مقابر الموت في ليبيا.. جرائم الإتجار بالبشر تتكشف وسط الفوضى الأمنية
السبت 22/فبراير/2025 - 01:08 م
طباعة

تشهد ليبيا فصولًا جديدة من الأزمات الإنسانية، حيث تضاف المقابر الجماعية إلى سجل الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون وطالبو اللجوء في البلاد، فمنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، غرقت ليبيا في فوضى سياسية وأمنية جعلت منها نقطة محورية لشبكات تهريب البشر التي تستغل هشاشة الأوضاع لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
وفي ظل وجود حكومتين متنافستين، وانعدام سيطرة مركزية فعالة، تحول الجنوب الليبي والصحارى الممتدة إلى مساحات خارجة عن القانون، يستخدمها المهربون كمعاقل لأنشطتهم الإجرامية.
وفي هذا السياق، أعلنت الأمم المتحدة، العثور على 93 جثة في مقبرتين جماعيتين، تم اكتشافهما خلال عمليات أمنية ضد مهربي البشر في منطقتي إجخرة والكفرة، الأمر الذي سلط الضوء مجددًا على حجم المخاطر التي تواجه المهاجرين في ليبيا، حيث يتعرضون للاحتجاز القسري والتعذيب والانتهاكات الجسيمة، وسط غياب آليات حماية حقيقية.
وكشفت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، روزماري ديكارلو، خلال اجتماع لمجلس الأمن، عن العثور على المقبرتين في عمليتين منفصلتين في 7 و8 فبراير الجاري، مؤكدة أنه تم انتشال 93 جثة حتى الآن، دون تحديد عدد الجثث في كل موقع.
ووصفت ديكارلو الاكتشاف بأنه “مثير للقلق والمأساوي”، مشيرةً إلى أن هذه الحوادث تعكس مستوى الخطر الذي يواجهه المهاجرون في ليبيا، الذين غالبًا ما يكونون ضحايا لشبكات إجرامية تمتهن الاتجار بالبشر.
وسبق أن أعلن مكتب النائب العام الليبي عن اكتشاف 28 جثة لمهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء في مقبرة جماعية بالكفرة، خلال عملية أمنية استهدفت إحدى شبكات التهريب، حيث تم تحرير 76 مهاجرًا كانوا محتجزين لدى المهربين الذين قاموا بتعذيبهم وإساءة معاملتهم.
أما في إجخرة، فقد تم العثور على 19 جثة في مقبرة جماعية أخرى، في حين قدرت المنظمة الدولية للهجرة أن عدد الضحايا في الكفرة قد يصل إلى 70 شخصًا، مما يرفع العدد المحتمل للقتلى إلى قرابة 100 مهاجر خلال الأسابيع الماضية فقط.
تمثل ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الفارين من النزاعات والفقر في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث يسعى الآلاف للوصول إلى السواحل الأوروبية عبر البحر المتوسط، لكن رحلتهم غالبًا ما تتحول إلى كابوس مرعب. وتقدر الأمم المتحدة وجود أكثر من 600 ألف مهاجر غير نظامي في ليبيا، يعيش العديد منهم في ظروف قاسية، ويتعرضون للاعتقال العشوائي، والانتهاكات الجسدية، والاستغلال الجنسي، والعمل القسري في مراكز احتجاز غير رسمية تديرها مليشيات مسلحة أو عصابات تهريب.
وتبعد السواحل الليبية 300 كيلومتر فقط عن إيطاليا، مما يجعلها نقطة انطلاق رئيسية لقوارب الهجرة غير النظامية، لكن الكثير من المهاجرين لا يصلون إلى وجهتهم، إذ يلقى الآلاف حتفهم إما غرقًا في البحر أو في الصحاري الليبية أثناء محاولتهم الفرار من مراكز الاحتجاز.
ووفقًا لمشروع المهاجرين المفقودين التابع للمنظمة الدولية للهجرة، فقد تم تسجيل 965 حالة وفاة أو اختفاء لمهاجرين في ليبيا عام 2024، منها 22% على الطرق البرية، مما يعكس المخاطر القاتلة التي يواجهها هؤلاء خلال رحلتهم عبر الصحراء.
يتزامن تصاعد انتهاكات الاتجار بالبشر مع استمرار الأزمة السياسية في ليبيا، حيث تتصارع حكومتان على السلطة؛ الأولى في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمعترف بها دوليًا، والثانية في الشرق بقيادة أسامة حماد والمدعومة من البرلمان وقائد الجيش خليفة حفتر.
ويعطل هذا الانقسام أي جهود حقيقية لمعالجة الأزمة، حيث يفتقر البلد إلى مؤسسات أمنية موحدة قادرة على مواجهة شبكات التهريب وإنفاذ القوانين بفعالية.
من جهة أخرى، تعاني السلطات الليبية من ضعف الرقابة على الحدود الجنوبية، ما يسمح للمهربين باستغلال المهاجرين في تجارة مربحة تدر ملايين الدولارات سنويًا.
وتعتبر المناطق الصحراوية النائية في الجنوب ملاذًا آمنًا لهذه الشبكات، حيث يتم احتجاز المهاجرين وتعذيبهم لإجبار عائلاتهم على دفع فدية، أو بيعهم كعمالة قسرية، أو إجبارهم على العمل ضمن أنشطة إجرامية.
ورغم توقيع اتفاقيات بين الاتحاد الأوروبي وليبيا للحد من تدفق المهاجرين، إلا أن هذه السياسات تعرضت لانتقادات حادة بسبب اعتمادها على خفر السواحل الليبي، الذي تتهمه تقارير حقوقية بالتواطؤ مع المهربين، وإعادة المهاجرين إلى مراكز احتجاز غير إنسانية بدلاً من توفير الحماية لهم.
إن العثور على المقابر الجماعية في إجخرة والكفرة يمثل جرس إنذار جديد حول حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها المهاجرون في ليبيا، وسط انعدام أي حلول جذرية تضمن لهم الحماية.
فطالما استمرت ليبيا في حالتها الراهنة من الانقسام السياسي وغياب القانون، ستظل أراضيها مرتعًا لعصابات التهريب، مما يجعل المهاجرين هدفًا سهلًا لانتهاكات مروعة.
وإزاء هذه الكارثة، تبرز الحاجة إلى تحرك دولي جاد لضمان تطبيق القوانين ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، بالتوازي مع حلول سياسية تضع حدًا للفوضى التي سمحت لهذه الانتهاكات بالاستفحال.
كما أن على الدول الأوروبية إعادة النظر في سياساتها تجاه الهجرة، بحيث لا تقتصر فقط على منع وصول المهاجرين، بل تمتد لتشمل معالجة الأسباب الجذرية التي تدفعهم إلى خوض هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر.
و تبقى ليبيا في قلب واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في المنطقة، حيث تتحول أحلام الهاربين من الفقر والحروب إلى كوابيس مروعة، بين جحيم المهربين وقسوة الصحراء وظلمات البحر، في انتظار مستقبل ما زال محفوفًا بالضبابية.