قراءة في الوعي الاستراتيجي: كيف رسم الدكتور عبد الرحيم علي خارطة طريق للأمن القومي العربي؟
الأربعاء 11/فبراير/2026 - 09:10 م
طباعة
ريادة فكرية وقراءة خارج الصندوق يبرز الدكتور عبد الرحيم علي كأحد أهم المفكرين الذين امتلكوا شجاعة المراجعة وعمق التحليل في لحظات تاريخية فارقة. وتأتي سلسلته الأخيرة "الأمن القومي العربي: ملفات لم تُغلق بعد" كوثيقة فكرية بالغة الأهمية، لا تكتفي برصد الأحداث، بل تغوص في جذورها لتفكيك "سوء الفهم الاستراتيجي" الذي عانت منه المنطقة. إن إشادة القارئ والمحلل بهذه السلسلة تنبع من كونها لم تنجرف خلف العواطف أو الشعارات، بل قدمت تشريحاً بارداً ودقيقاً لموازين القوة، مما يجعلها مرجعاً لا غنى عنه لكل مهتم بصناعة القرار العربي ومستقبل المنطقة.
أولاً: من التنظيم إلى الشبكة.. تحولات الخطر الداخلي
يُفند الدكتور عبد الرحيم علي ببراعة "وهم الانتهاء" الذي ساد لدى البعض بعد سقوط حكم جماعة الإخوان في عام 2013، مؤكداً أن ما جرى لم يكن اضمحلالاً للخطر بقدر ما كان "تغييراً في جلده". فبينما تحطم الهيكل الهرمي التقليدي والقيادة المركزية التي كانت تمثلها "مكاتب الإرشاد" تحت وطأة الرفض الشعبي والملاحقة القانونية، إلا أن الجماعة سارعت إلى تبني استراتيجية "الكمون النشط". هذا التحول نقلها من صيغة "التنظيم الصاخب" الذي يواجه الدولة وجهاً لوجه، إلى صيغة "التنظيم الشبكي" المتغلغل في المسامات الاجتماعية والمنصات الرقمية، مما جعل الخطر أكثر مراوغة وأقل وضوحاً للرصد التقليدي، حيث لم يعد هناك "مركز ثقل" واحد يمكن توجيه ضربة قاضية إليه.
في ضوء هذا التحول نحو "السيولة التنظيمية"، يضع الدكتور صانع القرار أمام حقيقة استراتيجية مفادها أن الأدوات الأمنية، رغم حيويتها في ضبط الحركة المادية، لم تعد كافية وحدها لمواجهة "الشبكة المرنة" والواجهات المستترة التي تعمل تحت غطاءات حقوقية أو إغاثية أو إعلامية. إن المواجهة الحقيقية اليوم يجب أن تنطلق من "الاشتباك الفكري" وتجفيف المنابع الاجتماعية التي تتغذى عليها هذه الأشكال المتحورة؛ فالتنظيم الذي فقد قدرته على الحشد المليوني، لا يزال يراهن على "تسميم الوعي" واختراق الأنسجة الفكرية للمجتمع ببطء. لذا، فإن بناء حائط صد قيمي واجتماعي هو الضمانة الوحيدة لمنع هذه التنظيمات من إعادة إنتاج نفسها في صور جديدة تلائم تقلبات الإقليم.
ثانياً: الفراغ العربي.. الثغرة التي نفذ منها الآخرون
يضع الدكتور عبد الرحيم علي يده على مكمن الخلل الاستراتيجي في المنطقة، مؤكداً أن تمدد القوى الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها إسرائيل، لم يكن نتاج تفوق عسكري كاسح بقدر ما كان نتيجة مباشرة لحالة "الفراغ العربي" الممتد. فمن خلال قراءة هندسية للمشهد، يوضح الدكتور كيف أن غياب المشروع العربي الموحد وتفكك الأولويات الوطنية قد خلق مساحات شاغرة، لم تجد القوى المنافسة صعوبة في ملئها بذكاء وهدوء. في هذا السياق، لم تعد إسرائيل بحاجة لخوض حروب شاملة لتثبيت أقدامها، بل اكتفت بدور "المراقب المستفيد" الذي يحسن الانتظار، بينما يستنزف الخصوم طاقاتهم في صراعات بينية، مما حول البيئة المحيطة من ساحة صراع مباشر إلى مجال لإدارة النفوذ بأقل التكاليف.
ينقلنا الدكتور إلى مستوى أعمق من التحليل حين يفكك مفهوم "التطبيع"، رافضاً القراءات السطحية التي تراه "سبباً" للأزمة، ليضعه في سياقه الصحيح كـ "نتيجة" حتمية لخلل موازين القوى. فالخلل الإقليمي الذي أدى إلى غياب الرؤية المشتركة جعل من البحث عن ضمانات خارجية خياراً تفرضه الضرورة لا الرغبة. وهنا تبرز عبقرية التمييز بين "إدارة الصراع" و"حسمه"؛ حيث استغلت أطراف إقليمية حالة الارتباك العربي لتنتقل من خانة "العدو المركزي" إلى خانة "الطرف في معادلة التوازن". هذا التحول الخطير في الموقع الاستراتيجي يكشف أن القوة الحقيقية للطرف الآخر استُمدت من سوء إدارة الأولويات العربية، مما جعل القضية المركزية ملفاً مؤجلاً، وحوّل إسرائيل من فاعل مرفوض إلى مستفيد صامت يعيد تموضعه داخل الإقليم كأداة توازن في لحظة تشتت عربي غير مسبوقة.
ثالثاً: فلسفة القوة.. ما وراء السلاح والشعارات
يُحدث الدكتور عبد الرحيم علي قطيعة معرفية مع المفاهيم التقليدية للقوة التي تحصرها في الترسانات العسكرية أو الخطابات الحماسية، ليقدم بدلاً منها تعريفاً "حداثياً" يربط القوة بالقدرة على الإدراك والترتيب. ففي منظوره، تكمن القوة الحقيقية في "اتساق الأولويات" والقدرة على صياغة تعريف موحد ودقيق لمصادر التهديد، بعيداً عن التوظيف السياسي اللحظي. هذا الفهم يعني أن الدولة (أو المنظومة العربية) تكون قوية حين تمتلك "عقلاً استراتيجياً" يمنع تشتت مواردها، وحين يكون هناك انسجام بين أهدافها الوطنية وأدواتها التنفيذية؛ فالقوة في زمن "السيولة" ليست صخباً، بل هي وعي عميق بالذات وبالآخر، وقدرة على إدارة التوازنات دون ذوبان في مشاريع الغير.
يمتد تحليل الدكتور ليشمل طبيعة الروابط بين الدول، حيث يوجه نقداً لاذعاً لما يسميه "التحالفات الانفعالية" التي تُبنى تحت وطأة الذعر أو الضغوط اللحظية، مؤكداً أن التحالف الذي يولد من "الخوف" هو تحالف هش لا يصمد أمام أول اختبار للمصالح. كبديل لذلك، يدعو الدكتور إلى بناء "شراكات محسوبة" تقوم على المصالح المستدامة والتفاهمات المعلنة بدلاً من الصفقات الغامضة. الركيزة الأساسية هنا هي أن "الاستقرار لا يُستعار ولا يُستورد"، بل هو منتج داخلي يُبنى عبر تقوية الجبهات الوطنية أولاً، ثم التنسيق مع المحيط ثانياً. إنها دعوة للتحول من "الارتهان" للضمانات الخارجية إلى "الاعتماد المتبادل" المتكافئ، حيث يُحترم الوزن النسبي لكل طرف وتُصان السيادة في إطار مصلحة قومية عليا.
رابعاً: استعادة المبادرة.. الانتقال من رد الفعل إلى الفعل
يشخص الدكتور عبد الرحيم علي الوهن العربي الراهن بوصفه "أزمة إرادة" قبل أن يكون نقصاً في الإمكانيات، حيث يرى أن الدول العربية الكبرى انزلقت لفترة طويلة إلى فخ "رد الفعل"، وانشغلت باستنزاف طاقتها في إدارة الأزمات الطارئة وسياسات الاحتواء المؤقتة. هذا الغرق في التفاصيل اليومية جاء على حساب "بناء التوازنات" طويلة الأمد، مما أفقد المركز العربي قدرته على المبادرة وترك الساحة للأطراف الإقليمية والدولية لترسم خرائط المنطقة وفق مصالحها. لذا، فإن جوهر الحل عند الدكتور يبدأ بكسر هذه الحلقة المفرغة، والتحول من خانة "التفاعل مع ما يفرضه الآخرون" إلى خانة "المبادرة المحسوبة" التي تضع الأجندة ولا تكتفي بالتعليق عليها.
يضع الدكتور شرطاً وجودياً لاستعادة التوازن، وهو صياغة "حد أدنى من العقل الاستراتيجي المشترك"؛ وهو مفهوم يتجاوز الأحلام الرومانسية للوحدة الشاملة نحو واقعية سياسية تدرك أن الاختلاف بين الدول العربية أمر طبيعي، لكن تحويل هذا الاختلاف إلى "ثغرات استراتيجية" هو الخطيئة الكبرى. تكمن أهمية هذا العقل المشترك في وضع خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها، وضبط الخلافات داخل البيت العربي لضمان عدم ارتهانها لرهانات خارجية. إن الهدف ليس الوصول إلى تطابق تام في المواقف، بل الوصول إلى حالة من "عدم التناقض" في القضايا المصيرية، مما يغلق الأبواب أمام القوى المتربصة التي اعتادت الدخول من شقوق الخلافات العربية، وبذلك يصبح الأمن القومي وعياً وقائياً قبل أن يكون مجرد ترسانة سلاح.
خاتمة:
إن ما كتبه الدكتور عبد الرحيم علي في هذه السلسلة هو دعوة صريحة "لاستعادة القدرة على الفهم قبل الفعل". هي صرخة وعي تؤكد أن ما جرى لم يكن حتماً مقضياً، بل كان نتيجة خيارات يمكن تعديلها. فإذا أراد العرب ألا تُعصف بخرائطهم مجدداً، فعليهم أولاً أن يغلقوا "ملفات سوء الفهم" ويبدأوا في بناء موازين قوة تقوم على المصالح المشتركة والوعي العميق بمتغيرات العصر..
