الاستراتيجيات الأمنية الصومالية في مواجهة الإرهاب: بين الإنجازات والاختلالات

الأحد 09/مارس/2025 - 09:38 م
طباعة الاستراتيجيات الأمنية حسام الحداد
 
يأتي التصعيد الأمني الأخير في الصومال، مع تصاعد هجمات حركة "الشباب" الإرهابية، ليعيد إلى الواجهة مشهد الاضطراب المزمن في هذا البلد، رغم الجهود الحكومية والدولية لإضعاف نفوذ الحركة. تحذير السفارة الأمريكية من المستوى الرابع، وتعليق الخطوط الجوية التركية رحلاتها إلى مقديشو، يسلطان الضوء على حجم المخاطر الأمنية المتزايدة، ويطرحان تساؤلات حول دلالات هذه التطورات في المشهد السياسي والأمني الصومالي.
أصدرت السفارة الأمريكية في مقديشو تحذيرًا أمنيًا من المستوى الرابع للمواطنين الأمريكيين الموجودين في الصومال، وذلك بهدف تذكيرهم بالمخاطر الأمنية المستمرة في البلاد. يأتي هذا التحذير على الرغم من قرار رفع قيود السفر إلى الصومال. 
وأشارت السفارة إلى احتمالية وقوع هجمات إرهابية قد تستهدف مجموعة من المنشآت المدنية والمصالح الأجنبية، بما في ذلك المواطنين الأجانب. كما أوضحت أن هذه التهديدات قد تشمل استهداف المطارات والموانئ، بالإضافة إلى نقاط التفتيش، والفنادق، والمطاعم، ومناطق التسوق. 
وعلى ضوء البيان التحذيري الصادر عن السفارة الأمريكية في الصومال، قررت الخطوط الجوية التركية تعليق رحلاتها إلى العاصمة مقديشو. وأفادت الشركة بأنها ستوقف الرحلات المتجهة إلى مطار آدم عدي الدولي في مقديشو ابتداءً من 5 مارس وحتى 12 مارس، وذلك لأسباب أمنية. 
في السياق ذاته، أعلنت السلطات الصومالية عن فرض حظر على حمل الأسلحة داخل مطار آدم عدي الدولي في مقديشو. وأكدت إدارة المطار أن هذا القرار ينطبق على جميع الأفراد، بما في ذلك عناصر الأمن والجهات الحكومية، وذلك في إطار جهود تعزيز التدابير الأمنية داخل هذه المنشأة الحيوية.
جدير بالذكر أن هذه الإجراءات تتزامن مع تصاعد الهجمات التي تنفذها حركة الشباب في البلاد. وردًا على ذلك، كثفت الحكومة الصومالية العمليات الأمنية ضد معاقل حركة الشباب الإرهابية، حيث أسفرت تلك العمليات عن مقتل يوسف ديجناس، أحد القادة البارزين في الحركة الإرهابية، نتيجة غارة جوية استهدفت موقعًا لها في منطقة عيل بعد بإقليم شبيلي الوسطى. 
وعن ذلك، أعلن المتحدث الرسمي باسم الوزارة، أبوبكر محمد، أن الغارة الجوية أدت إلى مقتل ديجناس وعدد من المسلحين الذين كانوا تحت إمرته، مضيفًا أن القوات الصومالية وحلفاءها نفذوا هجومًا آخر استهدف مواقع الحركة في منطقة جلعد بإقليم جلجدود، حيث تتحصن عناصر الحركة هناك. 

التصعيد الأمني: بين التحديات والاستراتيجيات الحكومية
تزامن إصدار التحذير الأمني الأمريكي مع تكثيف الحكومة الصومالية لعملياتها العسكرية ضد حركة الشباب، حيث أسفرت إحدى الغارات الجوية عن مقتل يوسف ديجناس، أحد القادة البارزين في الحركة. هذا التزامن يثير تساؤلات حول العلاقة بين العمليات الأمنية الحكومية وردود الفعل الإرهابية، إذ غالبًا ما تلجأ الحركة إلى تنفيذ هجمات انتقامية كلما تعرضت لضغوط عسكرية. يشير هذا النمط إلى استراتيجية متكررة تعتمدها الحركة، حيث تستغل أي تصعيد ضدها لإثبات قدرتها على الرد، سواء من خلال استهداف المنشآت الحيوية أو تنفيذ عمليات انتحارية لإرباك السلطات وخلق مناخ من الخوف.
ورغم الجهود المكثفة التي تبذلها الحكومة الصومالية، فإن استمرار حركة الشباب في تنفيذ هجمات نوعية يكشف عن ثغرات أمنية خطيرة، خصوصًا في تأمين المرافق الاستراتيجية مثل المطارات والموانئ. فالهجوم على هذه المنشآت لا يمثل فقط تحديًا أمنيًا، بل يعكس أيضًا قدرة الحركة على جمع المعلومات والتخطيط لعمليات ذات تأثير واسع النطاق، وهو ما يعزز مناخ عدم الاستقرار. كما أن هذه الاختراقات الأمنية تُضعف ثقة المجتمع الدولي في قدرة الحكومة على ضبط الوضع، مما يؤدي إلى تداعيات اقتصادية خطيرة، مثل تعليق الرحلات الجوية وتقليص الاستثمارات الأجنبية.
إلى جانب ذلك، فإن تعامل الحكومة الصومالية مع التهديدات الإرهابية لا يزال يواجه عقبات هيكلية، تتعلق بضعف التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وغياب استراتيجية طويلة المدى لمعالجة جذور الأزمة. فنجاح عمليات استهداف قيادات الحركة لا يعني بالضرورة انهيارها، بل قد يؤدي إلى تعزيز الديناميكيات الداخلية للحركة، حيث تظهر قيادات جديدة أكثر تطرفًا، أو تتبنى تكتيكات أكثر عنفًا. وهذا يعكس إشكالية الحلول الأمنية التقليدية التي تعتمد على الضربات العسكرية دون معالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تسهم في استمرار نفوذ الحركة، مثل الفقر وغياب فرص العمل وانتشار الفكر المتطرف في بعض المناطق النائية.

التحذيرات الدولية وتعليق الرحلات: دلالات ومؤشرات
يعد إصدار السفارة الأمريكية في مقديشو تحذيرًا أمنيًا من المستوى الرابع مؤشرًا على تقييم استخباراتي جاد للوضع الأمني في الصومال، حيث يعكس هذا التصنيف أعلى درجات التحذير التي تصدرها الخارجية الأمريكية، مما يشير إلى قناعة واشنطن بأن المخاطر الأمنية باتت تفوق قدرة الحكومة الصومالية على تأمين المصالح الأجنبية والمرافق الحيوية. يأتي هذا القرار في وقت تزايدت فيه هجمات حركة الشباب على أهداف مدنية وعسكرية، الأمر الذي يسلط الضوء على استمرار التهديدات الإرهابية رغم الجهود الأمنية المكثفة. كما أن هذا التحذير يضعف ثقة الشركاء الدوليين في قدرة الحكومة على ضبط الأوضاع، وهو ما قد يؤثر على مستوى الدعم الأمني والاقتصادي الذي تتلقاه مقديشو من المجتمع الدولي.
في السياق ذاته، جاء قرار الخطوط الجوية التركية بتعليق رحلاتها إلى مقديشو ليؤكد أن التهديدات الإرهابية لم تعد مقتصرة على الهجمات البرية التقليدية، بل أصبحت تشمل تهديدات مباشرة للملاحة الجوية. هذا القرار لا يعكس فقط مخاوف أمنية تتعلق بسلامة الرحلات، بل يشير أيضًا إلى أن البيئة الأمنية في الصومال لم تعد آمنة حتى بالنسبة للشركات الكبرى التي تمتلك خبرة في العمل بالمناطق المضطربة. فالخطوط التركية تُعد الناقل الدولي الوحيد الذي يسيّر رحلات منتظمة إلى مقديشو، وقرارها بالتعليق يبرز مدى تصاعد المخاطر الأمنية إلى مستوى يهدد المصالح التجارية والشركات التي تتعامل مع السوق الصومالي.
تداعيات هذه التحذيرات الدولية وقرارات تعليق الرحلات تتجاوز مجرد القلق الأمني، إذ إنها تعمّق من عزلة الصومال الاقتصادية وتزيد من صعوبة جهود إعادة بناء الدولة. فتقليص الرحلات الجوية يعني تراجع تدفق المستثمرين الأجانب والمساعدات الدولية، مما قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد. كما أن غياب الاستقرار الأمني يعوق محاولات جذب رؤوس الأموال اللازمة لإعادة تأهيل البنية التحتية ودعم المشروعات التنموية. وفي ظل هذه التطورات، يبدو أن الصومال يواجه حلقة مفرغة، حيث يؤدي التدهور الأمني إلى تراجع الاستثمارات والمساعدات، مما يزيد من صعوبة تحسين الوضع الاقتصادي، وهو ما يمنح الجماعات المتطرفة بيئة خصبة لتجنيد المزيد من الأفراد وتعزيز نفوذها.

استراتيجية "الشباب" وتحولات المشهد الجهادي في شرق إفريقيا
لم تعد حركة الشباب مجرد جماعة مسلحة محلية تخوض حربًا ضد الحكومة الصومالية، بل تحولت إلى فاعل إقليمي ضمن الشبكات الجهادية العالمية، خاصة بعد ارتباطها رسميًا بتنظيم القاعدة. هذا الاندماج منحها زخمًا استراتيجيًا، حيث تستفيد من الدعم اللوجستي والتكتيكات المتطورة التي تتبناها الجماعات الجهادية العابرة للحدود. كما أن هذا الارتباط ساعدها في تعزيز قدراتها على تجنيد المقاتلين ليس فقط من داخل الصومال، بل من دول الجوار أيضًا، مما منحها مرونة أكبر في تنفيذ عملياتها وتوسيع دائرة نفوذها. هذه المكانة جعلت الحركة تستغل التحولات الإقليمية، حيث استفادت من الأزمات الأمنية في كينيا وإثيوبيا وأوغندا لتعزيز وجودها وتهديد الاستقرار في تلك الدول عبر هجمات عابرة للحدود.
إضافة إلى البعد الإقليمي، تعتمد حركة الشباب على استراتيجيات متنوعة لإبقاء نفوذها داخل الصومال، وأبرزها استغلال الانقسامات القبلية والتوترات السياسية. فبدلًا من الاكتفاء بالقوة العسكرية المباشرة، تسعى الحركة إلى التغلغل داخل المجتمعات المحلية عبر تقديم خدمات بديلة عن الحكومة، مثل فرض الضرائب وتوفير الأمن في بعض المناطق الريفية، ما يجعلها أكثر قبولًا لدى بعض الفئات المهمشة. كما أنها توظف العمليات الانتحارية كأداة سياسية تستهدف بها المنشآت الحيوية والمصالح الأجنبية، في محاولة لإظهار الحكومة الصومالية بمظهر العاجزة عن حماية الدولة. وهذا النهج لا يعزز فقط مكانة الحركة بين التنظيمات الجهادية العالمية، بل يمنحها كذلك أدوات ضغط سياسية وأمنية على الحكومة والمجتمع الدولي.
ورغم الضربات الجوية والعمليات العسكرية المتكررة التي تستهدف قادتها، لا تزال حركة الشباب قادرة على إعادة بناء نفسها وإعادة ترتيب صفوفها. هذه المرونة ترجع إلى عدة عوامل، من بينها هشاشة الدولة الصومالية، وغياب التنسيق الأمني الفعّال بين القوات الحكومية والدولية، فضلًا عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة التي تجعل من بعض المناطق بيئة خصبة لنمو الفكر المتطرف. فالفقر والبطالة وغياب الخدمات الأساسية تدفع بعض الشباب إلى الانضمام للحركة إما بدافع الأيديولوجيا أو بسبب الحاجة الاقتصادية. وبذلك، فإن استمرار هذه الظروف يوفر لحركة الشباب مصدرًا متجددًا للمقاتلين، مما يطيل أمد الصراع ويجعل الحلول الأمنية غير كافية وحدها لإنهاء التهديد الذي تمثله الحركة.

بين المعالجات الأمنية والحلول السياسية الشاملة
تعكس التطورات الأخيرة في الصومال حقيقة أن المواجهة مع حركة الشباب لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل تحتاج إلى استراتيجية متكاملة تشمل التنمية الاقتصادية، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، وتعزيز الشرعية السياسية للحكومة. فالتعامل مع الإرهاب دون معالجة جذور الأزمة، سيؤدي فقط إلى تأجيل المواجهة، وليس حسمها. وفي ظل التحذيرات الدولية المستمرة، يبدو أن الصومال بحاجة إلى مقاربة جديدة تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية نحو بناء دولة قوية قادرة على مواجهة التحديات من الداخل قبل الخارج.

شارك