السابقة التي وجهت انتقادات متكررة لملف حقوق الإنسان في مصر، تبنى ترامب خطابًا أكثر براغماتية، ركز فيه على المصالح الأمنية والاستراتيجية، وهو ما يفسر حرص إدارته على استمرار تدفق المساعدات العسكرية إلى القاهرة. هذا السياق يوضح أن قرار التجميد لم يكن موجهًا ضد مصر، بل جاء ضمن مراجعة أوسع للسياسات المالية الخارجية، مع الحفاظ على الدعم للدول التي تُعدّ أساسية في الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

الإعلام الإخواني والخلل في التغطية
المفارقة في تعاطي قنوات الإخوان مع الحدث تكمن في أنها بثّت الخبر بطريقة متسرعة، متجاهلةً الاستثناء الواضح لمصر من القرار، بل قدّمت تفسيرًا خاطئًا بأن المساعدات لمصر قد جُمّدت، وهو ما لم يحدث. وهذا يكشف عدة نقاط ضعف في التغطية الإعلامية لهذه القنوات:
1- غياب التحقق من المصادر
يُعدّ التحقق من المصادر من أهم المبادئ الأساسية في العمل الصحفي، إذ يضمن نقل الأخبار بدقة ومصداقية، خاصة عند التعامل مع قضايا سياسية حساسة. في هذه الحالة، كان من السهل على الإعلام الإخواني التأكد من مضمون القرار الأمريكي عبر مراجعة النصوص الرسمية الصادرة عن البيت الأبيض أو وزارة الخارجية الأمريكية، أو حتى الاعتماد على وكالات أنباء موثوقة مثل "فرانس برس" و"رويترز"، التي غطّت الخبر بوضوح وأكدت أن مصر وإسرائيل مستثنيتان من التجميد. غير أن القنوات الإخوانية لم تكلّف نفسها عناء هذا التحقق، بل سارعت إلى نشر خبر خاطئ يوحي بأن القرار يشمل مصر، ما يعكس افتقارًا للحد الأدنى من معايير المهنية الصحفية.
هذا النمط من التغطية يعكس مشكلة أوسع في الإعلام الأيديولوجي، الذي لا ينقل الأخبار بموضوعية، بل يتعامل معها وفق أجندته السياسية. حين يصبح الهدف من الإعلام هو تعزيز سردية معينة بدلًا من نقل الحقيقة، يفقد الجمهور ثقته في المصدر، خاصة عندما تتضح الحقيقة لاحقًا. فبدلًا من أن يكون هذا الإعلام وسيلة لنقل المعلومات وتحليلها بشكل متوازن، يصبح مجرد أداة للدعاية، ما يُفقده قيمته الإعلامية أمام المتابعين الذين يسعون للحصول على أخبار موثوقة ودقيقة.
2- التحليل الرغائبي
التغطية الإعلامية للقرار الأمريكي لم تكن مبنية على قراءة تحليلية موضوعية، بل جاءت انعكاسًا لرغبات وأمنيات مسبقة لدى الإعلام الإخواني، الذي سعى إلى تصوير القرار على أنه "ضربة" للنظام المصري. هذا النوع من التحليل الرغائبي يتجاهل الحقائق والوقائع السياسية الفعلية، ويستند بدلًا من ذلك إلى تصورات وأحكام مسبقة. فالافتراض بأن ترامب، الذي كان يُعرف بدعمه القوي للنظام المصري، سيتخذ خطوة عدائية تجاه القاهرة دون مبرر منطقي، يعكس قراءة غير واقعية للسياسة الأمريكية. هذه الرغبة في تفسير الأحداث بما يخدم السردية المعادية للنظام المصري أدت إلى تجاهل الاستثناء الواضح لمصر من القرار، مما جعل التغطية غير دقيقة وغير مهنية.
مثل هذا النهج لا يخدم الإعلام بأي شكل من الأشكال، بل يجعله عرضة للانتقادات وفقدان المصداقية. فحين يعتمد الإعلام على العواطف والتمنيات بدلًا من التحليل المبني على الحقائق، فإنه يُنتج محتوى يفتقر إلى القيمة الحقيقية. هذا لا يضر فقط بالمؤسسة الإعلامية نفسها، بل يؤثر أيضًا على جمهورها الذي قد يُضلَّل بمثل هذه التغطيات، ليكتشف لاحقًا أنه استند إلى معلومات خاطئة، مما يؤدي إلى تراجع ثقته بوسائل الإعلام التي يتابعها.
3- استخدام الأخبار للهجوم السياسي
بدلًا من تقديم قراءة متوازنة للقرار الأمريكي، تعامل الإعلام الإخواني معه كأداة لمهاجمة النظام المصري، حتى وإن كان ذلك على حساب الدقة والمهنية. فقد جرى توظيف الخبر بشكل انتقائي لتصويره كضربة قاصمة للنظام، رغم أن الحقائق تشير إلى العكس. لم تسعَ التغطية إلى تحليل القرار في سياقه الأوسع، الذي يشمل مراجعة عامة للمساعدات الخارجية الأمريكية، بل اختزلت الحدث في إطار صراعها السياسي مع الدولة المصرية، مما أفقدها القدرة على تقديم محتوى تحليلي ذي قيمة.
هذه الاستراتيجية الإعلامية قد تحقق مكاسب قصيرة المدى من حيث إثارة الجدل أو تعزيز الروح المعنوية لدى أنصار الجماعة، لكنها على المدى البعيد تُضعف تأثير الإعلام المعارض، لأنه يصبح متوقعًا في مواقفه وأسلوبه. عندما يتكرر مثل هذا النهج، يدرك المتابع أن المحتوى الذي يقدَّم له ليس سوى انعكاس لموقف سياسي مُسبق، وليس تغطية صحفية موضوعية. وهذا يُضعف التأثير الحقيقي لهذه الوسائل الإعلامية، التي يفترض أن تقدم معلومات وتحليلات تُسهم في توعية الجمهور، بدلًا من استخدامها كأدوات في معركة دعائية قد تفتقر إلى المصداقية.

النتائج والتداعيات
إن الأخطاء الإعلامية المتكررة، خاصة تلك الناتجة عن التسرع أو التحيز الأيديولوجي، تؤدي بشكل مباشر إلى فقدان المصداقية، حتى لدى الجمهور الذي يتابع هذه القنوات بدافع تأييد مواقفها السياسية. في البداية، قد يتفاعل المتابعون مع الأخبار التي تدعم وجهات نظرهم بحماس، لكن عندما تتكشف الحقيقة لاحقًا، ويثبت أن المعلومات التي تلقوها كانت غير دقيقة أو مضللة، فإن ذلك يخلق حالة من الإحباط والشك تجاه المصدر الإعلامي. هذا التأثير لا يكون فوريًا، لكنه يتراكم مع مرور الوقت، ليؤدي في النهاية إلى نفور جزء من الجمهور، الذي قد يبحث عن مصادر بديلة أكثر موثوقية، حتى لو كانت تحمل وجهات نظر مغايرة.
علاوة على ذلك، فإن التسرع في بث الأخبار غير الدقيقة يضعف من قدرة الإعلام المعارض على التأثير الفعلي، لأنه يفقده أهم سلاح يجب أن يمتلكه، وهو المصداقية. في أي منظومة إعلامية، سواء كانت موالية أو معارضة، يلعب عنصر الثقة دورًا أساسيًا في تحديد مدى انتشار وتأثير الرسالة الإعلامية. وعندما يشعر الجمهور بأن القناة أو الوسيلة الإعلامية التي يتابعها لا تنقل له الحقيقة كما هي، بل تنتقي المعلومات وفق أجندتها الخاصة، فإنه يبدأ في التشكيك في كل ما يُنشر عبرها، حتى لو كان صحيحًا. ونتيجة لذلك، يفقد الإعلام المعارض قوته كجهة قادرة على تقديم رواية بديلة للأحداث، ويتحول إلى مجرد صدى للمواقف السياسية، بدلًا من أن يكون منصة قادرة على التأثير في الرأي العام.
في النهاية، يؤدي هذا النهج إلى تعزيز حالة الاستقطاب الإعلامي، حيث يصبح الجمهور منقسمًا بين مصادر متحيزة، كل منها تروج لروايتها الخاصة دون الاهتمام بالحقائق الكاملة. وبدلًا من أن يسهم الإعلام في تشكيل وعي سياسي قائم على المعرفة والتحليل، فإنه يصبح أداة لتعزيز الانقسامات وتأجيج الصراعات. الإعلام المعارض، لكي يكون فاعلًا ومؤثرًا، يجب أن يوازن بين التوجه السياسي والمهنية الصحفية، وأن يدرك أن مصداقيته هي رأس ماله الحقيقي. أما الاستمرار في تقديم محتوى غير دقيق أو منحاز بشكل صارخ، فإنه لن يؤدي إلا إلى تآكل تأثيره بمرور الوقت، حتى بين جمهوره التقليدي.

خاتمة
تكشف هذه الواقعة عن مشكلة أعمق في الإعلام الإخواني، تتجاوز مجرد الخطأ في نقل خبر معين، لتسلط الضوء على نمط متكرر من التحيز الأيديولوجي الذي يؤثر على دقة التغطية الإخبارية. حين يصبح الهدف من الإعلام ليس نقل الحقيقة كما هي، بل تطويع الأخبار لخدمة أجندة سياسية، فإن ذلك يؤدي إلى تشويه الوقائع وإنتاج محتوى يُخاطب العواطف أكثر مما يُقدم تحليلات دقيقة. في هذه الحالة، لم يكن الخطأ مجرد زلة عابرة، بل نتيجة لمنهجية إعلامية تُقدّم الرغبة في تسجيل نقاط سياسية على حساب الالتزام بالمهنية والموضوعية. ومثل هذا النهج لا يُسهم في توعية الجمهور بقدر ما يُسهم في تضليله، ما يفقد هذه الوسائل الإعلامية تأثيرها الحقيقي، حتى لدى جمهورها التقليدي الذي قد يبدأ في التشكيك في مصداقيتها مع مرور الوقت.
بغض النظر عن المواقف السياسية المختلفة تجاه النظام المصري، تبقى الموضوعية شرطًا أساسيًا لأي إعلام مؤثر وفعال، سواء كان مواليًا أو معارضًا. فالمصداقية هي العامل الأساسي الذي يجعل الجمهور يثق في وسيلة إعلامية دون غيرها، وعندما تُفتقد هذه الثقة، يصبح الإعلام مجرد أداة للدعاية أكثر منه وسيلة لنقل الحقيقة. وإذا استمرت المنصات الإعلامية الإخوانية في التعامل مع الأخبار بهذه الطريقة غير المهنية، فإن تأثيرها على الوعي العام سيظل محدودًا، بل وقد ينحسر مع الوقت. في المقابل، فإن أي إعلام معارض يسعى إلى أن يكون مؤثرًا يجب أن يعتمد على الحرفية والمعلومات الدقيقة، لأن تأثيره الحقيقي لا يُقاس فقط بمدى انتشاره، بل بمدى قدرته على إقناع الجمهور وتقديم رؤية بديلة قائمة على الحقائق لا على الأمنيات.

شارك