الخطاب الوهابي .. ابن باز نموذجاً (قراءة تحليلية)

الإثنين 13/مايو/2024 - 09:51 ص
طباعة الخطاب الوهابي .. حسام الحداد
 
وحدة الاسلام السياسي ... بوابة الحركات الاسلامية
في مقابلة مع مجلة "تايم" الأمريكية الاول من أبريل 2018، اعتبر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أن ربط اسم المملكة العربية السعودية بالتيار الديني الوهابي هو مجرد اختلاقات يروّج لها المتطرفون والحكومة الإيرانية من أجل الإضرار ببلاده وعزلها عن محيطها الإسلامي.
وردا على السؤال إن كان هناك "خطورة" في محاولة إبعاد المملكة عن "الوهابية"، أجاب ولي العهد السعودي : "ما هي الوهابية؟ يجب أن نشرح ما هي الوهابية. لأنه لا يوجد شيء بهذا الاسم. إنها مجرد أفكار روّج لها المتطرفون بعد عام 1979 فقط من أجل جعل السعوديين جزءا من شيء لا ينتمون إليه".
وأضاف: "أريد أن يشرح لي أحد ما هي تعاليم الوهابية. إذ لا يوجد شيء بهذا الاسم. في السعودية لدينا طائفتان، السنية والشيعية. وتوجد أربعة مذاهب سنية، والكثير من المذاهب الشيعية، يعيشون كلهم بشكل طبيعي في المملكة العربية السعودية. يعيشون باعتبارهم سعوديين. قوانيننا مستمدة من القرآن وسنة النبي. ولا تقتصر القوانين على طائفة معينة أو مذهب فكري".
وأوضح محمد بن سلمان قائلا: "يوجد عضو شيعي في مجلس الوزراء في السعودية، وكذلك أعضاء في البرلمان أيضا من الشيعة. كما أن الرئيس التنفيذي لشركة "أرامكو" الكبرى شيعي أيضا. ومن يترأس أهم جامعة في الشرق الأوسط، وهي جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا، التي تتواجد غرب المملكة العربية السعودية، شيعي أيضا. أي أننا لا نميز بين السعوديين على أساس طائفي. نعيش في المملكة كسعوديين".
وبالعودة إلى مسألة "الوهابية" قال محمد بن سلمان: "إذا فإن فكرة الوهابية، يتم الترويج لها من قبل طرفين: المتطرفون الساعون لاختطاف السعودية بفكرة أنهم لا يفضلون التجديد ويريدون العودة إلى القديم. (..) هذا الطرف الأول، والثاني هو النظام الإيراني الساعي لعزلنا عن العالم الإسلامي كله من خلال الادعاء بأننا ننتمي إلى طائفة مغايرة في المملكة السعودية".
وأضاف ولي العهد : "إن نظرت إلى مجلس هيئة كبار العلماء الذي يشبه مجلس الفتوى تجد أنه مؤلف من أشخاص قريبين إلى المذهب الحنفي وآخرين إلى المذهب الشافعي أو المالكي. فنحن نشجع هذا المزيج من المذاهب المختلفة في المملكة العربية السعودية".

منذ سبعينيات القرن الماضي تقريبا، والخطاب الوهابي يسيطر على الفكر الديني ليس في مصر وحدها بل في معظم البلاد التي تنتمي للإسلام ، هذا الخطاب المنسوب للإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي، وان اختلف هذا الخطاب من دولة الى دولة ومن جماعة الى اخرى فالمرجعية الفكرية التي يستمد منها هذا الخطاب امكاناته للتعايش والانتشار هي مرجعية وهابية في المقام الاول، واذا تتبعنا هذا الخطاب من حيث مرجعياته التراثية سوف نجده يضرب بجذوره في القرن الثالث الهجري عند الإمام أحمد بن حنبل ومن بعده ابن تيمية، حيث يختزل هذا الخطاب "الإسلام" في رأي ثلاثة من علماء الفقه بداية من ابن حنبل ثم ابن تيمية ثم محمد بن عبد الوهاب، دون الالتفات الى ما انتجه الفقه الاسلامي من علماء ومذاهب على امتداد تاريخه وأراضيه فلم ينظر الى فقهاء المغرب العربي بداية من فتح الأندلس حتى الآن كذلك لا ينظر للفقهاء المصريين بداية من الليث بن سعد في القرن الثاني الهجري وحتى الآن، بل تركز الفكر الإسلامي حول الوهابية ليس لشيء أكثر من أن الراعي الرسمي لهذا الخطاب هي المملكة العربية السعودية والتي تزيد الإنفاق بما لديها من موارد بترولية على هذا الخطاب.
وسوف نتعرف في هذه الورقة البحثية عن موقف الخطاب الوهابي من اهم القضايا التي تشغل بال السياسيين وكيف لهذا الخطاب ان يؤصل للعنف والاقصاء والتطرف فحينما نقول الخطاب الوهابي.. إنما نعني به حزمة من المفاهيم والأدوات المستخدمة في النظر إلى النص الديني وإلى الواقع يعبر عنها بخطاب لغوي أو بسلوكيات وردود أفعال وتعامل وطريقة في الحياة، تلك مجموعة من الأدوات والمفاهيم والإجراءات ينسبها أصحابها إلى "السلف"، بينما ننسبها إلى الوهابية، حيث إن مصطلح "السلف" لا يخلو من أشكال مهمة، لأن لكل طائفة من المسلمين "سلفا" تنتمي إليه، وترى أنه "سلفها الصالح"، ولكل طائفة رجالها وعلماؤها ومحدثوها ومروياتها ومنهجها في القبول والرد، وكل يزعم أنه على الحق، وأنه منتسب للصحابة الكرام، فهم "أسلاف" إذن وليسوا سلفًا واحدًا.
وفي حالتنا نأخذ الشيخ محمد بن باز مفتي المملكة العربية السعودية السابق حالة دراسة لنقد هذا الخطاب الذي اعيا الاسلام وانتج جماعات اقل ما توصف به انها إرهابية اعتمادا على هذا الفكر الوهابي الذي يتخذ من التكفير والإرهاب سلاحا يشهره ضد المخالفين له.
وتحاول هذه الورقة البحثية في نهاية الأمر تناول تلك المرتكزات التي يقوم عليها الخطاب الوهابي ومن بينها عقيدة الولاء والبراء، وموقف الخطاب الوهابي من الأخر مقارنة بحقوق المواطنة وفقه الواقع، ثم موقف هذا الخطاب من المرأة، وكيف ان هذا الخطاب يعد في المقام الأول خطابا يؤسس لدونية المرأة وقهرها، وأثر ذلك على نمو المجتمعات وتطورها، ثم موقف هذا الخطاب من نظم الحكم، والديموقراطية والعلمانية، واثر ذلك على المجتمع سياسيا واجتماعيا.

الولاء والبراء:

إن عقيدة الولاء والبراء من أخطر أبواب المعتقد ، لأنّها أحد أبواب التكفير التي ولج منها الخوارج قديمًا ومن سار على طريقتهم ممن جاء بعدهم لتكفير المجتمعات وتدمير الممتلكات بشبهٍ واهيةٍ كعش العنكبوت فهذه المسألة من أدقّ المسائل وأخطرها ولا سيما عند الشباب ، لأن بعض الشباب يظن أنّ أي شيء يكون فيه اتصال مع الكفار فهو موالاة لهم ؛ حسب ما تعلموه من الخطاب الوهابي.
الولاء لغة: المحبة، والنصرة، والاتباع، والقرب من الشيء، والدنو منه، أو اتخاذ مولى. 
البراء لغة : البعد، والتنزه، والتخلص، والعداوة.
وشرعاً: الولاء يعني النصرة والمحبة والإكرام والاحترام لأهل الإيمان والعقيدة، والبراء، هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار لأهل الكفر والشرك والمشركين.
واعتبر الكثير من أهل العلم أن الولاء والبراء شرط في الإيمان، استناداً إلى قول الله تعالى: ترى كثيرًا مّنهم يتولّون الّذين كفروا لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم أن سخط اللّه عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنّبيّ وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولـكنّ كثيرًا مّنهم فاسقون.( )
 وفي حالتنا يعرِّف الشيخ ابن باز( ) الولاء والبراء بأنه: محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين ومعاداتهم، والبراءة منهم ومن دينهم، هذا هو الولاء والبراء كما قال الله سبحانه في سورة «الممتحنة»: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ( ) 
ويستطرد الشيخ في الاستناد للآية القرآنية "قد يتصور البعض أن مجرد إقامتهم للصلوات وذهابهم للحج والعمرة كافٍ في بقائهم على عقيدة الإسلام، ولو ظاهروا أعداء الله على المسلمين، وهو خطأ محض، يقول عنه أبو الوفاء بن عقيل، الفقيه الحنبلي: «إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي، والمعري - عليهما لعائن الله - ينظمان وينثران كفراً، وعاشا سنين، وعُظم قبراهما، واشتُريت تصانيفهما، وهذا يدل على برودة الدين في القلب." ( )  فدخول الانسان في الاسلام والخروج منه حسب الشيخ ابن باز مرهون بمدى قربه او بعده كما يقول من "أعداء الشريعة" الذين هم من وجهة نظره أصحاب الديانات الأخرى ليس هذا فقط بل يدخل معهم في مواضع كثيرة سوف يذكرها الباحث حينها أصحاب المذاهب الأخرى.
ويكمل الشيخ ابن باز في نفس السياق فيقول "موالاة الكافرين لها صور وأقسام، أهمها: الرضا بكفر الكافرين، وعدم تكفيرهم، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الكافرة، والإيمان ببعض ما هم عليه من الكفر، أو التحاكم إليهم دون كتاب الله تعالى، ومودّتهم، ومحبّتهم، واتخاذهم أولياء، والركون إليهم، ومداهنتهم، ومجاملتهم على حساب الدين، واتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، وطاعتهم فيما يأمرون فيما فيه معصية لله ورسوله، ومعاونتهم على ظلمهم ونصرتهم على المسلمين، والتآمر معهم، وتنفيذ مخططاتهم والتجسس لمصلحتهم والقتال في صفوفهم." ( ) وهنا لا يعترف الشيخ بن باز بالروابط الاجتماعية او الاقتصادية والسياسية التي تربط بين ابناء البلد الوطن الواحد على اختلاف عقائدهم فينقسم العالم بل الوطن عنده الى دارين، دار الاسلام وهم الذين ينتمون لمذهبه وعقيدته، ودار حرب وبها من هم لا ينتمون الى هذا المذهب سواء كانوا مسلمين او اصحاب ديانات أخرى، وبناء عليه تنتفي فكرة المواطنة لدى الشيخ بن باز وخطابه الوهابي.  
  ويؤكد الشيخ بن باز على تلك الفكرة في مواضع كثيرة من كتاباته حيث يقول في موضع آخر: «أما الكفار الحربيون فلا تجوز مساعدتهم بشيء، بل مساعدتهم على المسلمين من نواقض الإسلام لقول الله عز وجل: { وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ }»( ) 
وحسب الشيخ بن باز في تحديد المؤمن والكافر فكل من هو متمسك بمذهب الشيخ ابن باز هو مؤمن ومن خارج هذا المذهب هو مشرك او كافر حتى لو ادى الفروض! حج وصام وصلى، فالتعامل مع المسيحي ولو كان جارك في السكن او زميلك في العمل هو موالاة للكفار وشرك بالله. 
وهنا لم يخرج الشيخ بن باز عن مرجعه وامامه وشيخه محمد بن عبد الوهاب صاحب الوهابية والذي يقول: "أصـل دين الإسلام وقاعدته : أمران ؛ الأول : الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له ، والتحريض على ذلك ، والموالاة فيه ، وتكفير من تركه. الثاني : الإنذار عن الشرك في عبادة الله ، والتغليظ في ذلك ، والمعاداة فيه ، وتكفير من فعله"( )
وكانت من اهم نتائج هذا الخطاب الوهابي ظهور جماعات كثيرة تعتنق هذا الفكر وقامت بترهيب الأمنين من المسلمين وغيرهم نذكر من بين هذه الجماعات على سبيل المثال:
الولاء والبراء عند السلفية الجهادية:
حيث يعتبر مبدأ الولاء والبراء أحد أبرز المرتكزات الأدبية لتنظيم الجهاد "إحدى الجماعات المسلحة التي ظهرت في ثمانينات القرن الماضي"، وتتخذ من الجهاد منهجاً للتغيير، وتزعم اتباعها منهج سلف المسلمين، الذي يعتبر الجهاد أحد أركانه، وأن الجهاد الذي يجب وجوباً عينياً على المسلمين يتم تطبيقه ضد العدو المحتل وضد النظام الحاكم المبدل للشريعة الإسلامية، ويحكم بالقوانين الوضعية أو النظام المبالغ في الظلم والقهر.
ويقوم تنظيم الجهاد على مبدأين أساسيين هما "الحاكمية" و"الولاء والبراء"، والذي من خلالهما حمل تنظيم الجهاد السلاح ضد كل من الحكومات القائمة في بلاد العالم الإسلامي أو ضد الأعداء الخارجيين.
وحسب عقيدة الولاء والبراء تفرعت تلك المبادئ الحاكمة لسلوكيات ومواقف هذه الجماعة والتي من بينها:

مبدأ الحاكمية

يعتبر المبدأ الأول الذي يمثل جوهر السلفية الجهادية هو مبدأ الحاكمية لله ويعني أن تكون مرجعية التشريع الوحيدة في الدستور والقوانين هي الشريعة الإسلامية، بما تحمله من مصادر أصلية وفرعية، وتعني أن الحكم والتشريع هو حق خالص للخالق، فأي إضافة مساوية أو إباحة للأخذ من مرجعية أخرى بجانب الشريعة الإسلامية فهو شرك وكفر بالله الخالق.

الولاء والبراء
ويأتي المبدأ الثاني، من أدبيات السلفية الجهادية، مبدأ الولاء والبراء، ويعني أن تكون الدولة قائمة على أساس إسلامي ديني وليس شعوبي قومي، ولاؤها للإسلام والمسلمين ومعادية للشرك والمشركين دولة تتبنى الإسلام في سياستها الداخلية ليصبح المسلمون في موضع عزة وتحكم في مفاصل الدولة المهمة، وفي السياسة الخارجية هدفها إعلاء كلمة الله وإقامة دولة إسلامية عالمية قوية، دولة معادية للأنظمة المحاربة والغير شرعية (والنظام الشرعي من وجهة النظر الفقهية السلفية إما أن تكون الدولة: إسلامية تحكم بالشريعة أو ذمية تدفع الجزية أو معاهدة).

جهاد الأنظمة: 
ويأتي المبدأ الثالث من أدبيات السلفية الجهادية، وهو مبدأ الجهاد ضد الأنظمة الغير شرعية خاصة الأنظمة الحاكمة في الدول الإسلامية، والجهاد ضد الدول المحتلة والدول الداعمة للاحتلال والأنظمة العميلة.
من كل ذلك يبدو أن عقيدة الولاء والبراء مبدا أساسي من أدبيات السلفية الجهادية، التي اعتمدت عليها في جهاد الأنظمة وحمل السلاح ضدهم.

جماعة التكفير والهجرة: 
لعبت عقيدة الولاء والبراء دورًا بارزاً في تشكيل جماعة التكفير والهجرة أو جماعة المسلمين كما سمت نفسها أو جماعة التكفير والهجرة كما أطلق عليها إعلامياً، وهي جماعة إسلامية، نهجت نهج الخوارج في التكفير بالمعصية، نشأت داخل السجون المصرية ستينيات القرن الماضي، في بادئ الأمر وبعد إطلاق سراح أفرادها تبلورت أفكارها وكثر أتباعها في صعيد مصر وبين طلبة الجامعات خاصة.
وتنتهج الجماعة مبدأ التكفير لكل من ارتكب كبيرة وأصر عليها، كما تكفر الحكام بإطلاق ودون تفصيل، لأنهم لا يحكمون بشرع الله، وتكفر المحكومين لرضاهم بهم بدون تفصيل وتكفر العلماء لعدم تكفيرهم أولئك الحكام.
وفيما له صلة بالهجرة، ويقصد بها اعتزال المجتمع الجاهلي عزلة مكانية وعزلة شعورية وتتمثل في اعتزال معابد الجاهلية - يقصد بها المساجد - ووجوب التوقف والتبين بالنسبة لآحاد المسلمين، بالإضافة إلى إشاعة مفهوم الحد الأدنى من الإسلام.

المرأة والخطاب الوهابي:

وبعد ان قدم الباحث عقيدة الولاء والبراء والتي يستند إليها هذا الخطاب لتكفير الآخر والبراءة منه، وبالتالي استحلال ماله ودمه وعرضه، وكذا موقف هذا الخطاب من الحكام بعدم الخروج عليهم والسمع والطاعة لهم، مما يؤدي هذا الموقف إلى استكانة الشعوب وصبرها على القهر والاستبداد ومعاداة فكرة الثورة، سوف نعرض في هذا الجزء من قراءة الخطاب الوهابي موقف هذا الخطاب من المرأة، حيث أنه من أكثر الخطابات الدينية تشددًا تجاه المرأة هو الخطاب الوهابي، فقد اتخذ موقفًا أكثر تشددًا من الخطاب السلفي بداية من أحمد بن حنبل وصولًا لابن تيمية، فقد تجاوز محمد بن عبد الوهاب بحكم بيئته النجدية المتشددة في عاداتها وتقاليدها تجاه المرأة فقد أصبغ الدين بعادات نجد وتقاليدها، مما جعله أكثر تشددًا من غيره في هذه القضية، ثم جاء ابن باز وأكمل مشوار شيخه في التشدد تجاه المرأة، وقد رفعوا من شأن المرويات التي تؤسس لدونية المرأة، مثل: المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان، ناقصات عقل ودين، يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار، ما أفلح قوم ولوا شئونهم امرأة،.. إلى آخر، تلك المرويات التي تتعارض بشكل صارخ مع "القرآن" الذي كرم في آياته المرأة ورفع من شأنها، فقد حول الخطاب الوهابي "القرآن" من نص أساسي ومحوري يدور حوله الفقه والأحكام إلى نص ثانوي واستبدلوا به تلك المرويات ظنية الدلالة والثبوت، والتي تساعدهم على التوظيف الايديولوجي والسياسي في صراعهم مع المختلفين معهم، ليس هذا فقط بل اصبح الفقه على يد هؤلاء في صدارة المشهد وتم تقديس آراء العلماء واشخاصهم وان تعارض ما يقولونه مع "القرآن".
وللشيخ ابن باز في موضوع المرأة فتاوى كثيرة تتماهى مع ما قدمناه، ومن بين تلك الفتاوى والآراء تحريمه لاختلاط البنين والبنات في مدارس المرحلة الابتدائية حيث يقول: "وبكل حال فاختلاط البنين والبنات في المراحل الابتدائية منكر لا يجوز فعله لما يترتب عليه من أنواع الشرور. وقد جاءت الشريعة الكاملة بوجوب سد الذرائع المفضية إلى الشرك والمعاصي وقد دل على ذلك دلائل كثيرة من الآيات والأحاديث، وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه "إعلام الموقعين" منها تسعة وتسعين دليلا" ويستطرد ابن باز"، فمن واجب النصح والتذكير أن أنبه على أمر لا ينبغي السكوت عليه بل يجب الحذر منه والابتعاد عنه وهو الاختلاط الحاصل من بعض الجهلة في بعض الأماكن والقرى مع غير المحارم لا يرون بذلك بأسا بحجة أن هذا عادة آبائهم وأجدادهم وأن نياتهم طيبة فتجد المرأة مثلا تجلس مع أخي زوجها أو زوج أختها أو مع أبناء عمها ونحوهم من الأقارب بدون تحجب وبدون مبالاة. "( )
ويستكمل الشيخ بن باز "من المعلوم أن احتجاب المرأة المسلمة عن الرجال الأجانب وتغطية وجهها أمر واجب دل على وجوبه الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح.. أن رأس المرأة وشعرها وعنقها ونحرها ووجهها مما يجب عليها ستره عن كل من ليس بمحرم لها وأن كشفه لغير المحارم حرام.. وإذا تأملنا السفور وكشف المرأة وجهها للرجال الأجانب وجدناه يشتمل على مفاسد كثيرة منها الفتنة التي تحصل بمظهر وجهها وهي من كبر دواعي الشر والفساد ومنها زوال الحياء عن المرأة وافتتان الرجال بها. فبهذا يتبين أنه يحرم على المرأة أن تكشف وجهها بحضور الرجال الأجانب ويحرم عليها كشف صدرها أو نحرها أو ذراعيها أو ساقيها ونحو ذلك من جسمها بحضور الرجال الأجانب، وكذا يحرم عليها الخلوة بغير محارمها من الرجال، وكذا الاختلاط بغير المحارم من غير تستر، فإن المرأة إذا رأت نفسها مساوية للرجل في كشف الوجه والتجول سافرة لم يحصل منها حياء ولا خجل من مزاحمة الرجال، وفي ذلك فتنة كبيرة وفساد عظيم." ( )
وهكذا يقرر ابن باز حبس المرأة داخل بيتها أو داخل حجابها فلا يجوز لها الظهور ولا المناقشة ولا الاختلاط ولا التعامل الا مع زوجها والذي يعتبرها شيطان حينما تقبل أو تدبر وناقصة عقل ودين وانها كالحمار والكلب وانه لا يجوز مشورتها ولا الأخذ برأيها في أمر من الأمور، فكيف رغم كل هذا يأمن لها ان تربي أبناءه وان ترعى شئون بيتها؟ انها ازدواجية الفكر الوهابي في التعامل مع المرأة انه يحافظ عليها في المنزل لا لشيء سوى اللذة الجنسية ويحيك كل الخطط ويؤول النصوص من اجل هذا فعقد النكاح كما في كتبهم هو "عقد امتلاك بضع" !! وتناسى هذا الخطاب تماما الآيات التي تقول "هن لباس لكم وانتم لباس لهن"( ) وغيرها من الآيات. وينطلق ابن باز من رفضه الاختلاط وفرضه حبس المرأة في البيت أو في الحجاب واستكمالا لقهرها والتسيّد والاستبداد عليها إلى رفض عمل المرأة وتحريمه لأنه يؤدي إلى الاختلاط فيقول: " فإن الدعوة إلى نزول المرأة للعمل في ميدان الرجال المؤدي إلى الاختلاط سواء كان ذلك على جهة التصريح أو التلويح بحجة أن ذلك من مقتضيات العصر ومتطلبات الحضارة أمر خطير جدا له تبعاته الخطيرة، وثمراته المرة، وعواقبه الوخيمة، رغم مصادمته للنصوص الشرعية التي تأمر المرأة بالقرار في بيتها والقيام بالأعمال التي تخصها في بيتها ونحوه.. وإخراج المرأة من بيتها الذي هو مملكتها ومنطلقها الحيوي في هذه الحياة إخراج لها عما تقتضيه فطرتها وطبيعتها التي جبلها الله عليها." ( )
ويستطرد الشيخ بن باز: "فالدعوة إلى نزول المرأة في الميادين التي تخص الرجال أمر خطير على المجتمع الإسلامي، ومن أعظم آثاره الاختلاط الذي يعتبر من أعظم وسائل الزنا الذي يفتك بالمجتمع ويهدم قيمه وأخلاقه.. والاختلاط كفيل بالوقوع في هذه المحاذير، كيف يحصل للمرأة المسلمة أن تغض بصرها وهي تسير مع الرجل الأجنبي جنباً إلى جنب بحجة أنها تشاركه في الأعمال أو تساويه في جميع ما تقوم به؟"( )
ويستكمل الشيخ بن باز مؤولا الآيات القرآنية حتى تتماشى مع ما يريده قائلا: "الإسلام حرم جميع الوسائل والذرائع الموصلة إلى الأمور المحرمة، وكذلك حرم الإسلام على النساء خضوعهن بالقول للرجال لكونه يفضي إلى الطمع فيهن كما في قوله عز وجل: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ( ) ويقوم الشيخ بن باز بتأويل هذه الآية قائلا: " يعني مرض الشهوة. فكيف يمكن التحفظ من ذلك مع الاختلاط؟
ويقول مكملا: "من البديهي أنها إذا نزلت إلى ميدان الرجال لا بد أن تكلمهم وأن يكلموها، ولا بد أن ترقق لهم الكلام وأن يرققوا لها الكلام، والشيطان من وراء ذلك يزين ويحسن ويدعو إلى الفاحشة حتى يقعوا فريسة له، والله حكيم عليم حيث أمر المرأة بالحجاب، وما ذاك إلا لأن الناس فيهم البر والفاجر والطاهر والعاهر فالحجاب يمنع- بإذن الله- من الفتنة ويحجز دواعيها، وتحصل به طهارة قلوب الرجال والنساء، والبعد عن مظان التهمة"( )
كل هذا وغيره الكثير من فتاوى ورؤى وخطابات ورسائل أقل ما توصف به انها دعوة للحرب على المرأة والعداء لها وكأن هذه المرأة لم تكن راوية حديث نتعلم منها نصف ديننا كالسيدة عائشة وان هذه المرأة لم تكن السيدة خديجة بنت خويلد والتي أنفقت مالها ووقتها في الحفاظ على الدعوة الإسلامية والصد عنها وكأن هذه المرأة لم تكن تلك التي دافعت عن الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد ونورد هنا قصة تلك المرأة المجاهدة لعل المدافعين عن هذا الخطاب الوهابي والملتزمين به يعلمون ان المرأة مساوية للرجل وان لها نفس الحقوق وعليها نفس الواجبات.
هي أم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول، شهدت ليلة العقبة، وشهدت أُحداً، والحديبية، ويوم حُنين، ويوم اليمامة، وجاهدت وفعلت الأفاعيل ..
روى لها أحاديث.. وهي أول مقاتلة في تاريخ الإسلام.. وقُطعت يدها في الجهاد ..
هي الزوجة الوفية التي تعرف حق زوجها.. هي الأم الرحيمة الرؤوم .. هي القائمة الذاكرة لله جل وعلا.. هي التي تدافع وتنافح عن النبي صلى الله عليه وسلم ..
شهدت أم عمارة عدة مشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع الخلفاء الراشدين من بعده.. شهدت أُحد والحديبية وخيبر وعمرة القضية والفتح وحُنين .. وكانت ممن شارك في حرب المرتدين في يوم اليمامة. ( )
فأين ابن باز وخطابه الوهابي المتشدد المعادي للمرأة من سيدة كهذه سطر اسمها في التاريخ لأنها امرأة علمت ما عليها وقامت به، الم تكن تلك السيدة من سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، فلماذا لا يذكرها الخطاب الوهابي ويمتثل بها؟
وردا على هذا الخطاب الوهابي المعادي للمرأة لنتعرف الآن على واقع المرأة المسلمة في العمل:
للمرأة خصائص اجتماعية وبيولوجية، تؤهلها للقيام ببعض الوظائف، والتخصّص في بعض المجالات، التي تنتج بها وتؤدي فيها دوراً فعالاً؛ لذلك فإن عمالة المرأة تعتبر مهمة جداً لتحسين الإنتاج، وتسريع وتائر النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، كما أنه يزج في المجتمع طاقات كبيرة من الأيدي غير المنتجة.. ومع ذلك فإن نسبة قوة العمل النسائية من مجموع الإناث في البلدان العربية لا تزال ضعيفة، ولم تدخل المرأة بعدُ في مجال العمل الذي يلائم خصائصها وطاقاتها، وهذا التناسب بين الطاقات والخصائص من جهة، ونوع العمل من جهة أخرى ضروري جداً؛ إذ إن المطالبة بحق العمل دون النظر إلى إمكانياتها وأوضاعها الخاصة، مطالبة في غير محلها، وهذا لا يقف أبداً عائقاً في مساهمتها، فالطبيب لا يستطيع أن يقوم بعمل القاضي والعكس صحيح، فالتخصص وارد في جميع مجالات الحياة، إلا أن هذا التخصص يتطلب وضع سياسات حكيمة ومخططة، لدراسة واقع المرأة في العمل، وتطلعاتها ومجالات شيوعها أكثر ما يمكن.
وتتجلى أهمية مساهمة المرأة في البناء الاقتصادي والاجتماعي لتحقيق التنمية في:
(1) ازدياد الدخل الوطني؛ وبالتالي زيادة تراكم رأس المال الضروري لإنجاح برامج التنمية.
(2) التقليل إلى حد كبير من نسبة السكان الذين يعيشون كمستهلكين فقط، أي عالة على المنتجين، وبذلك تزداد نسبة رأس المال الموجه إلى البناء، على حساب رأس المال المستهلك من الدخل القومي.
(3) رفع إنتاجية العمل الاجتماعي؛ وهو الركن الأساسي لتحقيق التنمية.

إدماج الطاقة النسائية:

وقد تنبهت إلى هذه الحقيقة جميع البلدان المتقدمة، وراحت تزج بالنساء في العمل، كما إن الدول النامية تسعى إلى زج الطاقة النسائية في العمل المنتج، ولكن يجب أن تدرك أن هذا الأمر يستلزم بيانات إحصائية دقيقة، للتعرف على الطاقات البشرية المتوفرة، لاستخدامها استخداماً صحيحاً وبصورة عقلانية، دون إحداث خلل أو عدم توازن في تركيب المجتمع؛ إذ لا نستطيع نقل المرأة من المنزل إلى العمل دون التخطيط لذلك من عدة جهات:
(‌أ) تهيئة المرأة المسلمة علمياً: وذلك عبر فك العزلة عن عوالم الجهل التي تعيش فيها المرأة، والمراهنة على إيجاد أفضل الصيغ الملائمة لتحقيق مستوى من التعلم، يربطها بتعاقد تواصلي إيجابي مع كافة شرائح المجتمع. إن التجارب والدروس تؤكد أن مجال تربية وتعليم المرأة هو المجال الاستثماري الأول في المشروع التنموي الشامل .
(‌ب) تهيئة المرأة عملياً وإعلامياً: فالعمل قبل كل شيء مسؤولية، فيجب على المرأة أن تعرف واجباتها وحقوقها الدينية، وتحرر المرأة من تبعيتها لكل ما هو تابع للموروث الثقافي الشعبي، و أيضاً لظواهر مدنية حديثة زائفة (السلوك الاستهلاكي غير الواعي، التقليد في اللباس والعادات.. الخ)، ويخلق (العمل) منها شخصية متكاملة منتجة متميزة، قادرة على تحدي مشاكل الحياة، مع الحفاظ على كرامتها وزيادة تمسكها بالعائلة والمنزل والأولاد، لاسيما وأنها تشعر أنها تشارك في عملية البناء هذه.
ومن العوامل التي تعيق مساهمة المرأة في الأنشطة الاقتصادية المختلفة البيئة المحافظة والأعراف التي تحيط بالمرأة حيث تجعلها أقل إقداماً على العمل في مجتمعنا، الذي لا تتوفر فيه الشروط الكافية، التي تخفف عن المرأة بعض الواجبات البيتية، مثل مراكز رعاية الأطفال، ودور الحضانة والخدمات المنزلية.
لهذه الأسباب نرى أن مساهمة المرأة تتأثر بعاملين رئيسين من جملة العوامل الأخرى، وهما الحالة الزوجية والحالة التعليمية.
إن تعلم المرأة يدفعها إلى ميدان العمل؛ فكلما ارتفعت درجة تعليمها، أدى ذلك إلى جعلها عنصراً فعالاً في المجتمع، نتيجة لزيادة وعيها.
لقد أثبتت دراسة اجتماعية ميدانية، أن نزول المرأة إلى معترك العمل، والمساهمة بالنشاط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعام، قد حقق مكسباً كبيراً في تكوين اتجاهات جديدة في تحرير نصف المجتمع من الجمود، ودفعه في طريق الإنتاج والمشاركة، لكن مجموعة كبيرة من المشكلات أخذت تدخل إلى معظم البيوت، من خلال إرهاق المرأة بعملين معاً، ولعدم توفر الخدمات التي تعتق المرأة من بعض مسؤولياتها من جهة، ولعدم قبول الأزواج بمساعدة زوجاتهن من جهة أخرى، إذ لم تتولد بعدُ قناعة لدى الجميع بأن الحياة أساسها المشاركة.

الخطاب الوهابي و"الآخَر":

سوف يتناول الباحث في هذا الجزء من الورقة البحثية موقف الخطاب الوهابي من الآخر خصوصا مع تنوع هذا الآخر في الخطاب الوهابي المعاصر وموقفه منه بين الرفض والقبول، فنجد ان هذا الخطاب ليس لديه آليات أو استعدادات لقبول هذا الآخر المختلف معه حتى في الإطار المذهبي ولو كان يدين بدين الإسلام فما بالنا بالآخر الديني والذي يتبع ديانة غير الإسلام.
وسوف نعرض في هذا المقام موقف الخطاب الوهابي من الآخر المسيحي والآخر الصوفي والآخر الشيعي.
أولًا الآخر المسيحي:
يرفض ابن باز الأخوة الوطنية بين المسلم والمسيحي حيث انه يعتبر المسيحي كافر بما انزل الله وبالتالي هو عدو حتى لو كان من نفس الوطن فيقول في رده على خبر صحفي نشر في صحيفة عكاظ العدد 3031 وفي جريدة أخبار العالم الاسلامي العدد 395 وكان الخبر يتعلق بإقامة صلاة الجمعة في مسجد قرطبة، وذكرت فيه أن الاحتفال بذلك يعد تأكيدا لعلاقات الأخوة والمحبة بين أبناء الديانتين الإسلامية والمسيحية، وكان التعليق على الخبر "ولا شك أن هذا العمل يعتبر تأكيدا لسماحة الإسلام وأن الدين واحد" وكان رد الشيخ ابن باز" ونظرا إلى ما في هذا الكلام من مصادمة الأدلة الشرعية الدالة على أنه لا أخوة ولا محبة بين المسلمين والكافرين، وإنما ذلك بين المسلمين أنفسهم، وأنه لا اتحاد بين الدينين الإسلامي والنصراني، لأن الدين الإسلامي هو الحق الذي يجب على جميع أهل الأرض المكلفين إتباعه، أما النصرانية فكفر وضلال بنص القرآن الكريم والحديث الشريف وما جاء في معنى ذلك من الآيات والأحاديث ما يدل دلالة ظاهرة على أن الأخوة والمحبة إنما تكون بين المؤمنين أنفسهم.
أما الكفار فيجب بغضهم في الله ومعاداتهم فيه سبحانه، وتحرم موالاتهم وتوليهم حتى يؤمنوا بالله وحده ويدعوا ما هم عليه من الكفر والضلال.
كما دلت الآيات على أن الدين الحق هو دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وسائر المرسلين، وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء ديننا واحد) رواه البخاري في صحيحه، أما ما سواه من الأديان الأخرى سواء كانت يهودية أو نصرانية أو غيرهما فكلها باطلة، وما فيها من حق فقد جاءت شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم به أو ما هو أكمل منه، لأنها شريعة كاملة عامة لجميع أهل الأرض، أما ما سواها فشرائع خاصة نسخت بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي أكمل الشرائع وأعمها وأنفعها للعباد في المعاش والمعاد." ( )
ومن خلال هذا الرأي وحسب ابن باز فلا يجوز التعامل مع هؤلاء بمودة وموالاة او مشاركتهم اعيادهم حيث يقول في هذا الخصوص في مجموع الفتاوى الجزء السادس "لا يجوز للمسلم ولا المسلمة مشاركة النصارى أو اليهود أو غيرهم من الكفرة في أعيادهم بل يجب ترك ذلك؛ لأن من تشبه بقوم فهو منهم، والرسول عليه الصلاة والسلام حذرنا من مشابهتهم والتخلق بأخلاقهم. 
فعلى المؤمن وعلى المؤمنة الحذر من ذلك، ولا تجوز لهما المساعدة في ذلك بأي شيء، لأنها أعياد مخالفة للشرع،  فلا يجوز الاشتراك فيها ولا التعاون مع أهلها ولا مساعدتهم بأي شيء لا بالشاي ولا بالقهوة ولا بغير ذلك كالأواني وغيرها." ( )
وتلك الفتاوى التي نجدها منتشرة على ألسنة الدعوة السلفية وحزب النور في معاداتهم للأخوة القباط شركاء الوطن، فيخرج علينا قياداتهم وكبار مشايخهم في كل مناسبة يحرمون علينا مشاركاتهم مما اوجد هوة اجتماعية ومزق اللحمة الوطنية التي كانت بين ابناء الشعب الواحد فرأينا كنائسهم تحرق ويتم الاعتداء عليهم تحت دعوى ان موالاتهم كفر، فكم عانى الشعب المصري ومازال يعاني من هذه الفتاوى التي تستند على مرجعيات متعصبة ولا تؤمن أصلا بالوطنية، تلك الفتاوى هي نفسها التي يستغلها تنظيم الدولة في العراق والشام "داعش" لذبح المسيحيين والإيزيدين وغيرهم، وتدعي المملكة السعودية والذي يمثلها هذا الفكر انها تحارب الارهاب، اي ارهاب بعد هذه الفتاوى التي يتم التصديق عليها من قبل الدولة السعودية صراحة او من قبل الازهر ولو ضمنيا.
ففي مصر على سبيل المثال، مطلع كل عام تخرج علينا الدعوة السلفية بفتاوى تحريم تهنئة الأقباط بأعيادهم، ليس هذا فقط بل يُحَرِّمون على المصريين الاحتفال بأية مناسبة إلا بعيد الفطر وعيد الأضحى، وفي رد بليغ من الرئيس عبد الفتاح السيسي على هذه الدعوات وللعام الثاني على التوالي، زار مساء الأربعاء 6 يناير 2016، الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، لحضور قداس عيد الميلاد المجيد، فيما أكدت مصادر كنسية أن الزيارة كانت «متوقعة». وكأنه لا وجود لهذا الفصيل السلفي، غير مكترث لتلك الفتاوى الطائفية.
وأتت هذه الزيارة من الرئيس المصري، رغم اتفاق الدعوة السلفية، والجبهة السلفية المؤيدة لجماعة الإخوان الإرهابية، في وقت سابق على تحريم تهنئة الأقباط في أعياد ميلادهم، بعدما زعمتا أن تهنئة الأقباط حرام وأشر من شرب الخمر. 
وأفتى ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية، أن التهنئة بالأعياد المرتبطة بالعقيدة أشر من شرب الخمر وفعل الفواحش- على حد قوله- وقال في فتوى له في أحد الدروس الدعوية: "التهنئة بالأعياد المرتبطة بالعقيدة أشر من شرب الخبر وفعل المنكرات، والملتحون الذين يهنئون الأقباط ليسوا منا، فليس كل ملتحٍ يُحمل على الدعوة السلفية". وتابع نائب رئيس الدعوة السلفية: "موقف الدعوة السلفية في غاية البيان والوضوح فنحن لا نهنئ الأقباط، وبشكل علني قلنا ذلك في وسائل الإعلام، ورددنا على من يقولون: إن هذا من البر، فهذا كذب لأنه ليس من البر في شيء، ولكن من الموالاة لهم". مستشهدا بالآية الكريمة: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض}( ) . واستطرد برهامي: "يقولون إنها من باب المجاملة، فالمجاملة لا تكون على حساب الدين، مشيرًا إلى أن المسيح رجل معظم عندنا، نحبه عليه السلام، وهذا نبي من أنبياء الله، لكن الاحتفال بمولده بدعة.
وقد استنكر سامح عبدالحميد، القيادي بالدعوة السلفية، زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، لحضور قداس عيد الميلاد، وتهنئة المسيحيين، معتبرًا زيارته تغذية للإرهاب والتكفير، خاصة أنه سيتم استغلالها ضد الإسلام، واصفًا في نفس الوقت ذلك بـ"المصيبة".
وأضاف عبدالحميد في تصريحات لـ"التحرير"، أن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، والرئيس الأسبق، حسني مبارك، لم يزورا الكنيسة قط، إنما كانا يرسلان مندوبين عنهما، مشيرًا إلى أنه ليس من الحنكة السياسية ولا الشرعية زيارة الرئيس بنفسه؛ لأن ذلك يُعطي فرصة للنصارى، للمطالبة ببناء كنائس أكثر، بجانب تضييقه من الناحية الأخرى على مشايخ الدعوة السلفية، في اعتلائهم المنابر، ولم يسع إلى حلها.
ونصح عبدالحميد، الرئيس السيسي، بالتوبة إلى الله عما فعله، وأن يختار كلًّا من، نائب الدعوة السلفية ياسر برهامي، الداعية السلفي محمد حسان، مستشارين يستفتيهما في الأمور الشرعية، لما فيه صالح البلاد، ضاربًا عرض الحائط بالمؤسسة الدينية الرسمية (الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء) وكأن برهامي وحسان أعلم من علماء الأزهر الشريف وأقدر على الفتوى من دار الإفتاء ومجمع البحوث الإسلامية.
وتابع عبدالحميد: "الدعوة السلفية لم توقع شيكًا على بياض للرئيس السيسي وليس علينا فواتير لأحد، وسنُعارضه عندما يُخطئ، ونحن أبرياء من تلك الزيارة، لافتًا إلى أنه عندما ذهب الرئيس المعزول محمد مرسي للعزاء في وفاة البابا شنودة، تحدث بكلام فاحش مخالف للعقيدة الإسلامية، وتم معارضته على ذلك".( )
كما استنكر أحمد عبدالحميد، القيادي بحزب النور، والدعوة السلفية، زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي للكاتدرائية المرقسية، أمس الأول، أثناء قداس عيد الميلاد لتهنئة المصريين المسيحيين بالعيد. وقال عبدالحميد، في بيان له: إن "مداهنة النصارى، ومحاولة استرضائهم بكل طريق لم تنفع مبارك، ولا الدكتور مرسي، لا عند الغرب ولا عند نصارى مصر أنفسهم، وبرغم علمانية مبارك فإنه لم يحضر احتفالات الكنيسة بأعيادها كما فعل الرئيس السيسي، وحتى الدكتور محمد مرسي حضر هذه الاحتفالات الكفرية قبل توليه الرئاسة؛ فلما تولاها امتنع وأوفد من ينوب عنه، وهذا في حد ذاته أيضاً محرم، أما أن يحضر الرئيس بنفسه الاحتفال فلا أرى ذلك إلا خطوة في طريق منحدر مظلم العاقبة، ولله عاقبة الأمور". وأضاف أحمد الشحات، القيادي بالدعوة السلفية، في تعليقه على الزيارة: "لا تدخلوا على المشركين في يوم عيدهم كنائسهم؛ لأن السخطة تتنزل عليهم، فرحمك الله ورضي عنك يا أمير المؤمنين، فعودوا إلى خير الهدي".( )
رغم ان هناك آية صريحة تحض على البر حيث يقول الله تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ( ).

ثانيا الموقف من الطرق الصوفية:
تلك الفئة أيضا لدى ابن باز تدخل إما في إطار التكفير أو الابتداع وبالتالي فالخطاب الوهابي لا يحبذ التعامل معهم بحال بغض النظر عن موقفهم الديني، فالتكفير سمة أساسية لهذا الخطاب حيث يقول ابن باز على موقعه الالكتروني: "مشايخ الصوفية فيهم تفصيل: منهم من هو كافر لأنه يتعاطى الشرك بالله -عز وجل- ودعوة غير الله من أصحاب القبور، أو الجن، أو يرى وحدة الوجود؛ كأصحاب بن عربي، هؤلاء كفار، ولا يجوز دعائهم ولا زيارتهم ولا أخذ توجيهاتهم؛ لأنهم منحرفون عن الطريق، ولا يجوز موالاتهم ولا تصديقهم بما يقولون، ولا أخذ توجيهاتهم في أي شيء، ومنهم أناس عندهم بدع وأشياء لا أساس لها في الشرع المطهر، ولكنهم ليسوا كفار ولكن عندهم بدع ما أنزل لله بها من سلطان، فالواجب نصيحتهم أيضاً وتوجيههم إلى الخير، وإنكار البدع التي عندهم. أما أن يطلب منهم البركة أو من تراب حجرهم هذا منكر لا يجوز، فلم يفعل هذا الصحابة فيما بينهم -رضي الله عنهم-، وإنما كان يفعل هذا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- لما جعل الله في جسده من البركة، أما الصوفية فهم أقسام وهم يشتركون في البدعة، ولكنهم أقسام في الأحكام منهم الكافر ومنهم المبتدع الضال الذي يجب الحذر منه ونصيحته والتنبيه على بدعته، وكلهم مشتركون في البدع، لأنهم أحدثوا بدعاً ما أنزل الله بها من سلطان، فالواجب الحذر منهم وعدم الاغترار بهم، وعدم زيارتهم لأخذ دعائهم، أو التبرك بهم، أو أخذ توجيهاتهم، أونحو ذلك" ( )
ويستطرد ابن باز في هجومه على الطرق الصوفية فيقول "هذه الطرق وأشباهها كلها من الطرق البدعية ولا يجوز الموافقة عليها ولا المشاركة فيها لأنها بدع، وقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقال- عليه الصلاة والسلام-: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وليس هذا من سنة النبي- صلى الله عليه وسلم-الاجتماع على هو هو هو، أو على كلام ليس بظاهر وليس بمعلوم، وإذا كان فيه دعوى علم الغيب صار هذا أعظم نكارة وأخبث عملاً بل هذا هو الشرك؛ لأن دعوى علم الغيب منكر وكفر، علم الغيب لا يعلمه إلا الله- سبحانه وتعالى-، والحاصل أن الطرق الصوفية كالنقشبندية، والقادرية والشيخية وأشباهها كلها طرق مبتدعة لا يجوز منها إلا ما وافق الشرع المطهر، فالواجب تجنبها وعدم الاشتراك فيها"( )
هكذا يخرج ابن باز الطرق الصوفية من الاسلام اما بالابتداع وهو درجة أخف، واما بالكفر وعلى كل الاحوال فهو لا يوافق على التعامل مع هذه الطرق بدعوى كفريتها وابتداعها وكما هو معلوم من الخطاب الوهابي فان الكافر يستحل ماله ودمه وعرضه، وكذلك دعوة ابن باز لطمس القبور وهدم المساجد التي على قبور وهذا ما تفعله "داعش" في العراق والشام، مما يؤكد على ان مرجعية هذه التنظيمات المتطرفة والإرهابية هي هذا الخطاب الوهابي.

الموقف من الشيعة:
قام ابن باز بتكفير المتصوفة من المذهب السني كما بينا في هذه الورقة، ومن قبل قد قام بتكفير الاقباط وعدم موالاتهم ولا الاحتفال بأعيادهم وبالمثل فهو يقوم بتكفير معظم مذاهب الشيعة او تخطيئهم فيقول ابن باز في مجموع الفتاوى "الشيعة فرق كثيرة وليس من السهل أن يتسع للحديث عنها الوقت القليل، وبالاختصار ففيهم الكافر الذي يعبد علياً ويقول: يا علي، ويعبد فاطمة والحسين وغيرهم، ومنهم من يقول: جبريل عليه الصلاة والسلام خان الأمانة وأن النبوة عند علي وليست عند محمد، وفيهم أناس آخرون، منهم الإمامية – وهم الرافضة الاثنا عشرية – عباد علي ويقولون: إن أئمتهم أفضل من الملائكة والأنبياء، ومنهم أقسام كثيرة وفيهم الكافر وفيهم غير الكافر، وأسهلهم وأيسرهم من يقول علي أفضل من الثلاثة وهذا ليس بكافر لكن مخطئ، فإن علياً هو الرابع والصديق وعمر وعثمان هم أفضل منه، وإذا فضله على أولئك الثلاثة فإنه قد أخطأ وخالف إجماع الصحابة ولكن لا يكون كافراً، وهم طبقات وأقسام ومن أراد ذلك فليراجع كلام الأئمة مثل الخطوط العريضة لمحي الدين الخطيب، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية وكتب أخرى أُلفت في ذلك كالشيعة والسنة لإحسان إلهي ظهير وغير ذلك كتب كثيرة في مثل هذا الباب نوعت وبينت أغلاطهم وشرهم نسأل الله العافية، ومن أخبثهم الإمامية الاثنا عشرية والنصيرية ويقال لهم الرافضة؛ لأنهم رفضوا زيد بن علي لما أبى أن يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر وخالفوه ورفضوه، فما كل من ادّعى الإسلام يسلّم له بأنه أصبح مسلماً، من ادعى الإسلام ينظر في دعواه، فمن عبد الله وحده وصدّق رسوله وتابع ما جاء به فإن هذا هو المسلم، وأما إذا ادعى الإسلام وهو يعبد الحسين ويعبد فاطمة ويعبد البدوي ويعبد العيدروس وغيرهم فهو ليس بمسلم، نسأل الله السلامة والعافية وهكذا من سبّ الدين أو ترك الصلاة ولو قال: إنه مسلم ما يكون مسلماً، أو استهزأ بالدين أو استهزأ بالصلاة أو بالزكاة أو بالصيام أو بمحمد عليه الصلاة والسلام أو كذبه، أو قال: إنه جاهل أو قال: إنه ما أتم الرسالة ولا بلغ البلاغ المبين، كل هؤلاء كفرة، نسأل الله العافية".( )
هكذا يحدد ابن باز موقفه من الاخر بمدى قربه او بعده من منهجه فمن اختلف معه في المنهج حتى ولو كان من اهل السنة والجماعة فهو كافر، خارج عن الملة، وبالتالي يستحل ماله ودمه وعرضه، هكذا كان التأسيس والمرجعية التي تستند عليها تلك التنظيمات الارهابية ليس هذا فقط بل ان الدعوة السلفية في مصر وزراعها السياسية حزب النور تعتمد على هذه المرجعية في علاقتها بالآخر. هذا ما يضعنا في أزمة كبيرة في الوقت القريب، فحزب النور يحاول جاهدا التقرب من رموز النظام الحالي وعقد تحالفات او صفقات ان صح التعبير مع المؤسسة الازهرية ويقوم بجولات دعوية في المحافظات الفقيرة والمناطق الاكثر فقرا مدعوما ببعض المعارض الخيرية للملابس او السلع الغذائية او القوافل الطبية ما يقربه اكثر من هذه الجماهير الفقيرة، هذا ما يشكل خطرا حقيقيا على مصر والمنطقة، فسوف تتحول مصر الى كتلة ملتهبة وصراع دائم بين هؤلاء الذين يتبنون الخطاب الوهابي التكفيري وباقي الشعب الذي يتميز بتعدد ثقافاته فهو شعب بأغلبية مسلمة ويحتفل مع اخوته المسيحيون بأعيادهم وهذا ما يرفضه الخطاب الوهابي ويكفره، وهو من ناحية اخرى سني المذهب لكنه يعشق آل البيت ويحتفل بموالدهم ومناسباتهم الدينية وهذا ايضا ما يرفضه ويكفره الخطاب الوهابي والذي يمثله حزب النور والدعوة السلفية.

الخطاب الوهابي ونظم الحكم:

سوف يتناول الباحث في هذا الجزء من الورقة البحثية موقف الخطاب الوهابي من نظرية الحكم والديمقراطية والمشاركة في الانتخابات.
وكما سبق ان أوضحنا بأن التركيز على الخطاب الوهابي؛ لأنه الخطاب الذي تتبناه الدعوة السلفية وزراعها السياسية حزب النور وهذا ما سوف يتضح في حينه. حيث يتخذ خطاب الدعوة السلفية في مصر الخطاب الوهابي مرجعية له في الدين والسياسية وغيرها من شئون الحياة، وإن اختلفت بعض المقولات بين الخطابين فالأصل واحد؛ ما يعطينا تصورًا بعد ذلك عن شكل الحياة في مصر إذا لا قدر الله وسيطر هذا الخطاب الماضوي على الحياة السياسية في مصر.
حيث ان موقف هذا الخطاب من الديمقراطية لهو في المقام الأول موقف عدائي لا يعترف بها، بل يخرج المتعاملين بها من ملة الإسلام، وفي كثير من الأحيان يقولون عليها إنها مذهب كفري، لاتخاذهم مقولة "الحاكمية" التي أطلقها أبو الأعلى المودودي ومن بعده سيد قطب، مرجعية أساسية في التعامل مع نظم الحكم المغايرة، وإن شئنا الدقة نظم الحكم الحديثة. يتضح هذا من خلال موقف ابن باز وغيره من رواد هذا الخطاب وأئمته. وقد عرضنا رأي ابن باز في المقالات السابقة في المرأة والآخر وعدم قبوله لهذا الآخر والنداء بتكفيره وعدم مشاركته في الحياة طبقا لعقيدة الولاء والبراء التي تعد الأساس للمنهج الوهابي في التعامل مع الآخر، وتلك القضية "قبول الآخر" هي القضية الجوهرية للديمقراطية. وهي التي تحدد طبيعة الدولة ومفهومها للمواطنة. حيث ينتفي هذا المفهوم من الخطاب الوهابي والسلفي تمامًا. 
يقول ابن باز في إجابته على سؤال يخص الانتماء إلى الأحزاب الدينية "نوصي إخواننا جميعًا بالدعوة إلى الله سبحانه بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، كما أمر الله سبحانه بذلك مع جميع الناس ومع المبتدعة إذا أظهروا بدعتهم، وأن ينكروا عليهم سواء كانوا من الشيعة أو غيرهم- فأي بدعة رآها المؤمن وجب عليه إنكارها حسب الطاقة بالطرق الشرعية.
والبدعة هي ما أحدثه الناس في الدين ونسبوه إليه وليس منه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، ومن أمثلة ذلك بدعة الرفض، وبدعة الاعتزال، وبدعة الإرجاء، وبدعة الخوارج، وبدعة الاحتفال بالموالد، وبدعة البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها، إلى غير ذلك من البدع، فيجب نصحهم وتوجيههم إلى الخير، وإنكار ما أحدثوا من البدع بالأدلة الشرعية وتعليمهم ما جهلوا من الحق بالرفق والأسلوب الحسن والأدلة الواضحة لعلهم يقبلون الحق"( )
أما الانتماءات إلى الأحزاب المحدثة فالواجب تركها، وأن ينتمي الجميع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يتعاونوا في ذلك بصدق وإخلاص، وبذلك يكونون من حزب الله الذي قال الله فيه سبحانه في آخر سورة المجادلة: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾( )  بعدما ذكر صفاتهم العظيمة في قوله تعالي: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾( )
ويستطرد ابن باز: "من صفاتهم العظيمة ما ذكره الله عز وجل في سورة الذاريات في قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾( )   فهذه صفات حزب الله لا يتحيزون إلى غير كتاب الله، والسنة والدعوة إليها والسير على منهج سلف الأمة من الصحابة رضي الله عنهم وأتباعهم بإحسان. 
فهم ينصحون جميع الأحزاب وجميع الجمعيات ويدعونهم إلى التمسك بالكتاب والسنة، وعرض ما اختلفوا فيه عليهما، فما وافقهما أو أحدهما فهو المقبول وهو الحق، وما خالفهما وجب تركه. 
ويؤكد بن باز أنه "لا فرق في ذلك بين جماعة الإخوان المسلمين، أو أنصار السنة والجمعية الشرعية، أو جماعة التبليغ أو غيرهم من الجمعيات والأحزاب المنتسبة للإسلام. وبذلك تجتمع الكلمة ويتحد الهدف ويكون الجميع حزبًا واحدًا يترسم خطى أهل السنة والجماعة الذين هم حزب الله وأنصار دينه والدعاة إليه.  ولا يجوز التعصب لأي جمعية أو أي حزب فيما يخالف الشرع المطهر." ( )
فقد حرم ابن باز هنا الانضمام إلى الأحزاب والجمعيات والجماعات التي تنتمي للإسلام وتدعي أنها تدعو إلى الله عز وجل، فما بالنا بالانتماء إلى تلك الأحزاب المدنية أو الاشتراكية أو العلمانية والليبرالية وغيرها، والتي تقوم على مبدأ التعددية السياسية وقبول الآخر، والتي لا يعترف بها الخطاب الوهابي بشكل عام ويخرج هذه الدعوات وأصحابها من ملة الإسلام.
ولا يعترف هذا الخطاب الوهابي وابن باز في المقدمة بمفهوم الوطن والوطنية والقومية ومعظم المصطلحات الحديثة حول الانتماء؛ حيث يقول ابن باز " الواجب الولاء لله ولرسوله بمعنى أن يوالي العبد في الله ويعادي في الله، وقد يكون وطنه ليس بإسلامي فكيف يوالي وطنه؟ أما إن كان وطنه إسلاميًّا فعليه أن يحب له الخير ويسعى إليه، لكن الولاء لله لأن من كان من المسلمين مطيعًا لله فهو وليه، ومن كان مخالفًا لدين الله فهو عدوه، وإن كان من أهل وطنه، وإن كان أخاه أو عمه أو أباه، أو نحو ذلك، فالموالاة في الله، والمعاداة في الله. 
أما الوطن فيحب إن كان إسلاميًّا، وعلى الإنسان أن يشجع على الخير في وطنه وعلى بقائه إسلاميًّا، وأن يسعى لاستقرار أوضاعه وأهله وهذا هو الواجب على كل المسلمين، نسأل الله لنا ولكم ولجميع المسلمين التوفيق والهداية وصلاح النية والعمل وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه"( )
وهنا ينفي ابن باز مفهوم الوطن والوطنية، ليس هذا فقط بل يؤكد على عقيدة الولاء والبراء فيجب على المسلم معاداة أبناء وطنه إن كانوا على غير دين الإسلام؛ مما يهدد السلم والأمن الاجتماعيين، ويقضي على مفهوم الوحدة الوطنية؛ مما يجعل أبناء الوطن الواحد في صراع مستمر لا يهدأ، فلا تتقدم الأوطان بل تصير من تخلف وهدم إلى انهيار تام.
مقولات الخطاب الوهابي المؤسسة للجماعات الإرهابية
لنلق الآن نظرة على المفاهيم أو المقولات الأساسية في الدعوة الوهابية، والتي انطلقت مع محمد بن عبد الوهاب وقام بنشرها والدعوة لها تلامذته في المملكة السعودية ومن بينهم ابن باز، وسنركز على المفاهيم أو المقولات التي تتناول موضوعات التوحيد، الطاغوت، الحاكمية، الولاء والبراء، والجهاد:
- أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:
الأول: الأمر بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه والبراءة منه. 
الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله تعالى والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه، وتكفير من فعله والبراءة منه، فلا يتم مقام التوحيد إلا بهذا.
- أصل العبادة تجريد الإخلاص لله تعالى وحده، وتجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.
- العبادة هي التوحيد، ومن لم يأت به لم يعبد الله.
- كلمة التوحيد لا تنفع قائلها إلا بمعرفة معناها والعمل بمقتضاها، إذ ليس المراد قولها باللسان مع الجهل بمعناها، ولكن المراد: معرفة ما وُضعت له، ودلت عليه، وقبوله، والانقياد للعمل به.
- التوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية (توحيد الله بفعله)، وتوحيد الألوهية (توحيد العبادة)، وتوحيد الأسماء والصفات (وهو من جنس توحيد الربوبية).
- التوحيد الذي وقع عليه النزاع ليس توحيد الربوبية ولا هو توحيد الأسماء والصفات، فالكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلهم ونهب أموالهم واستحل نساءهم كانوا مقرين لله سبحانه بتوحيد الربوبية، وهو أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يُحيي ولا يميت ولا يدبر الأمور إلا الله وحده، وكانوا أيضًا يتصدقون ويحجون ويعتمرون ويتعبدون ويتركون أشياء من المحرمات خوفاً من الله عز وجل، ولكن ذلك لم يُدخلهم في الإسلام، فالذي كفّرهم وأحل دماءهم وأموالهم هو أنهم لم يشهدوا لله بتوحيد الألوهية (توحيد العبادة)، فهذا الذي تفرق الناس لأجله بين مسلم وكافر، وهذا الذي به حُقنت الدماء والأموال وانفصلت دار الإيمان عن دار الكفر، وهذا الذي لأجله جُردت سيوف الجهاد.
- توحيد الألوهية هو إفراد الله سبحانه بالعبادة والكفر بما يُعبد من دونه والبراءة منه، ولا بد أن يكون باللسان والقلب والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً.
- التلفظ بكلمة التوحيد ليس عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يُحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله (الطاغوت)، فلا يحصل التوحيد ولا يصير الإنسان مؤمناً، ولا يُعصم دمه وماله إلا بالكفر بالطاغوت.
- اسم الطاغوت يشمل كل معبود من دون الله، وكل رأس في الضلال يدعو إلى الباطل، ويحسّنه، ويشمل أيضاً: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله تعالي، الذي يحكم بغير ما أنزل الله، وكل من نصبه الناس للحكم بينهم بأحكام الجاهلية المضادة لحكم الله ورسوله.
- لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من الطواغيت وتكفيرهم.
- صفة الكفر بالطاغوت أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها وتبغضها وتكفر أهلها وتعاديهم.
- كل من خالف حكم الله فهو طاغوت.
- النظم والقوانين الموضوعة للتحاكم إليها، مضاهاةً لتشريع الله، داخلة في معنى الطاغوت.
- من حاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في موارد النزاع، من القوانين والسياسات الوضعية، والنظم البشرية، وعادات الأسلاف والأجداد، وارتضاها دون شريعة الله، فقد حاكم إلى الطاغوت الذي أمر الله عباده المؤمنين أن يكفروا به، ومن قدم شيئاً على شريعة الله، أو اعتقد جواز الحكم بما يخالفها، أو سهّل في التحاكم إلى غيرها، مع ما في ذلك من تسوية الخالق بالمخلوق، فهو كافر وظالم وفاسق يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكّم سواه في قليل ولا كثير.
- لا يجوز استبدال الشريعة الإلهية بالقوانين الوضعية، ورد ما تنازع فيه المسلمون إلى أهل القوانين والآراء؛ لأنه من التحاكم إلى الطاغوت الذي أمر الله بالكفر به.
- لا يجتمع الإيمان بالله مع تحكيم غير شريعته.
- حكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان وتطور الأحوال وتجدد الحوادث، فإنه ما من قضية في الحياة والسياسة والاقتصاد والتجارة والعلم والحرب، في كل ناحية من نواحيها، ما ظهر أو لم يظهر بعد، إلا وحكمها في كتاب الله تعالي وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم نصًّا أو ظاهرًا أو استنباطًا، أو غير ذلك، علم ذلك من علمه، وجهله من جهله.
- ويدخل في الكفر بالطاغوت عداوة الكفار والتصريح لهم بالعداوة وعدم موالاتهم وتوليهم، كمحبتهم لدينهم، ونصرتهم وإعانتهم على المسلمين، والتحالف معهم ولو لم تقع النصرة فعلاً؛ ذلك أن الإنسان لا يستقيم له دين ولا إسلام، ولو وحد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء ومقاطعتهم وحربهم وجهادهم والبراءة منهم، فإذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم، خوفاً منهم ومداراة لهم، ومداهنة لدفع شرهم، وأعانهم ونصرهم وظاهرهم فإنه كافر مثلهم، يُحل ماله ودمه، ويجب قتاله، وإن كان يكره دينهم ويبغضهم.
- لا يستقيم الإسلام، ويقوم قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويرتفع علم الجهاد، إلا بالحب في الله والبغض فيه، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، فمقت المشركين وعيبهم، وذمهم، وتكفيرهم، والبراءة منهم، هو حقيقة الدين والوسيلة العظمى لرب العالمين.
- من قال: لا أعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفّرهم، أو قال: لا أتعرض لمن قالوا: لا إله إلا الله ولو فعلوا الكفر والشرك وعادوا دين الله، فهذا لا يكون مسلماً.
- ويدخل في موالاة المؤمنين نصرتهم والجهاد معهم والهجرة إليهم.
- مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين ناقض من نواقض الإسلام.
- من خرج مع المشركين لقتال المسلمين، طوعاً واختياراً، وأعانهم ببدنه وماله، فلا شك أن حكمه حكمهم في الكفر.
- إن مما يوجب الجهاد لمن اتصف به: مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين، بيد، أو بلسان، أو بقلب، أو بمال، فهذا كفر مخرج من الإسلام.
- الله أمر بقتال المشركين على فعل التوحيد، وترك الشرك، وإقامة شعائر الدين الظاهرة، فإذا فعلوها خُلي سبيلهم، ومتى أبوا عن ذلك أو بعضه، قوتلوا إجماعاً، ولو قالوا: لا إله إلا الله.
- لا يجوز اختلاط المؤمنين بالكافرين دون حاجز الولاء والبراء.
- الكافر يُبغض ويُعادى من كل وجه.
- البلدة التي تجري عليها أحوال الكفر ولا تظهر فيها أحكام الإسلام بلدة كفر.
- البلد التي يُحكم فيها بالقانون ليست بلد إسلام، تجب الهجرة منها.
- يجب الهجرة من كل بلدة تظهر فيها شعائر الشرك وأعلام الكفر ويُعلن فيها بالمحرمات، والمقيم فيها لا يقدر على إظهار دينه والتصريح بالبراءة من المشركين وعداوتهم.
- وجود بعض الطاعات مع انتشار الشرك وعلو شعائره لا يمنع من وصف الدار بالكفر والحكم على أصحابها بالشرك.
- مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب.
- وعلى هذا يتم الدين ويُقام علَم الجهاد. 
إن المفاهيم أو المقولات التي أوردناها هنا، بتكثيف شديد (مع بعض التكرار في اللفظ لتأكيد المعنى)، هي مفاتيح اصطلاحية يمكن من خلالها قراءة الدعوة الوهابية بوضوح كامل، في منطوقها الحرفي، فهي تمتد عبر نصوصها كلها، لا تتغير مفرداتها ولا تراكيبها الدلالية.. إن في كتابات محمد بن عبد الوهاب أو في شروحات من أتوا بعده من أئمة الدعوة النجدية، باعتبارها مفاهيم أو مقولات محمولة على الوحي، فهي معبرة عن الحق واليقين (الديني) المعلن ومطابقة له، في صورته النهائية الخالدة، وأي خروج عليها هو، في جوهره، خروج على صحيح الدين.. إن التوحيد والدعوة له هو الأساس الذي تقوم عليه الوهابية. في هذه التيمة يمكن اختزال الخطاب الوهابي في كل حالاته ومساراته وتحركاته، بما هو خطاب سلفي لا يرضى بأقل من الانصياع الكلي لطروحاته وحقائقه وأخذها كاملة على محمل القبول والتسليم (والاجترار)، بيد أن التوحيد لا يؤخذ في الوهابية بشحنته الدينية فقط، وإنما هو مفهوم يفترض أو يستحضر مجموعة من الاشتراطات والمقتضيات الموضوعية الصارمة ليتحقق معناه بشكل فعلي وواضح في حركة وصيرورة الواقع، هذه الاشتراطات والمقتضيات تُختزل في أربعة أساسية:
الكفر بالطاغوت (كل ما عُبد من دون الله).
الحاكمية (إفراد الله وحده بصفة حق التشريع).
الولاء والبراء (موالاة أهل الدين والإيمان ومعاداة أهل الكفر والضلال).
الجهاد لمدافعة أهل الكفر وتحكيم شرع الله وإعلاء كلمته في الأرض.

مقاربة الخطاب السلفي في مصر والخطاب الوهابي:

ينطلق الخطاب السلفي في مصر من هذه المرجعية الوهابية ومن خلال هذه المقولات أو المفاهيم نفسها، وهذا يتضح جليًّا في خطاب عبد المنعم الشحات منظر الدعوة السلفية وحزب النور ذراعها السياسية؛ حيث يقول: من خلال تفريغ لمجموعة من حلقاته المسجلة على موقع "أنا سلفي" والتي يتدارسها أعضاء الدعوة السلفية.
ففي 31 أكتوبر تحت عنوان "لماذا نقاطع الانتخابات"( )  تساءل عبد المنعم الشحات في بداية الحلقة: "إذا كنا ممكنين هل نبني النموذج الديمقراطي؟".
وقد أجاب على نفسه بالقول: "ما نجزم به لا.. لا نبني النموذج الديمقراطي.. بل نبني النموذج الإسلامي، والنموذج الإسلامي يخالف النموذج الديمقراطي تماما".
وإحدى المشاكل أن إخواننا الذين يدخلون الانتخابات يضطرون إلى الثناء على النموذج الديمقراطي ويضطرون إلى أن يجعلوا أسمى أمانيهم هو تطبيق النموذج الديمقراطي.
لدينا نظام إسلامي مقيد بالشرع، والشورى فيه مقيدة بالشرع، بينما النظام الديمقراطي ليس فيه كذلك، وإن كان هناك نظام ديمقراطي الشورى فيه مقيدة بالشرع فلم تكن هذه ديمقراطية؛ لأن قوام الديمقراطية حكم الشعب فحينما نقيدها بالشرع فأنت تهدم الركن الأعظم للديمقراطية، فإذا نحن سنقيم نظامًا فسوف نقيم نظامًا إسلاميًّا، وليس ديمقراطيًّا.
والنظام الإسلامي الشورى فيه مقيدة بالشرع، والشورى لا تلزم بوجود أحزاب بل لا يجوز وجود أحزاب، فكل كتب العقيدة تنص على التحذير من الفرقة، فالشورى أن يشاور الإمام الأمة، فليس هناك من هو جالس في كراسي المعارضة ومن هو جالس في كراسي الحكومة، وليس هناك تداول سلطة، فعقد الإمامة عندنا عقد أبدي إلى أن يموت الإمام أو يطرأ عليه ما يوجب انخلاعه.
ويتساءل مرة أخرى عبد المنعم الشحات: "فماذا تبقى من الديمقراطية؟ ولماذا ننقح إسلامنا من غيرنا؟". 
ليس هناك مجلس مخصص للشورى، بل الإمام يستشير أهل الحل والعقد، والإمام يحتاج في النظام الإسلامي إلى مجتهدين دائمين ليشاورهم في الأمر الشرعي.. هذا النموذج الإسلامي للحكم طبقًا لرؤية الدعوة السلفية وذراعها السياسية حزب النور، والتي تؤكد على:
(1) ليس هناك تداول للسلطة.
(2) عدم وجود أحزاب سياسية.
(3) عقد الإمامة أبدي ينتهي بموت الإمام.
(4) ليس هناك مجالس نيابية. 
(5) الإمام يختار المجموعة التي يحق له مشاورتها.
(6) رأي الشورى ليس ملزمًا للإمام؛ لأنه رأي استشاري، وليس قرارًا أو قانونًا.
(7) الإمام هو الذي يسن القوانين.
فلماذا إذًا يمارسون الديمقراطية طالما أنها لا تتوافق مع نظامهم الإسلامي كما يدعون؟
يرد عبد المنعم الشحات على هذا السؤال في مقطع فيديو آخر على قناة الحدث بتاريخ 30 أبريل 2011 أي بعد قيام ثورة 25 يناير، التي كانوا يهاجمونها ويقولون بتحريم الخروج على الحاكم أو ولي الأمر، فيقول ردًّا على هذا السؤال: "حينما ننشئ نظامًا من جديد سوف نقول: إن الشعب يشارك في اختيار الحاكم، الشعب يحاسب الحاكم، الشعب يعارض الحاكم إذا أخطأ ويساعده في تقويم الخطأ، ويساعده من باب أولى في الصواب "مش نعمل أحزاب وكل حزب عاوز يعظم مصالح نفسه"، لكن الواقع الحالي، النظام قائم على التعددية الحزبية، فهناك أحزاب ليبرالية ويسارية، فهل نسكت نحن "الدعوة السلفية" وبالذات في هذه المرحلة التي يتم فيها صنع دستور جديد ليصيغوا لنا دستورًا ليبراليًّا لا يتوافق حتى مع تدين الشعب؟
أم نحاول من خلال أحزاب ونقول بأن تقوم الأحزاب الإسلامية بهذا وبالمناسبة الدعوة السلفية لن تنشئ حزبًا، فهذه الآلية فرضت علينا ولا بد أن يكون هناك أحزاب تدافع عن الهوية الإسلامية للشعب المصري، ونحن لا ننشئ حزبًا؛ لأننا دعوة لها وجود دعوي كبير، والدعوة أشمل من الحزب فلو أننا أنشأنا حزبًا نخشى أن يحدث تجريف للأرض الدعوية وانتقال عدد كبير من المشتغلين بالدعوة إلى القناة السياسية الضيقة ويتركون نهر الدعوة".( )
فهنا يقرر عبد المنعم الشحات ويجزم بعدم إنشاء الدعوة السلفية لحزب سياسي، وبعد هذا الحوار بأقل من شهر تشرع الدعوة السلفية في إنشاء حزب النور السلفي، وكذلك بقية الفصائل السلفية!
وعن موضوع الديمقراطية يقول عبد المنعم الشحات في مقطع فيديو آخر في 3 أغسطس 2011 على موقع: "أنا سلفي": في الواقع بعض المصطلحات لا يصلح الإجابة عليها إجابة مجملة منها (الديمقراطية) فلا نقول فقط بأن الديمقراطية حرام بل الديمقراطية كفر.. لأن المراد بها حكم الشعب بنفسه، والتي من أصولها النظرية أنه إذا الشعب اختار الشذوذ يقر الشذوذ، فهذه الديمقراطية تتناقض مع الإسلام. ( )
خلاصة القول عند الدعوة السلفية والخطاب الوهابي:
(1) لا يجوز ترشح المرأة للانتخابات.
(2) لا يجوز ترشح المسيحي للانتخابات.
(3) الديمقراطية كفر.
فلماذا إذًا يسارع حزب النور والدعوة السلفية إلى المشاركة في الانتخابات البرلمانية  والعمل السياسي بآليات الديمقراطية الكافرة؟ فالديمقراطية كما قال أحدهم إنها مجرد مطية يمتطونها للوصول إلى البرلمان، وتشريع ما يؤمنون به وفرضه على المجتمع بالآليات التي اختارها هذا المجتمع، كما أنهم يجدون فتوى مناسبة لكل ما يريدون فعله، ليس هذا فقط بل ينتجون الفتاوى والتخريجات التي تحقق مصالحهم وأهدافهم، بغض النظر عن كونها متناقضة مع ما سبقها من فتاوى تبنوها في وقت سابق.

خاتمة:

ومن خلال ما تقدم نجد ان الوهابية خطر على الأمة الإسلامية من جهتين: الأولى أنها فكر هدام بأتم ما في الكلمة من معنى لأنهم يكذبون على الرسول صلى الله عليه وسلم ويأتون بأحاديث لا توجد في قواميس الأحاديث، يستدلون بها في العقائد فوقعوا في التشبيه الحرام والتجسيم المخزي بدعوى أن الحديث يجب أن يؤخذ به في العقيدة حتى لو كان حديث آحاد ومن هنا بدأت فلسفتهم في الحياة، أرادوا أن يضعوا لأنفسهم منهجا جديدا مبنيا على مخالفة أهل الحق والاستقامة ويحاربون كل سنة حميدة ويأتون بأخرى هي أقرب إلى البهلوانية ليستعرضوا عضلاتهم أمام الناس ويعلنوا أنهم الأجدر بالخلافة من غيرهم.
والثانية يزعمون أنهم ينتسبون للسلف الصالح والسلف منهم براء، إذ السلف الصالح لم يكن ينشئ البدع ولم يكفر مخالفه مهما عارضه في فكر أو عقيدة وضرب مثالا رائعا في ذلك من العلماء الأتقياء كتلك العلاقة المتينة التي كانت تربط بين الإمام جابر بن زيد رضي الله عنه والإمام الحسن البصري رغم اختلافهما في بعض المسائل، فهذا التعايش كان سمة أولئك الصالحين، أما الوهابية فهي فئة نشأت في السعودية، فكرها بعيد عن السلف الصالح، لأنها ترفض الآخر وتتهمه بالكفر وتعتدي عليه، واستعملت المال سلاحا فتاكا لمواجهة كل من يعارضهم ونشرت الفكر السموم في أحشاء الغافلين والبسطاء ومن في حكمهم.
لقد تبين مما لا يدع مجالا للشك أن الوهابية قد افتضح أمرها وبان هدفها وكشفت عورتها، ولم تعد تيارا مقبولا من الناس بعد أن عرف الناس حقيقتها وذاقوا مرارتها، فكلما ابتعدوا عنها استرجعت النفوس راحتها وهيبتها وخاصة بعد كشف أسرار عمالقتها - كما يزعمون - علاقتهم السرية والمشبوهة بإسرائيل والصهاينة ولم يعد خافيا على أحد، وتبين كذلك أن الناس –بفضل الله عز وجل – ثم بفضل التطور التقني والتكنولوجي قد انتبهوا وعرفوا حقيقة هؤلاء وجذورهم وعلاقاتهم، فتغير كثير من الناس حتى من أوساطهم وأقصد السعوديين، خاصة الباحثين منهم عن الحقيقة بكل حرية ودون عصبية وبكل موضوعية، أَبَعْدَ هذا الحديث لا يخجلون ولا يعلنون أنهم في الثرى سيقبرون وأن الحقيقة ستتجلى يوما كما تتجلى الشمس بعد مشرقها عروسا يشع نورها بإذن ربها أرجاء المعمورة.
ان الوهابية حزب سياسي تلفع بالدين، فهي ليست مذهب من مذاهب المسلمين أبداً، كما أنها ليست حركة إصلاحية، كما يحاول بعض الكتاب والباحثين تصويرها، بل هي حركة تدميرية هدامة، تعتمد الإلغاء والإقصاء والتكفير وعدم الاعتراف بالآخر ما لم يلتزم بكل ما تذهب إليه، انها حركة تدميرية تلجأ الى كل الوسائل غير الشريفة للوصول الى أهدافها ونيل مآربها، وعلى رأس هذه الوسائل، القتل وانتهاك الأعراض واستباحة الحرمات والاستيلاء على مال (العدو) الوهمي.
انها فكر شمولي خطير يعتمد التطرف والعنف والكراهية والغاء الآخر والحقد والتكفير لتصفية الخصم، فهي خطر على الشيعة كما أنها خطر على السنة، وخطر على الإسلام كما أنها خطر على المسيحية، ويخطئ من يظن أنها في خدمة هذا المذهب أو ذاك الآخر من المذاهب الاسلامية، انها في نهاية المطاف فكر هدام يسعى لتدمير الإسلام من خلال تصويره وكأنه دين القتل والتدمير والعنف والذبح، او كأنه دين لا يعترف بأحد ما لم يسلم أمره إليهم جملة وتفصيلا وبلا نقاش أو حوار، او انه دين متخلف لا يعترف بالآخر ولا يعتمد الحوار والمنطق والدليل العقلي، ولا يعترف بالأديان السماوية الأخرى، او انه دين لا يعتقد بالتعايش بين بني البشر الذين قال عنهم الإمام امير المؤمنين في وصيته الى ابنه الإمام الحسن عليهما السلام "الناس صنفان، إما اخ لك في الدين أو نضير لك في الخلق" او انه دين لا يعترف بالتعدد والتنوع الذي خلقه الله تعالى من أجل خير وصلاح البشرية، من خلال التعارف والتواصل وتاليا التكامل.

المراجع

1- قرآن كريم
2- مجموع فتاوى ابن باز
3- فتاوى إسلامية، الفتوى رقم 6901
4- الدرر السنية
5- حسام الحداد – أحاديث تؤسس لدونية المرأة
6- صحيفة عكاظ العدد 3031 
7- جريدة أخبار العالم الاسلامي العدد 395
8- حكم مشاركة النصارى في أعيادهم  http://www.binbaz.org.sa/fatawa/385
9- جريدة التحرير المصرية عدد 7 يناير 2016  
10- http://www.islamist-movements.com/32944
11- الطرق الصوفية  http://www.binbaz.org.sa/noor/37
12- التفصيل في فرق الشيعة  http://www.binbaz.org.sa/fatawa/4162
13- حكم الانتماء للأحزاب الدينية  http://www.binbaz.org.sa/fatawa/177
14- موقع انا سلفي http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=20793
15- قناة الحدث بتاريخ 30 أبريل 2011
16- https://youtu.be/4kFirseQTQE
- موقع بوابة الحركات الاسلامية (تقارير – ملفات خاصة – مذاهب).

شارك