ميلشيا "حسينيون".. مخلب إيران لتعزيز نفوذها في أذربيجان

الثلاثاء 26/مارس/2024 - 01:03 ص
طباعة محمد شعت
 

تعتمد السياسة الخارجية الإيرانية على صناعة الميلشيات والأذرع لتعزيز النفوذ في الدول المستهدفة، سواء أكانت هذه الدول من دول الجوار أو دول أخرى تسعى إيران للحضور فيها سياسيا وعسكرية، باعتبار أن هذه الأذرع أوراق ضغط قد يتم استخدامها ضد حكومات هذه الدول لتحقيق مكاسب لصالح النظام الإيراني.
وفي ظل التوترات الجيوسياسية والطائفية بين إيران وأذربيجان، ظهرت حركة "حسينيون" كمميليشيا شيعية أذرية في البلاد، ويعتبر تأسيس الحركة واحدة من سلسلة التدخلات الإيرانية في الدول المجاورة، حيث تم تدريب طلاب دينيين من أذربيجان في حوزات إيرانية قبل إعادتهم إلى بلدهم أو إرسالهم إلى دول أخرى في ظل الحروب بالوكالة التي تشارك فيها طهران.

النشأة

سعت إيران خلال السنوات الماضية  إلى تشكيل ميليشيا شيعية تسمى "حسينيون" أو "حركة المقاومة الإسلامية الأذربيجانية - حسينيون" تحت إشراف فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني في جمهورية أذربيجان، ورغم الخلاف حول تاريخ تأسيس الحركة هل كان في عام 2016 أم في 2019 إلا أن أغلب الظن أنها تأسست في عام 2016 على يد إبراهيم بيجلي  وهو رجل دين شيعي آذري.
واشتهر بيجلي بالمعاداة الشديدة لنظام الحكم في أذربيجان برئاسة إلهام علييف، ودعا مؤسس الحركة إلى أعمال عنف ضد قيادات داخل نظام الحكم في أذربيجان، ففي يناير من عام 2017، دعا إلى اغتيال عمدة مدينة كنجة غرب أذربيجان، وبعدها بعام أطلق أحد مقاتلي "الحسينيين" الذي درس في قم وخضع للتدريب في سوريا، النار على العمدة وحارسه الشخصي وأصابهما بجروح خطيرة.
كانت نواة الحركة من طلاب جمهورية أذربيجان الذين درسوا في حوزة "قم" داخل الأراضي الإيرانية، حيث كانت بداية الحركة بانضمام  14 طالبا فقط من جمهورية أذربيجان، وتم الترويج في ذلك لأن الهدف من تأسيس الحركة هو المشاركة في محاربة تنظيم "داعش" في سوريا، وفق ما أعلنه المؤسس "توحيد إبراهيم بيجلي"، أمام عدد  من طلاب العلوم الدينية من جمهورية أذربيجان الذين كانوا يدرسون في حوزة قم، عن انشاء ميليشيا "حسينيون"، معتبرًا أن تأسيس الحركة  هدفه حماية العتبات الشيعية في سوريا على حد زعمه.
وتضع حكومة "باكو" الخطر الذي تمثله الحركة في الاعتبار، ففي عام 2021 تم اعتقال الأذربيجانيين الذين شاركوا في الحرب السورية من خلال جماعة "حسينيون" بعد العودة إلى بلادهم، ومن بينهم "المير زاهدوف"، وهو أحد عناصر "لواء حسينيون" المتواجد في سوريا، وأرسل إلى سجن شكي عام 2021.
وتحاول الحكومة الأذربيجانية محاصرة الحركة وزعيهما "إبراهيم بيجلي" الذي تتهمه بممارسة جهود حثيثة وآراء متطرفة ضد حكومة جمهورية أذربيجان حيث سبق أن اعتقلته الشرطة الأذربيجانية خلال مسيرة احتجاجية أمام السفارة الإسرائيلية في باكو واحتجزته المحكمة لمدة سبعة أيام.

واعتقل جهاز الأمن التابع لحكومة أذربيجان في 3 يوليو 2018 أحد أعضاء جماعة "حسينيون" يدعى "يونس صفروف" بتهمة محاولة اغتيال والي منطقة كنجة، وفي 14 يوليو 2018، ألقي القبض أيضا على عدد آخر من المقربين من إبراهيم بيجلي.
وفي عام 2020، تم العثور على مقر إقامة "فالق ولي أوف"، من أعضاء "حسينيون" على الأراضي الروسية، وتم تسليمه إلى جمهورية أذربيجان في 17 أغسطس، وجهت إليه تهمة الانتماء إلى "جماعة إجرامية"، و"التدريب العسكري خارج جمهورية أذربيجان لأغراض إرهابية" و"المشاركة في أنشطة جماعات مسلحة خارج قوانين جمهورية أذربيجان"، وحكم عليه بالسجن ثماني سنوات من قبل محكمة الجرائم الخطيرة في كنجة.

الارتباط بإيران

من مؤشرات ارتباط الحركة بإيران يأتي التشابه الكبير بين "عَلم الحركة"  وأعلام الحرس الثوري وحزب الله اللبناني وسائر الميليشيات الموالية لإيران، إضافة إلى تواصل حركة "حسينيون" مع السلطات الإيرانية، حيث شارك بيجلي في مؤتمرات دورية في إيران وتبادل الحديث مع المرشد الإيراني علي خامنئي، كما أن والد "بيجلي" هو هو "عالم إبراهيم لي" ووالدته "سودابة إبراهيم لي"، وهذه الأسرة أساس من مدينة لنكران الإيرانية وإستقرت لاحقا في مدينة مشهد شرق إيران.
كما شارك بيجلي في العديد من الفعاليات الإيرانية، حيث شارك "بيجلي" في مؤتمر سنوي تقيمهإيران تحت عنوان "مؤتمر الصحوة الإسلامية"، والتقى "بيجلي" بصفته رئيس "جمعية رجال الدين المناضلين في جمهورية أذربيجان"، مع المرشد الإيراني علي خامنئي، وتحدث خلال اللقاء عن أوضاع السجناء "المسلمين" في جمهورية أذربيجان.
وفي عام 2017 حضر "بيجلي" مراسم أقيمت في مدينة زنجان الإيرانية ذات الأغلبية التركية الأذربيجانية تحت عنوان "ذكرى شهداء نارداران"، وتحدث عن حادثة هجوم قوات الشرطة الخاصة التابعة لوزارة الداخلية لجمهورية أذربيجان على مراسم الأربعين لعام 2015 على شيعة منطقة ناردران في جمهورية أذربيجان، ممّا أسفر عن مقتل 4 منهم، بحس تصريحاته آنذاك.
وتأتي تصريحات "بيجلي" عن قاسم سليماني ، قائد فيلق القدس السابق، لتشير إلى الدور الذي لعبه سليماني في تأسيس الحركة وتقديم الدعم لها، حيث تحدث "بيجلي" عن قاسم سليماني بعد اغتياله في الفيلم الوثائقي "قائد القلوب"، وزار بعض أعضاء جماعة "حسينيون" ضريح قاسم سليماني في مدينة كرمان عام 2020.
وعن العلاقة بين "بيجلي" و "سليماني"، تحدث العديد من وسائل الإعلام في أذربيجان عن أن قاسم سليماني هو الذي أطلق ما يسمى بـ"حركة المقاومة الإسلامية الأذربيجانية" وسماهم "حسينيون"، وجاءت هذه التصريحات مرفقة مع صور تجمع قاسم سليماني و"بيجلي".

ورقة ضغط

كعادة إيران في توظيف الميلشيات والأذرع الموالية لها، تلجأ طهران إلى استخدام ميلشيا "حسينيون" في الضغط على حكومة باكو في أوقات الخلاف والتوتر، ففي الوقت الذي تندلع فيه الأزمات بين إيران وأذربيجان ويصل مستوى التوتر إلى  التهديدات والتحذيرات وتبادل الاتهامات تكون الحركة حاضرة على خط الأزمة.
وفي الوقت الذي تعترض فيه طهران على علاقات جمهورية أذربيجان بإسرائيل قامت الحركة في وقت سابق بتوجيه تهديدات للسفارة الإسرائيلية في أذربيجان وأصدرت السفارة الإسرائيلية في باكو تحذيرا لمواطنيها في أذربيجان، حسب ما نقل على حسابات بمنصات التواصل الاجتماعي التابعة للحرس الثوري الإيراني.
وفي إطار المساعي الإيرانية لتوظيف الحركة، تظرب طهران على الوتر الطائفي، خاصة وأن أذربيجان تقطنها أغلبية تركية شيعية ولها امتدادات بين 25 مليونا من الأتراك الأذربيجانيين في إيران، ينظرون إلى جمهورية أذربيجان كامتداد قومي لهم وثمة تنظيمات تابعة لهم تدعو إلى الانفصال عن إيران وتشكيل دولة موحدة مع أذربيجان الشمالي وهو الاسم الذي يطلقونه على جمهورية أذربيجان.
ورغم تقليل البعض من خطر "الحركة" باعتبارها حديثة النشأة وقليلة العدد، إلا أن الميلشيا كغيرها من الميلشيات الإيرانية التي تم زرعها في عدد من الدول، والتي بدأت بمجموعات صغيرة تكونت على أساس عقائدي، وفي ظل الدعم المستمر الذي تتلقاه مثل هذه الميلشيات من النظام الإيراني، تتمدد الحركات وتثبت أقدامها وتهدد استقرار الدول وتصبح أداة لتنفيذ الاجندة الإيرانية.
وتسعى طهران إلى توجيه الحركة عبر عدة محاور منها التوجيه السياسي والإيديولوجي، تستخدم إيران التنظيم لتوجيه مجموعات حسينيون في أذربيجان نحو تبني القضايا والأفكار التي تخدم مصالحها السياسية والإيديولوجية، وفي سبيل ذلك توفر لها الدعم المالي واللوجستي.

كما تسعى طهران إلى تعزيز نفوذها من خلال هذه المجموعة عبر القوى الناعمة  *حيث تقوم إيران بتوجيه الجهود نحو تعزيز التنظيم الثقافي والتعليمي بين مجموعات حسينيون في أذربيجان، من خلال توفير المساعدات المالية لإنشاء المدارس والمراكز الثقافية التي تنشر الفكر الإيراني وتعزز الانتماء إليه، فضلا عن الترويج لأفكارها ومبادئها من خلال وسائل الإعلام والدعاية والإعلان، وتوجه رسائلها السياسية والدينية إلى الجماهير في أذربيجان بهدف تعزيز الولاء لها وتعزيز الانتماء إلى الهوية الإيرانية.

شارك