الهجوم الانتحاري في قندوز بين تحديات طالبان والمشهد الجهادي الأفغاني
الثلاثاء 11/فبراير/2025 - 05:08 م
طباعة

شهدت مدينة قندوز شمال أفغانستان هجومًا انتحاريًا أودى بحياة خمسة أشخاص وإصابة سبعة آخرين، وهو أحدث مؤشر على استمرار التهديدات الأمنية رغم سيطرة طالبان على الحكم منذ أغسطس 2021. ورغم عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها حتى الآن، فإن السياق العام لهذا الهجوم يطرح تساؤلات مهمة حول الوضع الأمني والتوازنات داخل المشهد الجهادي في أفغانستان.
السياقات الأمنية والسياسية للهجوم
منذ أن سيطرت طالبان على الحكم في أفغانستان، أعلنت مرارًا أنها أعادت الأمن والاستقرار بعد عقود من الحروب والصراعات المسلحة. إلا أن الهجمات الانتحارية والتفجيرات المتكررة تشير إلى أن التحديات الأمنية لا تزال قائمة، مما يعكس هشاشة الوضع الأمني. ويُعد تنظيم "الدولة الإسلامية - ولاية خراسان" (داعش خراسان) أبرز الجماعات الجهادية التي تنافس طالبان وتشكك في قدرتها على إدارة البلاد أمنيًا.
الهجوم الأخير في قندوز جاء ضمن سلسلة من العمليات التي استهدفت عناصر طالبان، خاصة في المناطق الشمالية والشرقية من البلاد. وقد استهدف الانتحاري منطقة قريبة من مصرف محلي كان يخضع لحراسة قوات أمن طالبان، مما يشير إلى أن العملية لم تكن عشوائية، بل موجهة ضد الحركة نفسها. هذه الاستراتيجية تتماشى مع أسلوب داعش خراسان، الذي يسعى لضرب رموز السلطة الجديدة لإظهار عجزها عن فرض النظام.
لطالما اعتبر داعش خراسان طالبان خصمًا رئيسيًا، نظرًا للخلافات الأيديولوجية العميقة بينهما. فبينما تروج طالبان لنفسها كحكومة إسلامية وطنية تركز على أفغانستان، يرفض داعش خراسان هذا النهج، ويعتبرها "مرتدة" عن الجهاد العالمي. هذا التباين في الرؤية أدى إلى صدامات عنيفة بين الجانبين، زادت وتيرتها في الأشهر الأخيرة مع تصعيد داعش لهجماته ضد أهداف تابعة لطالبان، كما حدث في هذا الهجوم.
إضافة إلى ذلك، فإن هذا الهجوم يثير تساؤلات حول قدرة طالبان على تأمين المرافق الحكومية والمؤسسات المالية، التي أصبحت هدفًا لهجمات متكررة. في ظل استمرار هذه العمليات، تتزايد المخاوف من أن تصبح أفغانستان بيئة خصبة لنشاط الجماعات المتطرفة، وهو ما قد يؤثر على الأمن الإقليمي ويفتح الباب أمام تدخلات خارجية تحت ذريعة محاربة الإرهاب.
تنافس الجماعات الجهادية: طالبان في مواجهة داعش
الصراع بين طالبان وداعش خراسان يعكس انقسامًا عميقًا داخل المشهد الجهادي في أفغانستان. ترى طالبان نفسها كحركة إسلامية وطنية ذات مشروع سياسي يسعى لإقامة حكومة إسلامية داخل حدود أفغانستان، بينما يتبنى داعش خراسان أيديولوجية عابرة للحدود، ترفض الاعتراف بالحكومات الوطنية وتدعو للجهاد العالمي. هذا الاختلاف الأساسي في الرؤية جعل التنظيمين في مواجهة مباشرة، حيث يسعى كل طرف لإضعاف الآخر وتعزيز نفوذه.
الهجوم الأخير في قندوز يؤكد استمرار داعش خراسان في استهداف طالبان، ليس فقط لإضعاف سلطتها ولكن أيضًا لتقديم نفسه كبديل أكثر تشددًا في الساحة الجهادية. يعتبر التنظيم أن طالبان قد خذلت المشروع الجهادي العالمي من خلال الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة، وهو ما يُعد خيانة وفقًا لأيديولوجية داعش. هذا الموقف يبرر تصعيد الهجمات ضد عناصر طالبان ومقارها الأمنية.
رغم جهود طالبان في شن عمليات قمع واسعة ضد عناصر داعش خراسان، إلا أن التنظيم أثبت قدرته على تنفيذ هجمات نوعية في مختلف المناطق، خاصة في الشمال والشرق حيث يتمتع ببنية تحتية خفية تساعده على تنفيذ عملياته. استمرار هذه الهجمات يشير إلى فشل طالبان في القضاء على التنظيم، مما يثير مخاوف من تصاعد التهديدات الإرهابية في المستقبل القريب.
التنافس بين طالبان وداعش خراسان ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو أيضًا صراع على الشرعية والتأثير داخل أوساط الحركات الجهادية. إذا استمرت داعش في تنفيذ هجمات ناجحة، فقد يؤدي ذلك إلى جذب المزيد من المقاتلين الساخطين من صفوف طالبان أو الجماعات الأخرى التي ترى أن الحركة لم تعد تمثل المشروع الجهادي الحقيقي. هذا السيناريو قد يؤدي إلى تصعيد إضافي في الصراع المسلح داخل أفغانستان، مما يجعل البلاد أكثر اضطرابًا وأقل استقرارًا.
انعكاسات داخلية وإقليمية
تصاعد الهجمات الإرهابية مثل الهجوم الأخير في قندوز يعكس تحديات حقيقية أمام طالبان، حيث باتت الحركة تواجه اختبارًا صعبًا فيما يتعلق بقدرتها على تحقيق الأمن والاستقرار. ورغم تصريحاتها المتكررة حول القضاء على التهديدات الأمنية، إلا أن استمرار العنف يثير الشكوك حول مدى نجاحها في ذلك. هذا الوضع قد يؤثر على تماسك الحركة الداخلي، خاصة في ظل وجود أجنحة متشددة داخل طالبان قد ترى في أي تنازل أمني ضعفًا في القيادة.
على الصعيد الدولي، يؤثر استمرار الهجمات على فرص طالبان في الحصول على اعتراف دبلوماسي واسع النطاق. فالدول الكبرى تراقب الوضع الأمني في أفغانستان عن كثب، وتربط أي خطوة نحو الاعتراف الرسمي بقدرة طالبان على ضمان الاستقرار ومنع تحول البلاد إلى ملاذ آمن للجماعات الإرهابية. أي فشل في تحقيق ذلك قد يطيل أمد عزلة طالبان دوليًا، مما يعقد جهودها في بناء علاقات اقتصادية وسياسية مع العالم.
إقليميًا، تتحول أفغانستان إلى ساحة صراع غير مباشر بين قوى مختلفة، حيث تستخدم بعض الجهات الإقليمية الجماعات المسلحة كورقة ضغط لتعزيز نفوذها في البلاد. دول مثل باكستان وإيران وروسيا تتابع الوضع بحذر، فاستمرار نشاط داعش خراسان قد يدفع هذه الدول إلى اتخاذ تدابير أكثر تشددًا لحماية مصالحها، سواء عبر دعم طالبان أو من خلال استراتيجيات أخرى لمكافحة الإرهاب.
وأخيرًا، يبقى مستقبل الأمن في أفغانستان مرهونًا بقدرة طالبان على التعامل مع التحديات الأمنية المتزايدة. استمرار الهجمات قد يؤدي إلى تصاعد موجة نزوح داخلي، وزيادة معاناة المدنيين الذين يجدون أنفسهم وسط دوامة صراع لا يبدو أنه سينتهي قريبًا. كل هذه العوامل تجعل من أفغانستان ساحة اضطراب دائمة، قد تؤثر على الأمن الإقليمي والعالمي لسنوات قادمة.
الخلاصة
يعكس هذا الهجوم عمق التحديات التي تواجهها طالبان، سواء في فرض الأمن الداخلي أو في احتواء تمدد داعش خراسان. كما أنه يبرز خطورة استمرار العنف الجهادي في أفغانستان، ليس فقط على المستوى المحلي، بل على الأمن الإقليمي والدولي. في ظل غياب استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب، قد تصبح أفغانستان مرة أخرى بؤرة توتر تهدد الاستقرار العالمي.