من "حزب الأمة" إلى عباءة السلفية.. تراجع الهوية العلمانية لحزب الوفد

الثلاثاء 09/يونيو/2026 - 12:19 م
طباعة
 
البدايات دائمًا ما تحمل جينات التأسيس، وفي تاريخ السياسة المصرية، كان حزب الوفد يمثل التجسيد الحي لمفهوم "الدولة الوطنية الحديثة". فعندما رفع الوفد شعار "الدين لله والوطن للجميع"، لم يكن الأمر مجرد شعار انتخابي، بل كان فلسفة حكم ورؤية مجتمعية صاغتها الحركة الوطنية في ثورة 1919.
لكن المفارقة الحزينة التي تتجلى اليوم، تظهر في الاعتذار أو الرفض الضمني الذي أبداه الحزب لاستضافة ندوة تحتفي بذكرى المفكر العلماني الراحل د. فرج فودة، والتي كان من المقرر أن تنظمها جمعية التنوير، لينتهي بها المطاف مستضافة في مقر جريدة "الدستور" كإنقاذ للموقف. هذا الموقف لا يمثل مجرد ارتباك تنظيمي، بل هو مؤشر دال على تحول بنيوي وعميق في هوية الحزب ومواقفه الفكرية.

التراث الحقيقي: ريادة علمانية وتعددية
تتجلى القيمة الحقيقية لإرث الوفد التاريخي في ريادته المبكرة للمشروع العلماني والتعددي بمصر؛ فإذا ما فتّشنا في دفاتر الحزب القديمة، سنعثر على سجل حافل بالمعارك الفكرية والسياسية التي خاضها الوفد بصلابة، سعيًا لقطع الطريق أمام أي محاولات لتديين المجال العام، وتحصين الدولة الوطنية من مغبة السقوط في فخ الطائفية أو الصبغة الدينية.
وفي ذروة الزخم الوطني لحقبة الزعيم سعد زغلول، تجسدت قيم المواطنة في أبهى وأرقى صورها السياسية؛ فلم تكن وزارته التاريخية مجرد تشكيل حكومي، بل لوحة تعبر عن تنوع مصري خالص لا يلتفت للمذهب أو الدين. ويسجل التاريخ لزغلول وقوفه كحائط صد منيع أمام مساعي إضفاء مسحة دينية على الجامعة المصرية، مستمسكًا بمدنية المعرفة وحرية التعليم كركائز أساسية لبناء العقل الحديث.
ولم تنطفئ جذوة هذا الإصرار التنويري في حقبة خليفته مصطفى النحاس، الذي واجه تمدد جماعة الإخوان المسلمين بشراسة سياسية وفكرية لا هوادة فيها. وتجلت هذه المعركة المصيرية في تمسك النحاس الصارم بتعيين عميد الأدب العربي د. طه حسين وزيرًا للمعارف (التعليم)، متحديًا الاعتراضات العنيفة التي أبداها الملك فاروق، ومدفوعًا برغبة حاسمة في دحر الوصاية الفكرية للدوائر المحافظة آنذاك.
إن هذا التراث الفكري الممتد هو وحده الذي منح الوفد، عبر عقود طويلة، الشرعية السياسية والأخلاقية ليكون الممثل الشرعي لليبرالية المصرية والعلمانية الإيجابية. وهي العلمانية التي لم تقف يومًا في خصومة مع الدين أو قيم المجتمع الروحية، بل تأسست بالأساس على قاعدة ذهبية واحدة: حماية العقيدة من الابتذال السياسي، ورفض توظيف المقّدس في معارك المصالح الحزبية الضيقة.

المنعطف التاريخي: تحالف الثمانينات وثمن الخروج عن المسار
الشرخ الحقيقي في جدار العلمانية الوفدية لم يبدأ اليوم، بل تمتد جذوره إلى بداية ثمانينات القرن الماضي، وتحديدًا عند قرار الحزب التحالف مع جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية.
في تلك الحقبة، صعد نجم الشيخ صلاح أبو إسماعيل داخل أروقة الحزب، ليتحول إلى رقم صعب في معالاته الداخلية. هذا التحالف لم يكن مجرد تكتيك سياسي عابر، بل كان طعنة في قلب الهوية الفكرية للحزب، وكان السبب المباشر والدوافع الرئيسية التي أدت إلى استقالة المفكر د. فرج فودة من الحزب. لقد أدرك فودة مبكرًا أن خلط الأوراق السياسي سيؤدي حتمًا إلى تجريف القواعد الفكرية للوفد، وهو ما وثقه بدقة في كتاباته ومواقفه التاريخية.
وشكلت استقالة الدكتور فرج فودة من حزب الوفد الجديد في يناير 1984 صدمة في الأوساط السياسية المصرية آنذاك، لكنها كانت خطوة متسقة تمامًا مع مواقفه الفكرية المحذرة من تغلغل تيار الإسلام السياسي في المجال العام. وقد فصل د. فرج فودة الأسباب والمواقف التي دفعته لاتخاذ هذا القرار في كتابه الشهير "الوفد والمستقبل"، وفي عدد من المقالات والبيانات الموثقة التي شرحت كواليس ذلك التحالف المثير للجدل.
تتلخص الأسباب والمواقف التفصيلية التي ذكرها فرج فودة في النقاط التالية:
كان السبب الرئيس والمباشر للاستقالة هو قرار الهيئة العليا لحزب الوفد (تحت قيادة فؤاد سراج الدين) عقد تحالف انتخابي مع جماعة الإخوان المسلمين لخوض انتخابات مجلس الشعب لعام 1984.
رؤية فودة: رأى فودة أن هذا التحالف يمثل "ردة فكرية" وانتهازية سياسية غير مقبولة. فكيف لحزب الوفد، الذي تأسس على شعار "الدين لله والوطن للجميع" وقام على فكرة المواطنة والدولة المدنية، أن يضع يده في يد جماعة تنادي بدولة الخلافة والحاكمية وتكفر الفكر الليبرالي؟
التناقض الأيديولوجي: اعتبر فودة أن الوفد يضحي برصيده التاريخي العريق من أجل مكاسب انتخابية آنية ومقاعد برلمانية مؤقتة، وهو ما وصفه بـ "الانتحار الفكري".
لم يكن التحالف مجرد تنسيق على قوائم الانتخابات، بل امتد لتمكين قيادات هذا التيار من منصات الحزب.
السيطرة على المؤتمرات: رصد فرج فودة بكثير من الأسى كيف تحولت مؤتمرات حزب الوفد الجماهيرية من منابر للحديث عن الحريات العامة، والعدالة الاجتماعية، والبرامج الاقتصادية، إلى ساحات يخطب فيها الشيخ صلاح أبو إسماعيل (القطب الإخواني المحرك للتحالف) داعيًا لتطبيق الشريعة بمفهوم حزبه، ومرددًا شعارات الجماعة.
تبني خطاب الجماعة: ذكر فودة أن الحزب بدأ يتدرج في تبني لغة دينية متطرفة ومحافظة لاسترضاء حلفائه الجدد، مما أدى إلى طمس ملامح الوفد الليبرالية وإحراج كوادره التاريخية، لاسيما من الأقباط الذين وجدوا أنفسهم غرباء في الحزب الذي كان بيتًا للمواطنة.
كلمة فودة الأخيرة في الاستقالة:
في نص استقالته الشهير الموجه إلى فؤاد سراج الدين، اختصر د. فرج فودة أزمته في عبارة بليغة تلخص عمق المأساة، حيث كتب ما معناه: "إنني أستقيل لأنني لا أستطيع أن أرى راية الوفد الخضراء ذات الهلال والصليب، وقد حُجبت بظلال شعارات أخرى لا تؤمن بالوطن للجميع، بل تصنف المواطنين على أساس العقيدة".
لقد أثبتت الأيام وصحة استشراف د. فرج فودة؛ فذلك التحالف الذي منحه الوفد قبلة الحياة السياسية في الثمانينات، ساهم بشكل مباشر في تجريف القواعد المدنية للحزب، وأدى بمرور العقود إلى اهتراء هويته التنويرية، حتى وصل الأمر إلى ما هو عليه اليوم من اضطرار الحزب للاعتذار عن استضافة ندوة لتأبين الرجل الذي ضحى بمستقبله الحزبي دفاعًا عن مبادئ الوفد الحقيقية.

الواقع الراهن: الوعود المجهضة وتمكن الفكر المحافظ
رغم الوعود المتكررة من قيادات الحزب التعاقبة برغبتهم في استعادة "وجه الوفد العلماني" التنويري، إلا أن الممارسات على الأرض تثبت أن الهيكل الحزبي بات محكومًا بوازع الخوف من التيارات المحافظة، أو ربما تغلغلاً حقيقيًا للفكر السلفي في قواعده الإدارية والشبابية.
إن رفض الحزب لاستضافة ندوة عن مفكر استشهد دفاعًا عن مدنية الدولة كـ فرج فودة، يعكس حالة من الانبطاح الفكري أمام طيور الظلام. فالحزب الذي كان يجرؤ على تحدي القصر الملكي من أجل تعيين طه حسين، بات اليوم يخشى من غضب التيارات السلفية والمحافظة داخل قواعده وخارجها.
خلاصة 
إن أزمة الوفد اليوم ليست أزمة مقرات أو تنظيم، بل هي أزمة هوية. عندما يفقد حزب الأمة ملامحه التنويرية، ويمارس الرقابة الذاتية على الفكر التنويري خشيةً أو تماهيًا مع المد السلفي، فإنه ينعزل عن تاريخه ويفقد مبرر وجوده السياسي كبديل ليبرالي.
تحية لجريدة "الدستور" التي أنقذت الموقف وأثبتت أن المساحات التنويرية في مصر لا تزال تجد لها متنفسًا، وعزاءً لحزب الوفد الذي يبدو أنه يحتاج إلى ثورة داخلية تعيد إليه شعاره الخالد: الدين لله والوطن للجميع.

شارك