بعد حرب مايو.. باكستان تتهم الهند بتفعيل "وكلاء الإرهاب" داخل أراضيها

الخميس 10/يوليو/2025 - 05:41 م
طباعة بعد حرب مايو.. باكستان محمد شعت
 

تشهد العلاقات الباكستانية الهندية موجة جديدة من التوتر الحاد على خلفية الاتهامات المتواصلة التي توجهها إسلام آباد إلى نيودلهي بشأن دعم الإرهاب داخل الأراضي الباكستانية، من خلال "وكلاء" وجماعات مسلحة تنشط في مناطق مختلفة من البلاد. وتأتي هذه الاتهامات بعد أشهر فقط من الاشتباك العسكري المباشر الذي جرى في مايو الماضي بين الجانبين، والذي توقّف خلال أقل من أربعة أيام، إلا أن تبعاته لا تزال تتفاعل على المستويين الأمني والدبلوماسي.

وفي بيان صادر عن إدارة العلاقات العامة للقوات المسلحة الباكستانية، عقب الاجتماع الـ271 لقادة الفيلق العسكري في راولبندي، جدّد الجيش تعهده باتخاذ "إجراءات حاسمة وشاملة" ضد ما وصفه بالوكلاء المدعومين من الهند. وقال البيان إن القيادة العسكرية ناقشت النجاحات الأخيرة التي حققتها القوات الباكستانية ضد "العناصر الإرهابية المدعومة من الخارج"، في إشارة واضحة إلى عمليات أمنية جرت خلال الأسابيع الماضية في مناطق حدودية قريبة من أفغانستان وبلوشستان.

واتهم البيان الهند بتكثيف نشاطها الاستخباراتي داخل باكستان عبر دعم جماعات متطرفة تعمل بالوكالة، خاصة بعد ما وصفه بـ"الهزيمة الهندية" في الحرب القصيرة التي تلت حادثة باهالجام في إقليم كشمير، حيث قُتل عدد من السياح الهنود في تفجير لم تتبناه أي جهة، بينما سارعت نيودلهي إلى اتهام إسلام آباد بالتورط فيه. ورغم نفي باكستان الرسمي وتحذيرها من "الزج باسمها دون أدلة"، شنت الهند غارات جوية محدودة داخل العمق الباكستاني، الأمر الذي ردّت عليه إسلام آباد بشكل عسكري مباشر، لتدخل الدولتان في مواجهة محدودة توقفت بتدخل دولي عاجل.

ورغم الهدوء النسبي على الجبهة العسكرية، تقول السلطات الباكستانية إن الهند تحوّلت إلى اعتماد "الحرب غير التقليدية"، عبر دعم خلايا مسلحة تنشط في الداخل الباكستاني، وتحديدًا في ولايات كإقليم خيبر وبلوشستان. وتشير تصريحات المسؤولين العسكريين إلى أن هذه الخلايا تحظى بدعم تقني وتمويلي من الخارج، فيما يؤكد الجيش أن وحداته الميدانية باتت ترصد أنماطًا "احترافية وممنهجة" في تنفيذ العمليات، ما يطرح فرضيات التدخل الاستخباراتي الخارجي بقوة.

أجندة هندية

ولعل اللافت في التصعيد الأخير هو توجيه أصابع الاتهام رسميًا إلى "أجندة هندية منظمة" تستهدف باكستان ليس فقط أمنيًا، بل سياسيًا ودبلوماسيًا أيضًا. فخلال الاجتماع العسكري الأخير، قدّم رئيس أركان الجيش الباكستاني، المشير سيد عاصم منير، استعراضًا للمواقف الدولية المتزايدة التي تبدي امتعاضًا من "النزعة التوسعية الهندية"، حسب تعبيره. وأضاف أن استدعاء الهند لأطراف دولية لدعم روايتها "يعبّر عن مناورة خادعة تهدف لإضفاء شرعية على دورها في المنطقة باعتبارها قوة أمنية"، محذرًا من مغبة تجاهل ما وصفه بـ"التطرف الهندوسي الذي تقوده عقيدة الهندوتفا".

على الصعيد الميداني، تنفّذ القوات الباكستانية عمليات متواصلة ضد بؤر توصف بالإرهابية، تقول إنها تتلقى دعماً خارجياً. ففي شمال وزيرستان، أعلنت القيادة الأمنية عن إحباط عملية تسلل لمسلحين يُعتقد أنهم تدربوا في معسكرات خارج الحدود، وتمت تصفية أكثر من 30 عنصرًا مسلحًا خلال اشتباك مع وحدات الجيش. وتأتي هذه العمليات بعد سلسلة من الهجمات الدامية التي شهدتها باكستان مؤخرًا، من بينها تفجير استهدف حافلة مدرسية في بلوشستان، راح ضحيته أطفال ومدنيون، وقد اعتبرته الحكومة "دليلاً صارخًا على استهداف المدنيين من قبل عملاء نيودلهي".

دبلوماسيًا، تسعى باكستان إلى تدويل القضية عبر تنشيط علاقاتها الإقليمية والدولية، حيث شملت تحركات قائد الجيش الباكستاني زيارات متعددة إلى دول مثل إيران وتركيا وأذربيجان والسعودية والإمارات، إضافة إلى زيارة وُصفت بـ"التاريخية" إلى الولايات المتحدة، هدفت إلى تقديم وجهة نظر باكستان بشأن التصعيد الأخير والتهديدات الإقليمية، خصوصًا في ظل تزايد "استخدام القوة كأداة سياسية" في المنطقة، كما ورد في البيان العسكري.

لكن في المقابل، ترفض الهند الاتهامات جملة وتفصيلًا، وتتهم باكستان بالتغطية على مسؤوليتها في "إيواء وتسهيل نشاط الجماعات الإرهابية"، خاصة تلك التي تنشط في كشمير. وقد أعربت نيودلهي، في أكثر من مناسبة، عن "خيبة أملها" من ما وصفته "ترويجًا باكستانيًا لخطاب الضحية"، معتبرة أن ذلك يُعد تهربًا من مواجهة "التحديات الحقيقية المتمثلة في الحد من الإرهاب العابر للحدود".

احتمالية تجدد الصراع

وبينما يتمسك كل طرف بروايته، فإن احتمالية تجدد المواجهة العسكرية لا تزال قائمة، رغم عدم وجود مؤشرات على نية الطرفين خوض حرب شاملة في الوقت الراهن. ومع ذلك، فإن أي عملية إرهابية جديدة قد تُنسب للهند، أو اختراق أمني يُربك الوضع الحدودي، قد يُشعل فتيل تصعيد يصعب احتواؤه، لا سيما في ظل غياب قنوات حوار مفتوحة وفعالة بين البلدين.

ويرى مراقبون أن باكستان توظّف التصعيد الأخير في تعزيز التماسك الداخلي، وترسيخ دور المؤسسة العسكرية كقوة حامية في وجه تهديد خارجي دائم. كما يُعتقد أن التركيز على “العدو الهندي” يعكس محاولة لامتصاص الضغوط السياسية والاقتصادية الداخلية، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات متراكمة، أبرزها تراجع الاقتصاد وارتفاع معدلات البطالة والتضخم.

في المحصلة، فإن الأزمة بين باكستان والهند تدخل مرحلة جديدة من التوتر، يتداخل فيها الأمني بالعسكري، والدبلوماسي بالإعلامي، ما يجعل من الضروري على الطرفين – وعلى الأطراف الإقليمية والدولية المعنية – اتخاذ خطوات استباقية تمنع انزلاق الوضع إلى مرحلة أكثر خطورة، خاصة في منطقة شديدة الحساسية، يملك طرفاها ترسانات نووية قادرة على زعزعة أمن جنوب آسيا بالكامل.

شارك