صلاح بادي والثورة المزعومة.. ليبيا بين دعوات التغيير وصراع الميليشيات

السبت 08/مارس/2025 - 03:21 م
طباعة صلاح بادي والثورة أميرة الشريف
 

تشهد ليبيا منذ أكثر من عقد اضطرابات سياسية وأمنية عميقة، وسط انقسامات حادة بين مختلف القوى السياسية والعسكرية، وتزايد نفوذ الميليشيات المسلحة. 

في هذا السياق، برزت دعوة جديدة للثورة أطلقها صلاح بادي، قائد ميليشيا "لواء الصمود"، التي أثارت ردود فعل متباينة في الأوساط الليبية. 

وبينما انتقد بادي الحكومتين المتنازعتين على السلطة متهماً إياهما بالفساد، قوبلت دعوته بالاستهجان من مختلف الأطراف، بمن فيهم أنصار النظام السابق، الذين رفضوا أي تحالف مع شخصية تسببت في نزاعات دموية.

 هذا الرفض يطرح تساؤلات حول مدى قدرة بادي على تحريك المشهد السياسي في ليبيا، وما إذا كان خطابه يعكس إرادة شعبية حقيقية أم أنه مجرد محاولة لتعزيز موقعه في المشهد المتأزم.

صلاح بادي، الضابط السابق في قوات القذافي، انشق عنها خلال أحداث 2011 ليصبح أحد القادة البارزين في مصراتة، حيث أسس "لواء الصمود" الذي لعب دوراً محورياً في معارك طرابلس ومناطق أخرى، لكنه أصبح أيضاً شخصية مثيرة للجدل بسبب ارتباطه بصراعات مسلحة متكررة، وهو ما أدى إلى إدراجه على قائمة العقوبات الدولية منذ عام 2018 بسبب تقويضه جهود الحل السياسي في ليبيا. 

في ظهوره الأخير، أطلق بادي دعوة إلى "الثورة" ضد ما أسماه "حكم العائلتين"، في إشارة إلى عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وخليفة حفتر، قائد "الجيش الوطني" في شرق ليبيا. 

كما دعا أنصار النظام السابق للمشاركة في بناء المستقبل، مشدداً على أنه "لا فرق بين حفيده وحفيد القذافي"، في إشارة إلى ضرورة تجاوز الصراعات القديمة وتوحيد الصفوف ضد الحكومتين الحاليتين.

لكن هذه الدعوة لم تلقَ استجابة، بل على العكس، وُجهت إليه انتقادات حادة من مختلف الأطراف، فقد رفض أنصار النظام السابق هذه المبادرة، حيث استبعد المحلل السياسي عثمان بركة أن يستجيبوا لدعوة بادي، مشيراً إلى أنهم "لن يضعوا أيديهم في يد ميليشيات ساهمت في تدمير بلدهم". 

وأضاف أن تصريحات بادي تفتقد إلى المصداقية، وأن أنصار النظام السابق لديهم قضايا أهم من الصراع القائم بين الحكومتين المتنازعتين.

إلى جانب ذلك، لم تجد دعوة بادي أي تأييد ملموس على المستوى الإعلامي، حيث تداولت وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة من كلمته، لكنها ركزت في معظمها على كونه "مُعاقب دولياً"، دون أن تبرز أي مبادرات داعمة له.

 كما أن ظهوره في هذا التوقيت أثار تساؤلات حول دوافعه الحقيقية، خصوصاً مع التوترات الأمنية المتزايدة في غرب البلاد.

واحدة من القضايا التي زادت من الشكوك حول نوايا بادي هي مسؤوليته عن تهجير سكان مدينة تاورغاء، الذين كانوا يُعرفون بولائهم للنظام السابق، رغم اتفاق المصالحة بين مصراتة وتاورغاء لاحقاً، فإن العديد من الناشطين لا يزالون يحملون بادي مسؤولية هذه الكارثة الإنسانية.

 الناشط التاورغائي عياد عبد الجليل شكك في مصداقية بادي، متسائلاً: "كيف يمكنه الحديث عن ثورة ضد الفساد بينما هو متورط في تهجير أهالي تاورغاء؟".

 هذا التشكيك يعكس مدى عمق الخلافات والانقسامات داخل المشهد الليبي، حيث يظل بادي شخصية مثيرة للجدل في نظر الكثيرين.

من الناحية العسكرية، يرى المحلل العسكري محمد الترهوني أن تصريحات بادي تأتي في إطار الصراع القائم بين الميليشيات في طرابلس ومصراتة، مشيراً إلى أن دعوته إلى التحرك ضد الحكومتين "قد تكون محاولة لجس نبض الشارع قبل افتعال الأزمات". 

ومن المعروف أن "لواء الصمود" سبق أن تحرك عسكرياً في عدة مناسبات، وكان له دور في اشتباكات عنيفة، أبرزها الهجوم على مطار طرابلس عام 2014، الذي أسفر عن تدمير عدد من الطائرات المدنية.

وفي سياق آخر، يرى وكيل وزارة الخارجية الليبية السابق، حسن الصغير، أن ظهور بادي قد يكون مرتبطاً بمحاولة إضعاف الدعوات المتزايدة نحو الحكم الفيدرالي، التي أطلقها نائب رئيس المجلس الرئاسي، موسى الكوني. 

وأشار الصغير إلى أن بادي تحدث عن تقسيم ليبيا كأمر واقع بين حكومتين وجيشين، ما يعكس محاولته التأثير على هذا المسار السياسي.

في ظل الأوضاع المعقدة التي تعيشها ليبيا، تبقى دعوة صلاح بادي للثورة محل شك وتساؤل، فبينما يدعو إلى إسقاط الحكومتين بسبب الفساد، فإن تاريخه ودوره في الأزمات السابقة يجعلان من الصعب اعتباره صوتاً صادقاً للتغيير.

 ومع غياب أي تأييد شعبي واضح لمبادرته، يبدو أن هذه الدعوة لن تتجاوز كونها محاولة أخرى لإعادة ترتيب المشهد لصالح قوى مسلحة معينة، بدلاً من تقديم حل حقيقي للأزمة الليبية المستمرة.

 ومع استمرار الانقسامات السياسية وغياب الحلول الجذرية، تبقى ليبيا عالقة في دوامة من الفوضى، حيث تتجاذبها المصالح الإقليمية والدولية، وتستمر معاناة الشعب في ظل غياب أفق واضح لإنهاء النزاع.

شارك