واشنطن تعيد تدوير الإرهاب.. كيف تحوّلت جبهة النصرة من عدو لدود إلى شريك شرعي؟
الخميس 10/يوليو/2025 - 08:07 ص
طباعة

في خطوة مفاجئة قد تفتح الباب أمام تحولات غير متوقعة في الشرق الأوسط، أقدمت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إلغاء تصنيف جبهة النصرة، المعروفة باسم هيئة تحرير الشام، كمنظمة إرهابية أجنبية، بعد أربعة عشر عامًا من إدراجها على القائمة السوداء.
هذا القرار لم يكن مجرد تعديل قانوني عابر، بل جاء بمثابة زلزال سياسي يعكس تحولات جذرية في سياسات واشنطن تجاه سوريا والمنطقة بأكملها، خصوصًا أنه تزامن مع سلسلة تحركات دبلوماسية واقتصادية غير مسبوقة، كان أبرزها رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا بشكل مفاجئ بعد سنوات من الحصار الاقتصادي الخانق.
الوثيقة الرسمية التي نشرتها وزارة الخارجية الأمريكية، والتي وقعها وزير الخارجية ماركو روبيو، حملت دلالات كثيرة، حيث أُعلن بوضوح أنه، وبالتنسيق مع وزارة الخزانة والمدعي العام، تم شطب اسم جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام وكل أسمائها المستعارة من قائمة الإرهاب.
هذا القرار جاء بعد فترة قصيرة من لقاء جمع الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي ترامب في العاصمة السعودية الرياض، حيث تم الإعلان عن توجه أمريكي جديد يقوم على رفع العقوبات وإعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي، وتقديم دعم أمريكي للمساهمة في إعادة إعمار البلاد بعد حرب دموية استمرت أكثر من عقد.
ولم يأت هذا التحول الدراماتيكي في السياسات الأمريكية من فراغ، فالجماعات المسلحة التي لطالما تم تصنيفها كأذرع للإرهاب في المنطقة باتت اليوم ورقة ضغط سياسية بيد القوى الكبرى.
وتمثل هيئة تحرير الشام، التي كان يقودها أحمد الشرع، اليوم الفصيل الأكثر تأثيرًا في المعادلة السورية الجديدة، حيث قادت مع حلفائها الهجوم العسكري الذي أطاح بحكم الرئيس السوري السابق بشار الأسد، في عملية عسكرية خاطفة بدعم ضمني من قوى إقليمية ودولية.
ورغم أن هيئة تحرير الشام أعلنت منذ سنوات فك ارتباطها بتنظيم القاعدة وتخليها عن الفكر الجهادي المتشدد، إلا أن تاريخها الدموي والروابط الأيديولوجية القديمة لا تزال تثير الريبة في أوساط المراقبين، الذين يحذرون من أن تكون هذه التحولات مجرد مناورة سياسية لامتصاص الضغوط الدولية، مع بقاء الفكر المتطرف كامنًا في الخلفية. فمنظمة كهذه، التي تأسست في رحم تنظيم القاعدة، ولعبت دورًا محوريًا في تجنيد المقاتلين الأجانب وتصدير العنف إلى دول عدة، لا يمكن إخراجها من دائرة الاتهام بسهولة، خصوصًا أن تقارير استخباراتية عدة أشارت إلى استمرار بعض قنوات التواصل السرية بينها وبين شبكات متطرفة أخرى.
وفي أواخر عام 2012، قامت الولايات المتحدة بتنصيف "النصرة" منظمة إرهابية، بحسب بيان الخارجية الأمريكية الذي جاء فيه "قامت وزارة الخارجية بتعديل تصنيفات منظمة إرهابية أجنبية والأمر التنفيذي 13224 لتنظيم القاعدة في العراق لتشمل جبهة النصرة".
اللافت أن قرار واشنطن بإزالة اسم الهيئة من قوائم الإرهاب جاء بالتزامن مع توقيع أمر تنفيذي ينهي برنامج العقوبات الأمريكية على سوريا، وهي خطوة لم تكن متوقعة حتى من أقرب حلفاء الولايات المتحدة، في وقت يزداد فيه التنافس مع روسيا وإيران على النفوذ في دمشق.
وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن القرار الأمريكي يحمل بين طياته صفقة سياسية معقدة، هدفها الأساسي إعادة ترتيب المشهد السوري، مع الدفع نحو تقليص النفوذ الإيراني مقابل منح فصائل معينة شرعية سياسية وأمنية، تسمح لها بلعب أدوار رسمية في المرحلة المقبلة.
ما يجري اليوم يعيد إلى الأذهان سيناريوهات ماضية، حين استخدمت واشنطن جماعات متشددة في صراعاتها الإقليمية، كما حدث مع المجاهدين الأفغان خلال الحرب الباردة، حيث دعمتهم لمواجهة السوفييت، قبل أن يتحول بعضهم لاحقًا إلى منظمات إرهابية عابرة للحدود، مثل تنظيم القاعدة وطالبان. يبدو أن واشنطن تحاول اليوم استنساخ التجربة ذاتها في سوريا، ولكن بأدوات مختلفة وبخطاب سياسي جديد، يعتمد على تقديم هذه الجماعات كقوى سياسية معتدلة ومنخرطة في مشروع إعادة الإعمار والاستقرار.
قرار رفع التصنيف الإرهابي عن هيئة تحرير الشام يثير أيضًا تساؤلات جدية حول مدى جدية الحرب على الإرهاب، وهل باتت بالفعل أداة انتقائية تخضع لمعايير سياسية متغيرة بدلًا من أن تكون مسارًا دوليًا ثابتًا لمواجهة العنف والتطرف، فكيف لجماعة ارتبط اسمها لعقد ونصف بجرائم دامية وعمليات إرهابية، أن تتحول فجأة إلى طرف شرعي ومقبول دوليًا، لمجرد أنها تخلت عن شعاراتها الجهادية وبدّلت خطابها الإعلامي؟
في خلفية هذا المشهد، تتحدث مصادر مطلعة عن ضغوط شديدة تعرضت لها بعض الحكومات الإقليمية، لدعم التوجه الأمريكي الجديد، والتعامل مع هيئة تحرير الشام كطرف سياسي مشروع في المرحلة الانتقالية السورية، بما يضمن تحجيم دور إيران وحزب الله في الساحة السورية، مقابل منح الشرعية للفصائل المسلحة المحسوبة على المعسكر الأمريكي.
وبحسب هذه المصادر، فإن واشنطن تعهدت بإدخال سوريا مجددًا في نظام "سويفت" المالي العالمي، ومنحها تسهيلات اقتصادية ضخمة مقابل تراجع دور إيران، مع تقديم هيئة تحرير الشام كواجهة سياسية بديلة قادرة على ضبط الأوضاع الأمنية في شمال ووسط البلاد.
غير أن هذه الترتيبات، ورغم ما تحمله من وعود بالاستقرار، تنطوي على مخاطر بالغة، إذ ثمة خشية حقيقية من أن يكون هذا التحول بداية لمرحلة جديدة من العنف المموّه، حيث يتم تطبيع الجماعات المسلحة ومنحها أدوارًا رسمية، بينما تظل أفكارها الراديكالية كامنة تحت السطح، تنتظر الفرصة للعودة إلى الواجهة.
ويرى مراقبون أن قرار واشنطن هذا قد يُشجع جماعات أخرى على تغيير شعاراتها وخطابها السياسي فقط لتنال مكاسب سياسية ومالية، دون أي تغيير حقيقي في بنيتها الفكرية والتنظيمية.
ويشير مراقبون إلي أن القرار الأمريكي، في جوهره، لا يعكس فقط تبدلًا في مقاربة مكافحة الإرهاب، بل يفضح أيضًا ازدواجية المعايير التي لطالما انتُقدت في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث تتحول الجماعات المسلحة من أعداء إلى حلفاء، وفقًا لمصالح اللحظة.
ومع دخول سوريا مرحلة جديدة من إعادة الإعمار وإعادة تشكيل النظام السياسي، يبدو أن هيئة تحرير الشام أصبحت جزءًا من معادلة القوة الجديدة، تحت مظلة أمريكية، وبمباركة دول إقليمية، ما يطرح أسئلة خطيرة حول مستقبل الإرهاب في الشرق الأوسط، واحتمال أن نشهد موجة جديدة من العنف الممنهج، تحت غطاء الشرعية الدولية.
وبحسب مراقبون فقد يترك هذا التحول العالم أمام معضلة أمنية وسياسية معقدة، إذ بات من الصعب التمييز بين الجماعات المتطرفة الفعلية، وتلك التي قررت ارتداء عباءة الاعتدال لأسباب تكتيكية، في لعبة أمم لا تقف عند حدود المبادئ، بل تحركها حسابات المصالح والقوة.