السودان بعد استعادة الخرطوم.. تحديات استقرار البلاد وسط استمرار التوترات والفصائل المسلحة
الجمعة 28/مارس/2025 - 02:26 م
طباعة

في تطور كبير يشهده السودان، أعلن الجيش السوداني أنه قد تمكن من السيطرة الكاملة على العاصمة الخرطوم بعد أكثر من أسبوع من المعارك العنيفة التي شهدت تقدمًا لافتًا للقوات المسلحة في عدة مناطق استراتيجية.
هذا الإعلان جاء بعد استعادة القصر الرئاسي من قبضة قوات الدعم السريع في هجوم واسع شنته قوات الجيش على مواقع المليشيات في قلب الخرطوم.
وفي بيان صادر، أكد المتحدث باسم الجيش السوداني، العميد نبيل عبدالله، أن القوات المسلحة قد "تمكنت من تطهير آخر جيوب لشراذم ميليشيا آل دقلو الإرهابية" في محلية الخرطوم، فهذا التصريح الذي أطلقه جاء بعد أيام من المواجهات الدامية التي دارت في عدة مناطق داخل العاصمة، لتضع بذلك نهاية تقريبية لأحد أطول فصول النزاع العسكري في تاريخ البلاد.
وأعلن قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، من داخل القصر الجمهوري أن الخرطوم تحررت من قبضة (قوات الدعم السريع)، وأن الأمر انتهى، فيما شوهدت أرتال من مشاة قوات الدعم السريع، وهي تتجه خارج الخرطوم عبر جسر جبل أولياء في اتجاه ولاية النيل الأبيض.
وحط البرهان بطائرته الخاصة داخل مطار الخرطوم لأول مرة منذ اندلاع الحرب مع قوات الدعم السريع في أبريل (نيسان) 2023، وقال البرهان وهو يتجول داخل القصر الجمهوري: الخرطوم حرة والأمر انتهى.
وفسَّر مراقبون هذا الانسحاب المفاجئ لقوات الدعم السريع، بسبب عدم قدرتهم على الحفاظ على المواقع التي يسيطرون عليها، والصمود طويلاً أمام الهجوم الكبير الذي شنه الجيش، ما دفعها للانسحاب بدلاً من الدخول في معارك خاسرة.
يعود الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى أبريل 2023، عندما اندلعت اشتباكات بين الطرفين نتيجة لخلافات عميقة بشأن الترتيبات السياسية والأمنية في البلاد.
وعلى الرغم من أن قوات الدعم السريع كانت قد تزايدت قوتها ونفوذها في السنوات الأخيرة، إلا أن الخلافات على القيادة والتأثير بين الفريق أول عبد الفتاح البرهان قائد الجيش، ومحمد حمدان دقلو، المعروف بـ"حميدتي" قائد قوات الدعم السريع، كانت الشرارة التي أشعلت الحرب.
ومنذ بداية الصراع، شهدت الخرطوم وعدد من المدن السودانية الأخرى معارك عنيفة تسببت في سقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى، كما أسفرت عن نزوح أعداد كبيرة من المدنيين إلى مناطق أكثر أمانًا داخل السودان أو عبر الحدود إلى الدول المجاورة مثل مصر وتشاد.
ومع مرور الوقت، بدأ الجيش السوداني في تغيير استراتيجيته العسكرية في مواجهة قوات الدعم السريع، حيث تكثف الجيش من عملياته العسكرية بشكل منظم، مستفيدًا من قواته البرية والجوية، وأطلق هجمات متزامنة على عدة مواقع في العاصمة السودانية.
وتمكنت القوات المسلحة من استعادة القصر الرئاسي بشكل تدريجي، وسط تقارير عن معارك عنيفة في أحياء مختلفة من الخرطوم.
وركز الجيش السوداني في عملياته على القضاء على جيوب المليشيا وتفكيك شبكاتها العسكرية في مناطق استراتيجية، وهو ما ساهم في إحراز تقدم كبير نحو السيطرة الكاملة على المدينة.
وبينما كان الجيش يحقق تقدماً ملحوظاً في العاصمة، كانت قوات الدعم السريع تحاول مقاومة التقدم من خلال شن هجمات مضادة باستخدام أساليب غير تقليدية.
على الرغم من الانتصار العسكري الذي حققه الجيش السوداني في السيطرة على الخرطوم، فإن الوضع الإنساني في العاصمة يبدو مأساويًا للغاية.
فقد تسبب الصراع في تدمير العديد من المنشآت المدنية، بما في ذلك المنازل والمستشفيات والمدارس، كما ارتفعت أعداد القتلى والجرحى بشكل كبير نتيجة للقتال العنيف، وتعرضت الخرطوم لشلل تام في الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء.
في ظل هذه الظروف، يعيش المدنيون في العاصمة السودانية حالة من القلق والترقب، حيث أن الاشتباكات لا تزال مستمرة في بعض الأحياء، وسط تقارير عن مئات من المدنيين العالقين بين طرفي النزاع.
وعلاوة على ذلك، فإن الأزمة الغذائية والإنسانية قد تفاقمت بسبب نقص الإمدادات الطبية والغذائية، مما يهدد حياة الآلاف من المواطنين.
وتستمر الأوضاع في السودان في جذب انتباه المجتمع الدولي، الذي أعرب عن قلقه العميق إزاء التصعيد العسكري والأزمة الإنسانية في البلاد، فقد أصدرت الأمم المتحدة تحذيرات من أن النزاع قد يتحول إلى أزمة إقليمية إذا استمر العنف في الانتشار، حيث أن السودان يشترك في حدود مع عدة دول تعاني من أوضاع أمنية غير مستقرة مثل تشاد وجنوب السودان.
وقد طالبت العديد من الدول الغربية ومنظمات الإغاثة الدولية بضرورة وقف القتال فوريًا وتحقيق تسوية سياسية من خلال حوار بين الأطراف المتنازعة.
كما سعت بعض الدول العربية الكبرى إلى التدخل على الساحة الدبلوماسية لتهدئة الأوضاع، لكن الوضع يظل معقدًا للغاية بسبب استمرار التوترات بين الفصائل المختلفة في السودان.
ورغم إعلان الجيش السوداني عن استعادة السيطرة على الخرطوم، فإن المستقبل السياسي للبلاد لا يزال غامضًا، حيث يتساءل العديد من المراقبين عما إذا كان الجيش قادرًا على بسط الاستقرار في البلاد بعد هذه الحرب الطويلة، خاصة في ظل وجود الكثير من الميليشيات المسلحة الأخرى التي قد لا تلتزم بالسلام.
إن التحدي الأكبر أمام السودان الآن هو كيف يتم بناء توافق سياسي بين القوى المختلفة، بما في ذلك الجيش وقوات الدعم السريع، والحركات المسلحة الأخرى التي قد تكون لها مطالبها الخاصة.
بالإضافة إلى ذلك، يتعين على الحكومة السودانية المقبلة أن تتعامل مع التحديات الاقتصادية الهائلة وإعادة بناء المؤسسات الحكومية والإصلاحات السياسية التي تمثل مطلبًا شعبيًا كبيرًا في البلاد.
ويري مراقبون بأن الوضع في السودان يدخل مرحلة حاسمة، حيث يتطلب الأمر جهودًا دولية وإقليمية مكثفة لضمان استقرار البلاد وتخفيف معاناة شعبها.