كتاب يبحث جدل الحرية والقدر... عند ابن سينا والغزالي وابن عربي

الأربعاء 21/فبراير/2024 - 06:57 م
طباعة كتاب يبحث جدل الحرية روبير الفارس
 
" بين الحرية الإنسانية والقدر الالهي في الفكر الإسلامي: دراسة توافقية نظرية عند ابن سينا والغزالي وابن عربي" كتاب مهم من  تأليف ماريا دى سيليز وترجمة محمود سلامة. وصادر عن المركز القومي للترجمة .
يتناول الكتاب مشكلة  الحرية الإنسانية في مقابل القدر الاَلهي وهي  واحدة من المحاور  المثيرة للجدل في الفكر الاسلامي التقليدي .ويقدم هذا الكتاب دراسة نقدية متعلقة بالاسهامات العقلية المعروضة في هذا المسار وذلك عن طريق ثلاثة من المفكرين البارزين الاسلاميين خلال العصور الوسطى هم ابن سينا والغزالي وابن عربي؛ عن طريق التركيز على موضوع ذي أهمية مركزية لأى فلسفة ذات علاقة بالدين وبصفة خاصة الدين الاسلامي.
يحدثنا التاريخ الاسلامي منذ انبثاق الدعوة الاسلامية أن لب الدين الاسلامي يتمثل في العمل الانساني الذي به يسعى الانسان الى ترقية فكره ،ورسم السعادة في حاضره ومستقبله الذى لا ينتهي بانتهاء الحياة الدنيا ،بل يمتد الى ما وراء هذه الحياة من برزخ ثم بعث وحساب وثواب وعقاب.
اختارت المؤلفة ثلاثة من كبار المفكرين المسلمين،كل منهم يمثل مجالا من مجالات الفكر الاسلامي ،الاول هو الشيخ الرئيس ابن سينا الذى يمثل الفلسفة التقليدية المشائية الاسلامية التى تعتبر أرسطو هو النموذج البارز لهذا الاتجاه العقلي ،على الرغم مما حدث من خلط على ايدى المترجمين الاوائل بين كان منسوبا لأرسطو وما كان منسوبا لغيره من شراح؛حيث خلطوا بين الاتجاه الأرسطي العقلي الخالص وما بين ما أضافه شراحه من أفكار اشراقية مشربة بروح الفلسفة الشرقية،وذلك على أيدى افلاطون وتلاميذه.
والثاني الغزالي الذى كان في الاصل من المتكلمين الأشاعرة والذى خاض غمار الفلسفة ثم ثار عليها ناقدا اياها ،ثم ختم حياته بتبنى الاتجاه الصوفي.
أما الثالث فهو ابن عربي الذى لم يقف عند اتجاه معين بل خلط الفلسفة  وعلم الكلام والتصوف الذى غلب عليه الفكر الفلسفي، واستقر به الامر في النهاية الى تبني اتجاه صوفي موغل في خليط من المذاهب الفلسفية :شرقية وغربية ودينية ،ربما لم يكن لها اية علاقة بدين معين.
وكان اتجاه ابن سينا في مشكلة القضاء والقدر أميل الى النظرية السببية المحكمة كما هو شأن الاتجاه الارسطي،وان حاول أن يلبس اتجاهه ثوبا دينيا شفافا .
اما الغزالي فقد كان أشعريته هي السمة الغالبة عليه في معالجة هذه القضية ،فعلى الرغم من ايمانه بالسببية فان سببيته هذه كانت مقيدة بالتدخل الالهي الذى في امكانه ايقاف هذه السببية بتدخله في مجرى الأحداث .بحيث جعل السببية الالهية هي الفاعلة الحقيقية ،بمعني أن السبب يحدث مع السبب لا بعده على عكس ابن سينا الذى جعل المسبب يحدث بعد السبب.
أما ابن عربي فقد أنتهى الى أن الحرية الحقيقية للانسان ان يستسلم للسببية الالهية ؛حتى يصل الى مقام العبودية .
ويكاد الثلاثة يلتقون عند مبدأ عام واحد بشأن مبدأ عام واحد في شأن قضية القضاء والقدر والحرية الانسانية .هذا المبدأ هو وقوع الانسان بين شقي الجبر والاختيار فهو حر مجبر ،أو مجبر مختار ..وقد أجادت المؤلفة في هذا المضمار ورجعت رجوعا دقيقا الى هذه المصادر الأصلية لهؤلاء الثلاثة بالإضافة الى استعانتها بآراء مفكرين غربين وغير غربيين ويقدم هذا الكتاب ادراكا كاملا للتاريخ العقلي الاسلامي والثقافة الاسلامية .

شارك