حركة 23 مارس والصراع الإقليمي.. بين التصعيد العسكري والتسوية السياسية
الأربعاء 02/أبريل/2025 - 02:56 م
طباعة

تواجه بوروندي ورواندا خطر سوء التقدير في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو وضع قد يؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية أوسع. ورغم الجهود التي تبذلها الدولتان لتهدئة التوترات وتجنب صراع مباشر، لا تزال المخاوف قائمة بشأن التصعيد المحتمل. وتأتي هذه المخاوف وسط تصاعد التصريحات العدائية، التي تعكس حالة من عدم الثقة المتزايدة بين الجانبين.
أثار الرئيس البوروندي، إيفاريست ندايشيميي، جدلاً واسعًا بعد تحذيراته من غزو رواندي محتمل لبلاده يومي 24 و25 مارس. وفي تصريح أدلى به في 24 مارس، أكد ندايشيميي أن بوروندي سترد بحزم على أي هجوم يستهدف العاصمة الاقتصادية، بوجومبورا. كما أعاد التأكيد على هذه المخاوف في مقابلة مع "بي بي سي" نُشرت في 25 مارس، حيث أشار إلى تقارير استخباراتية موثوقة تفيد بأن الرئيس الرواندي، بول كاغامي، لديه "خطة لمهاجمة بوروندي".
وتزايدت الاتهامات المتبادلة بين البلدين منذ أن تمكن متمردو حركة 23 مارس، المدعومون من رواندا، من السيطرة على مدينة غوما، عاصمة مقاطعة كيفو الشمالية، في أواخر يناير. ومنذ ذلك الحين، كرر ندايشيميي اتهاماته لرواندا بالتخطيط لأعمال عدائية ضد بوروندي، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة، ويهدد بإشعال فتيل مواجهة عسكرية قد تمتد إلى دول الجوار.
توتر متصاعد رغم جهود التهدئة
رغم الجهود المستمرة بين بوروندي ورواندا لنزع فتيل التوتر وتقليل خطر اندلاع حرب أوسع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، لا تزال بوروندي محل شك كبير لدى رواندا. منذ فبراير، عقد مسؤولو الدفاع في البلدين عدة اجتماعات بهدف تهدئة الأوضاع وتجنب التصعيد العسكري. وقدّر مركز مكافحة الإرهاب أن هذه المناقشات ساهمت في منع تصعيد محتمل في فبراير، خاصة بعد تقدم متمردي حركة 23 مارس جنوبًا على طول الحدود الكونغولية البوروندية باتجاه أوفيرا، الواقعة على بُعد 16 ميلًا غرب العاصمة الاقتصادية لبوروندي، بوجومبورا.
في 16 فبراير، صرّح الرئيس البوروندي إيفاريست ندايشيميي بأنه تلقى تطمينات من رواندا بأنها لن تشن هجومًا على بلاده. وبالتزامن مع ذلك، انسحبت قوات حركة 23 مارس سلميًا من مواقعها على طول الحدود الكونغولية البوروندية خلال الأسبوع التالي، مما سمح للجيش البوروندي (FDNB) بالانتشار في تلك المناطق وملء الفراغ الأمني. هذه التطورات ساهمت، ولو بشكل مؤقت، في خفض التوترات ومنع نشوب مواجهة مباشرة بين البلدين.
لكن التوتر عاد إلى الواجهة بعد تصريحات ندايشيميي الأخيرة، حيث قال في مقابلة مع "بي بي سي" إنه لا يزال يعتقد أن رواندا لديها "خطة لمهاجمة بوروندي". ردًا على ذلك، وصف وزير الخارجية الرواندي، عبر وسائل التواصل الاجتماعي في 25 مارس، هذه التصريحات بأنها "مؤسفة"، مؤكدًا أن مسؤولي الدفاع من الجانبين لا يزالون ملتزمين بالتعاون بحسن نية من أجل تهدئة الأوضاع ومنع التصعيد العسكري في المنطقة.
التصعيد المحتمل والتهديدات المتبادلة
تسلط اتهامات الرئيس البوروندي إيفاريست ندايشيميي الضوء على استمرار خطر التصعيد بين بوروندي ورواندا، خاصة في ظل التوترات العسكرية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. يزداد هذا الخطر بسبب القرب الجغرافي لقوات البلدين في المنطقة، حيث ينظر كل طرف إلى الآخر كتهديد وجودي. تاريخيًا، صنفت كل من بوروندي ورواندا بعضهما البعض على أنهما مصدر تهديد، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، مما ساهم في تأجيج التوترات المستمرة بينهما.
في مقابلته مع "بي بي سي"، كرر ندايشيميي مخاوفه بشأن علاقة رواندا بجماعة "ريد تابارا"، وهي مجموعة متمردة تتألف من التوتسي البورونديين، وأشار إلى الجهود المزعومة التي تبذلها رواندا لتقويض حكومته. كما استعاد الادعاءات السابقة بأن رواندا كانت متورطة في محاولة الانقلاب البوروندية عام 2015، مؤكدًا أن هذه العوامل لا تزال تؤثر سلبًا على العلاقات الثنائية بين البلدين وتغذي انعدام الثقة بينهما.
على الجانب الآخر، تعاونت بوروندي مع "القوات الديمقراطية لتحرير رواندا" (FDLR)، وهي ميليشيا تنشط في شرق الكونغو وترتبط بالإبادة الجماعية في رواندا، وتعتبرها الحكومة الرواندية تهديدًا للأمن القومي. استخدمت كل من بوروندي ورواندا وجود هذه الجماعات المسلحة – "ريد تابارا" و"القوات الديمقراطية لتحرير رواندا" – لتبرير تدخلاتهما العسكرية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية على مدى سنوات، مما يزيد من تعقيد الوضع الأمني ويجعل احتمالية التصعيد أكثر واقعية.
المواجهة العسكرية بين بوروندي ورواندا في شرق الكونغو
تخوض القوات البوروندية مواجهات مباشرة ضد متمردي حركة "إم23" المدعومة من رواندا، بالإضافة إلى القوات الرواندية التي تقاتل إلى جانبها، في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. ووفقًا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة في ديسمبر 2024، نشرت رواندا ما لا يقل عن 4000 جندي في المنطقة، بينما ذكرت "رويترز" أن هذا العدد ربما ارتفع إلى 12000 جندي بحلول عام 2025 مع تصاعد هجمات حركة "إم23". وفي المقابل، نشرت بوروندي عدة آلاف من الجنود لدعم الجيش الكونغولي في مواجهة قوات رواندا وحركة "إم23"، واحتواء جماعة "ريد تابارا" المتمردة منذ أواخر عام 2021. كما أفادت الأمم المتحدة في يونيو 2024 بأن القيادة العسكرية الرواندية وجهت قواتها المنتشرة في شرق الكونغو لاستهداف الجنود البورونديين بشكل مباشر.
مع استمرار الصراع، تصاعدت التوترات مع تقدم حركة "إم23" جنوبًا في إقليم جنوب كيفو، مما زاد من قرب القوات الرواندية من نظيرتها البوروندية على طول الحدود الكونغولية البوروندية منذ فبراير. القوات البوروندية المنتشرة على الطريق الوطني الخامس أصبحت على بعد نحو سبعة أميال فقط من مواقع "إم23" في مدينة كامانيولا، وهي أقصى مدينة جنوبًا على حدود الكونغو مع رواندا. وأدى هذا القرب إلى اشتباكات مباشرة بين القوات البوروندية من جهة، وقوات حركة "إم23" والقوات الرواندية المفترضة من جهة أخرى، خاصة على الجبهة الثانية في مرتفعات منطقة أوفيرا غرب الطريق الوطني الخامس، منذ أوائل مارس، عقب تقدم "إم23" جنوب بوكافو إلى مشيخة كازيبا.
تشكل مشيخة كازيبا موقعًا استراتيجيًا في وسط جنوب كيفو، إذ تربطها المرتفعات الواقعة في الجنوب الشرقي، مما يمنح القوات الرواندية وحلفاءها فرصة للهجوم على جناح المواقع البوروندية التي تدافع عن أوفيرا على طول الطريق الوطني الخامس، أو الالتفاف على هذه المواقع والتقدم نحو المدينة مباشرة. وتزيد الطبيعة الجغرافية للمنطقة من تعقيد العمليات العسكرية، حيث تربط المسارات الحرجية في المشيخة مناطق عمليات "ريد تابارا" جنوبًا في مرتفعات منطقة فيزي بجنوب كيفو، ما يجعل التنقل بين المجموعات المسلحة أكثر سهولة.
وفي ظل هذا الوضع العسكري المتوتر، أفادت إذاعة فرنسا الدولية في فبراير 2025 بأن خمسًا من أصل 16 كتيبة بوروندية منتشرة في شرق الكونغو تتمركز في مرتفعات منطقتي أوفيرا وفيزي. هذه القوات تمثل العمود الفقري للدعم العسكري البوروندي في المنطقة، حيث تسعى إلى صد التقدم الرواندي-الكونغولي المشترك. وبينما تواصل القوى الإقليمية تحركاتها العسكرية، يظل خطر اندلاع حرب أوسع في المنطقة احتمالًا قائمًا، خاصة في ظل تموضع القوات على خطوط المواجهة المباشرة.
دور حركة "23 مارس" في الصراع الإقليمي
تعد حركة "23 مارس" أحد أبرز الفاعلين في الصراع الدائر في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تلعب دورًا محوريًا في تأجيج التوترات بين رواندا وبوروندي. تُتهم الحركة بتلقي دعم عسكري ولوجستي مباشر من رواندا، ما يجعلها أداة رئيسية في النفوذ الرواندي داخل المنطقة. ومنذ أواخر عام 2021، عززت الحركة وجودها بشكل كبير، مستفيدة من الدعم العسكري الرواندي لتوسيع سيطرتها على مناطق استراتيجية، خاصة في كيفو الشمالية وجنوب كيفو، مما أثار ردود فعل قوية من الدول المجاورة، لا سيما بوروندي.
على الرغم من تبرير رواندا لدعمها لحركة "23 مارس" باعتبارها مدافعة عن مصالح التوتسي في الكونغو، إلا أن العديد من التقارير الدولية، بما في ذلك تقارير الأمم المتحدة، أكدت أن الحركة تشكل تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة. فقد أدى تقدمها العسكري إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين، وإلى اشتباكات متكررة مع الجيش الكونغولي وحلفائه، بما في ذلك القوات البوروندية. كما أن مطالب الحركة بانسحاب القوات البوروندية من شرق الكونغو تعكس دورها كوسيط غير مباشر للنفوذ الرواندي في المنطقة، مما يعقد الجهود الدبلوماسية لإنهاء الصراع.
فضلًا عن ذلك، تلعب الحركة دورًا مزدوجًا كقوة عسكرية وكأداة سياسية، حيث تسعى لفرض شروطها في أي مفاوضات تتعلق بمستقبل شرق الكونغو. فهي لا تكتفي بالسيطرة على الأراضي، بل تحاول إعادة تشكيل المشهد السياسي المحلي من خلال تحالفات مع جماعات مسلحة أخرى، مما يفاقم الانقسامات داخل الكونغو نفسها. كما أن تحركاتها في جنوب كيفو، واقترابها من حدود بوروندي، يعكس استراتيجيتها التوسعية التي تهدد الأمن القومي البوروندي، وتفتح الباب أمام تدخل عسكري أوسع من قبل دول الجوار.
وفي ظل استمرار دعم رواندا للحركة، وعدم قدرة الجهود الدولية على كبح نفوذها، تبقى "23 مارس" بمثابة نقطة اشتعال دائمة للصراع الإقليمي. فوجودها لا يقتصر على التنافس بين الحكومة الكونغولية والمتمردين، بل أصبح مرتبطًا بالصراع الأوسع بين رواندا وبوروندي، وكذلك بالتوازنات الإقليمية في منطقة البحيرات العظمى. ومع تصاعد المواجهات، يزداد احتمال نشوب حرب مفتوحة بين مختلف الأطراف، ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تأخذ بعين الاعتبار المصالح الأمنية لكل الدول المعنية.
تأثير الصراع على تنامي الإرهاب في إفريقيا
يساهم الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية بين بوروندي ورواندا، والذي تلعب فيه حركة "23 مارس" دورًا محوريًا، في خلق بيئة خصبة لانتشار الجماعات الإرهابية في القارة الإفريقية. مع تصاعد العنف وانهيار الهياكل الأمنية في المنطقة، تستغل الجماعات الإرهابية مثل "القوات الديمقراطية المتحالفة" (ADF) المرتبطة بتنظيم داعش، والميليشيات المحلية الأخرى، حالة الفوضى لتعزيز وجودها. فضعف الدولة الكونغولية، وانشغال القوات الحكومية بمواجهة "إم23" وحلفائها، يفتح المجال أمام هذه الجماعات لتنفيذ عملياتها وتوسيع نطاق نفوذها في مناطق جديدة.
علاوة على ذلك، يؤدي هذا الصراع إلى زيادة تدفق المقاتلين والأسلحة عبر الحدود، مما يعزز من قدرات التنظيمات الإرهابية في مناطق أخرى من إفريقيا. فمع وجود دعم خارجي وتمويل غير مشروع من شبكات التهريب والموارد الطبيعية، يصبح من السهل على الجماعات المسلحة استقطاب المقاتلين الفارين من النزاع في شرق الكونغو. وتاريخيًا، أظهرت النزاعات الإقليمية في إفريقيا أن الجماعات الإرهابية تستغل الصراعات المحلية لاكتساب زخم، كما حدث مع تمدد "داعش" و"القاعدة" في مناطق الساحل الإفريقي وشرق إفريقيا.
إضافة إلى ذلك، فإن استمرار النزاع يخلق أزمات إنسانية حادة تدفع آلاف المدنيين إلى النزوح القسري، مما يسهل استقطابهم من قبل الجماعات المتطرفة. فالمخيمات العشوائية التي تفتقر إلى الأمن والخدمات الأساسية تصبح بيئة خصبة للتجنيد، حيث تستغل التنظيمات الإرهابية حالة اليأس لدى النازحين وتقدم لهم المال أو الحماية مقابل الانضمام إلى صفوفها. هذا السيناريو تكرر في عدة مناطق إفريقية، مثل شمال نيجيريا والصومال، حيث استغل تنظيما "بوكو حرام" و"حركة الشباب" الأزمات الإنسانية لنشر أفكارهما وكسب المزيد من المجندين.
في النهاية، لا يشكل الصراع بين بوروندي ورواندا تهديدًا محليًا فحسب، بل يمتد تأثيره إلى باقي القارة الإفريقية، مما يعزز من حالة عدم الاستقرار الإقليمي. فمع تعثر الحلول السياسية، واستمرار المواجهات المسلحة، تتسع دائرة العنف، مما يمنح التنظيمات الإرهابية فرصًا أكبر للتغلغل والانتشار. وإذا لم يتم احتواء هذا النزاع، فقد يصبح شرق الكونغو بؤرة جديدة لتلاقي الجماعات الإرهابية، ما يزيد من تعقيد التحديات الأمنية في القارة ويؤثر سلبًا على جهود مكافحة الإرهاب على المستوى الإقليمي والدولي.
دور المجتمع الدولي والإقليمي في الصراع
المجتمع الدولي: ضغوط دبلوماسية ومساعدات إنسانية
يلعب المجتمع الدولي دورًا رئيسيًا في احتواء الصراع عبر القنوات الدبلوماسية والضغوط السياسية على الأطراف المتنازعة. الأمم المتحدة، عبر بعثتها لحفظ السلام في الكونغو (MONUSCO)، تحاول الحد من تصاعد النزاع، رغم محدودية تأثيرها العسكري مقارنة بالقوات الإقليمية. كما تعمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على ممارسة ضغوط على رواندا وبوروندي لوقف دعمهما للجماعات المسلحة في شرق الكونغو، من خلال فرض عقوبات على الأفراد والكيانات المتورطة في تأجيج الصراع. إلى جانب ذلك، تقدم المنظمات الدولية مساعدات إنسانية للنازحين المتضررين من الحرب، لكن استمرار القتال يعرقل وصول هذه المساعدات إلى المناطق الأكثر تضررًا.
الاتحاد الإفريقي: محاولات للوساطة وحفظ الاستقرار
يسعى الاتحاد الإفريقي إلى لعب دور الوسيط بين بوروندي ورواندا، لكنه يواجه صعوبات في تحقيق تقدم ملموس نظرًا لتعقيد المصالح الإقليمية وتشابك الفصائل المتحاربة. على الرغم من إصدار بيانات تدعو إلى وقف إطلاق النار وإجراء حوار بين الأطراف المتنازعة، إلا أن الاتحاد لم يتمكن من فرض حلول ملموسة بسبب غياب آلية تنفيذية قوية، واعتماد بعض الدول الأعضاء على تحالفاتها الخاصة بدلًا من الالتزام بالحلول الجماعية.
مجموعة شرق إفريقيا (EAC): جهود دبلوماسية وتدخلات عسكرية
تسعى مجموعة شرق إفريقيا، التي تضم رواندا وبوروندي والكونغو، إلى إيجاد حل للصراع من خلال الوساطات السياسية والتدخلات العسكرية المحدودة. في عام 2023، تم نشر قوة إقليمية في الكونغو لمحاولة ضبط الوضع الأمني، لكن الخلافات بين الدول الأعضاء حول استراتيجية التدخل أدت إلى انسحاب بعض القوات، ما زاد من تعقيد المشهد. رغم ذلك، تستمر جهود الوساطة الإقليمية، خاصة من قبل كينيا وأوغندا، اللتين تحاولان إقناع الأطراف المتحاربة باللجوء إلى الحلول الدبلوماسية بدلًا من التصعيد العسكري.
دور القوى الكبرى: النفوذ والمصالح الاقتصادية
تلعب القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة، وفرنسا، والصين دورًا غير مباشر في النزاع، إذ تتداخل مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية مع مستقبل المنطقة. بينما تدعم الولايات المتحدة الجهود الدبلوماسية وتفرض عقوبات على بعض الأطراف، تسعى الصين إلى حماية استثماراتها في قطاع التعدين بالكونغو، مما يدفعها إلى تبني نهج أكثر حيادية في النزاع. أما فرنسا، التي تملك تاريخًا طويلًا في المنطقة، فتحاول التأثير على سياسات الدول الإفريقية المعنية من خلال دعم المبادرات الدولية لحل النزاع.
ورغم الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء الصراع، لا يزال الحل بعيد المنال بسبب تعقيدات المصالح والتوازنات الجيوسياسية. ما لم تتمكن القوى الإقليمية والدولية من فرض وقف فعّال لإطلاق النار، فإن النزاع سيستمر في تهديد استقرار منطقة البحيرات العظمى، وربما يمتد ليؤثر على الأمن الإفريقي بشكل أوسع.
السيناريوهات المستقبلية للصراع في شرق الكونغو
يمكن تصور عدة سيناريوهات لمستقبل الصراع بين بوروندي ورواندا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، تتراوح بين التصعيد العسكري والتسوية السياسية، مع انعكاسات خطيرة على الأمن الإقليمي.
تصعيد عسكري واسع النطاق
في حال استمرت التوترات دون حلول دبلوماسية، قد يتطور الصراع إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين بوروندي ورواندا داخل الأراضي الكونغولية، أو حتى امتداده إلى حدود البلدين. وإذا تصاعدت الاشتباكات بين القوات البوروندية وحركة "إم23" المدعومة من رواندا، فقد تجد كيغالي نفسها مضطرة لزيادة تدخلها العسكري المباشر، مما قد يؤدي إلى دخول دول أخرى على الخط، مثل أوغندا أو تنزانيا، إما لدعم أحد الأطراف أو لحماية مصالحها الأمنية والاقتصادية.
تدخل إقليمي أو دولي للوساطة
في ظل الضغوط الدولية المتزايدة، قد تتدخل جهات إقليمية مثل الاتحاد الإفريقي أو مجموعة شرق إفريقيا للوساطة وفرض وقف لإطلاق النار. ومن المحتمل أن تلعب القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة وفرنسا، دورًا في فرض تسوية سياسية تمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة. غير أن نجاح هذا السيناريو يعتمد على استعداد رواندا وبوروندي للقبول بتنازلات متبادلة، خصوصًا فيما يتعلق بالوجود العسكري في الكونغو والدعم المقدم للمجموعات المسلحة.
حرب بالوكالة واستمرار الفوضى
قد يستمر الصراع في شكل "حرب بالوكالة"، حيث تدعم كل من رواندا وبوروندي الفصائل المسلحة المتحالفة معها داخل الكونغو دون الدخول في مواجهة مباشرة. في هذا السيناريو، ستتواصل المعارك بين حركة "إم23" والقوات الكونغولية المدعومة من بوروندي، بينما ستعتمد رواندا على وكلائها لتعزيز نفوذها. هذا السيناريو سيزيد من تدهور الوضع الأمني والإنساني، مع استمرار تدفق الأسلحة والمقاتلين وتوسع نفوذ الجماعات الإرهابية في المنطقة.
انفراج سياسي محتمل
في حال مارست الضغوط الإقليمية والدولية تأثيرًا كافيًا، قد يتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، يتضمن انسحاب القوات الأجنبية من الكونغو، وحل بعض الميليشيات المسلحة أو دمجها في القوات الوطنية. يمكن أن يدفع هذا السيناريو إلى مفاوضات شاملة بين الحكومة الكونغولية والفصائل المسلحة، إضافة إلى إعادة ترتيب العلاقات بين بوروندي ورواندا، رغم صعوبة تحقيق ذلك على المدى القصير بسبب انعدام الثقة بين الأطراف المتنازعة.
ويتوقف المسار المستقبلي للصراع على عدة عوامل، أبرزها طبيعة المواقف الإقليمية والدولية، ومدى قدرة الدول المتورطة على ضبط تصعيدها العسكري، فضلًا عن تأثير القوى الكبرى على ديناميكيات النزاع. لكن في كل السيناريوهات، يظل خطر الفوضى وامتداد العنف إلى دول أخرى في منطقة البحيرات العظمى قائمًا، مما يجعل إيجاد حل سريع وفعال أمرًا ضروريًا لتجنب كارثة إقليمية واسعة النطاق.