بين المفاوضات والرصاص.. هل تندلع معركة كبرى بين الفصائل السورية؟

الثلاثاء 04/فبراير/2025 - 02:30 ص
طباعة بين المفاوضات والرصاص.. حسام الحداد
 
تعهدت السلطات السورية بمحاسبة المسؤولين عن تفجير سيارة مفخخة في مدينة منبج، والذي أسفر عن مقتل 20 شخصًا يوم الاثنين. يأتي هذا الهجوم وسط اشتباكات متواصلة بين قوات يقودها الأكراد وفصائل مدعومة من تركيا.
وفي بيان رسمي، وصفت الرئاسة السورية التفجير بأنه "عمل إرهابي غادر"، مؤكدة أن هذه الجريمة لن تمر دون عقاب. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم حتى الآن، فيما أدانته قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

استمرار التوتر في منبج
رغم جهود الوساطة الأمريكية لوقف إطلاق النار، تتواصل المعارك في منطقة منبج، التي شهدت في الأيام الأخيرة ثاني هجوم بسيارة مفخخة، ليصبح الأكثر دموية منذ الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد. ويأتي ذلك في وقت تجري فيه السلطات الجديدة، التي توصف بأنها قريبة من أنقرة، محادثات مع قسد حول مستقبل الشمال السوري.
وفي هذا السياق، يزور الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع السعودية، حيث صرح في مقابلة تلفزيونية أن تنظيم الانتخابات قد يستغرق بين أربع إلى خمس سنوات، مشيرًا إلى الحاجة إلى إعادة تأسيس البنية التحتية للتصويت واستخدام الأدوات التكنولوجية المناسبة لضمان عملية انتخابية دقيقة.

انتقال سياسي ومفاوضات مع الأكراد
من المقرر أن يزور الشرع تركيا بعد السعودية، حيث سيلتقي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمناقشة ملفات إعادة الإعمار والاستقرار والأمن في سوريا. وتشترط أنقرة انتقالًا سلميًا للسلطة ودمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش الوطني الجديد، مع رفض مطالب الحكم الذاتي للأكراد.
وأكد الشرع أن حكومته "في مفاوضات" مع قسد، موضحًا أن هناك خلافات حول بعض التفاصيل، لكنه شدد على أن "لا أحد يريد الانفصال في سوريا".

تركيا وقسد: توتر مستمر
شنت الفصائل المدعومة من تركيا هجمات على مناطق سيطرة الأكراد بالتزامن مع الإطاحة بالأسد، وتمكنت من السيطرة على تل رفعت ومنبج، وهما منطقتان استراتيجيتان. فيما تستمر تركيا في تهديدها بشن عمليات عسكرية ضد قسد، التي تتهمها أنقرة بالتبعية لحزب العمال الكردستاني، المصنف كمنظمة إرهابية.
وعلى الرغم من دورها الرئيسي في القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية عام 2019، تواجه قوات سوريا الديمقراطية ضغوطًا متزايدة، مع استمرار التوترات بين الأطراف الإقليمية والدولية حول مستقبل سوريا.

تصاعد الصراع بين الفصائل المسلحة في سوريا
فراغ السلطة بعد الإطاحة بالأسد
مع غياب رأس النظام السابق، تجد الفصائل المسلحة نفسها أمام فرصة تاريخية لتعزيز نفوذها وملء الفراغ السياسي والعسكري في البلاد. هذا الوضع يفتح الباب أمام إعادة تشكيل التحالفات، حيث تسعى بعض القوى إلى فرض سيطرتها من خلال المفاوضات، بينما تلجأ أخرى إلى المواجهة العسكرية لضمان حصتها من السلطة. التنافس على المواقع الاستراتيجية يجعل من الصعب التوصل إلى توافق سريع، ما يزيد من احتمالية اندلاع صراعات بين الفصائل المختلفة.
القوى المدعومة من تركيا، وعلى رأسها الجيش الوطني السوري، تعتبر أن هذه اللحظة مناسبة لتوسيع نفوذها على حساب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وغيرها من الفصائل المنافسة. في المقابل، تجد قسد نفسها أمام تهديدات متعددة، من بينها احتمال شن عمليات عسكرية ضدها أو إجبارها على الاندماج في مؤسسات الدولة الجديدة وفق شروط غير مواتية. هذا الوضع قد يؤدي إلى مواجهات مباشرة بين الطرفين، خاصة مع استمرار التوتر حول مستقبل الحكم الذاتي للأكراد.

الخلافات الأيديولوجية والسياسية
تتمثل إحدى العقبات الأساسية في المشهد السوري الجديد في التباين الكبير بين مشاريع الفصائل المختلفة، خصوصًا بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والفصائل المدعومة من تركيا. تسعى قسد إلى الحفاظ على شكل من أشكال الحكم الذاتي الذي تمتع به الأكراد خلال السنوات الماضية، بينما تصر الفصائل الأخرى على ضرورة دمجها ضمن كيان الدولة السورية الجديدة، وهو ما ترفضه القيادة الكردية حتى الآن. هذا التباين يخلق بيئة خصبة للتوترات المستمرة التي قد تتطور إلى مواجهات عسكرية.
علاوة على ذلك، فإن الجماعات الإسلامية المسلحة، التي لعبت دورًا رئيسيًا في الإطاحة بالأسد، تمتلك أجندات مختلفة، وهو ما قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية بينها. بعض هذه الجماعات ترى ضرورة فرض نموذج حكم إسلامي، بينما تسعى فصائل أخرى إلى نظام أكثر براغماتية يعتمد على التحالفات الإقليمية والدولية. هذه الانقسامات تجعل من الصعب تحقيق استقرار سياسي سريع في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، مما يزيد من احتمالية اندلاع جولات جديدة من القتال.

التدخلات الخارجية وتضارب المصالح
تلعب العوامل الإقليمية والدولية دورًا أساسيًا في تحديد مسار الأحداث داخل سوريا، حيث تحاول القوى الخارجية توجيه الصراع بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. تركيا، على سبيل المثال، تعتبر أن أي وجود لقسد على حدودها يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ولذلك تعمل على تفكيك هذه القوات وإضعافها بأي وسيلة ممكنة. في المقابل، ترى الولايات المتحدة في قسد شريكًا رئيسيًا في محاربة الإرهاب، لكنها قد تعيد تقييم دعمها لها وفقًا للمتغيرات السياسية في دمشق وعلاقاتها مع تركيا.
من جهة أخرى، تراقب كل من روسيا وإيران الوضع عن كثب، حيث تسعيان إلى استغلال الفراغ السياسي لتعزيز نفوذهما في سوريا. إيران، التي تمتلك علاقات وثيقة مع بعض الفصائل المسلحة، قد تحاول استخدام هذه الجماعات كأداة ضغط سياسي وعسكري. أما روسيا، فتهدف إلى ضمان استقرار الأوضاع بما يخدم مصالحها الجيوسياسية، سواء من خلال التفاوض أو التدخل العسكري عند الضرورة. هذا التضارب في المصالح يزيد من تعقيد المشهد، حيث تجد الفصائل السورية نفسها وسط صراعات إقليمية ودولية تتجاوز حدودها الوطنية.

التنافس على الموارد والمواقع الاستراتيجية
إلى جانب الأبعاد السياسية والعسكرية، يمثل التنافس على الموارد والمواقع الاستراتيجية عاملًا رئيسيًا في تصاعد حدة الصراع بين الفصائل المختلفة. تعد مناطق مثل منبج وتل رفعت ذات أهمية كبرى نظرًا لموقعها الجغرافي الحيوي، حيث تشكل نقاط ربط بين مختلف المناطق السورية. بالإضافة إلى ذلك، تحتوي هذه المناطق على طرق إمداد أساسية تستخدمها الفصائل لنقل المقاتلين والعتاد، ما يجعلها هدفًا استراتيجيًا في أي مواجهة مستقبلية.
إلى جانب الأهمية الجغرافية، تمثل الموارد الطبيعية عنصرًا آخر للصراع. إذ تسيطر قسد حاليًا على معظم حقول النفط في الشمال الشرقي، وهو ما يمنحها نفوذًا اقتصاديًا قويًا لكنه يجعلها أيضًا هدفًا للفصائل الأخرى التي تسعى إلى تأمين مصادر تمويل مستدامة. مع غياب أي سلطة مركزية قادرة على فرض سيطرتها بشكل كامل، يبقى التنافس على هذه الموارد مرشحًا لأن يكون أحد المحركات الرئيسية للصراع في المستقبل القريب.

السيناريوهات المحتملة للصراع في سوريا

صراع مفتوح بين الفصائل
إذا فشلت المفاوضات بين الحكومة المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فمن المرجح أن تتصاعد التوترات إلى مواجهات عسكرية واسعة. هذه المواجهات قد تشمل اشتباكات مباشرة بين قوات الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا، وقسد المدعومة من الولايات المتحدة، ما قد يؤدي إلى توسيع نطاق القتال ليشمل مناطق جديدة في الشمال السوري. طبيعة هذا الصراع ستكون معقدة، حيث يمكن أن تشارك فيه فصائل إسلامية متشددة تسعى لتعزيز نفوذها في المنطقة، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني.
إلى جانب البعد العسكري، فإن هذا السيناريو سيخلق حالة من عدم الاستقرار قد تؤدي إلى موجة نزوح جديدة للسكان المدنيين، مما يشكل تحديًا إنسانيًا كبيرًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن استمرار القتال قد يدفع بعض الأطراف الإقليمية والدولية إلى التدخل لدعم أحد الجانبين أو لفرض تسوية بالقوة. هذا قد يشمل تعزيز الدعم العسكري لقسد من قبل الولايات المتحدة، أو تكثيف تركيا لضغوطها عبر هجمات جوية أو عمليات عسكرية محدودة للحد من نفوذ الأكراد في المنطقة.

تحالفات مرحلية بين الفصائل
في ظل التعقيد الذي يميز المشهد السوري، قد تسعى بعض الفصائل إلى عقد تحالفات مرحلية لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية. هذه التحالفات لن تكون دائمة، بل ستتغير وفقًا للظروف والمصالح المتغيرة لكل طرف. على سبيل المثال، قد تلجأ الفصائل المدعومة من تركيا إلى تفاهمات تكتيكية مع بعض عناصر قسد لضمان استقرار بعض المناطق، خاصة إذا واجهت تهديدات من جماعات متشددة أو من القوات الحكومية السورية التي قد تحاول إعادة بسط سيطرتها.
في المقابل، قد تجد قسد نفسها مضطرة إلى التفاوض مع بعض الفصائل المعارضة أو حتى مع الحكومة المؤقتة لضمان بقاء نفوذها في بعض المناطق. مثل هذه التحالفات قد تتأثر أيضًا بمواقف القوى الإقليمية والدولية، حيث يمكن أن تدفع الضغوط الخارجية الأطراف المتصارعة إلى التوصل إلى تفاهمات قصيرة الأمد، خاصة إذا تصاعدت الضغوط الدولية لإنهاء النزاع أو لتجنب تدخل عسكري أوسع. ولكن نظراً لأن هذه التحالفات تعتمد بشكل أساسي على المصالح المتغيرة، فإنها قد تنهار بسرعة، مما يعيد الصراع إلى نقطة البداية.

تدخل عسكري تركي مباشر
في حال لم يتم التوصل إلى تسوية بين الحكومة المؤقتة وقسد، فمن المحتمل أن تتجه تركيا إلى تنفيذ عملية عسكرية جديدة في شمال سوريا، مشابهة لعملياتها السابقة مثل "نبع السلام" و"درع الفرات". تركيا تعتبر وجود قسد تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ولذلك قد ترى أن التدخل العسكري هو الخيار الوحيد لإجبار الأكراد على التخلي عن مطالبهم بالحكم الذاتي أو لحماية مناطق نفوذها في الشمال السوري. أي هجوم تركي سيستهدف بشكل أساسي المناطق الحدودية، وقد يمتد ليشمل مواقع استراتيجية مثل منبج أو عين العرب (كوباني).
إلا أن أي تدخل عسكري تركي سيواجه تحديات كبيرة، أبرزها رد الفعل الدولي، خاصة من الولايات المتحدة التي لا تزال تقدم دعمًا عسكريًا لقسد. كما أن روسيا قد تعارض مثل هذا التحرك إذا رأت أنه يهدد توازن القوى في سوريا. من جهة أخرى، فإن دخول تركيا في مواجهة عسكرية واسعة قد يدفع بعض الفصائل المسلحة إلى إعادة ترتيب تحالفاتها، وربما حتى التعاون مع القوات السورية أو الفصائل الأخرى لمحاولة صد الهجوم التركي. في هذه الحالة، سيصبح الوضع أكثر تعقيدًا، وقد نشهد صراعًا إقليميًا يتجاوز الحدود السورية، مع تدخلات محتملة من قوى أخرى تسعى لحماية مصالحها في المنطقة.

شارك