تقرير أممي يكشف انفصال جبهة النصرة عن القاعدة.. تمهيد لرفع العقوبات عن سوريا أم مناورة سياسية؟

الجمعة 11/يوليو/2025 - 11:39 ص
طباعة تقرير أممي يكشف انفصال أميرة الشريف
 
أظهر تقرير سري صادر عن الأمم المتحدة، أن "جبهة النصرة" هيئة تحرير الشام، التي تقود الحكومة الانتقالية السورية بعد الإطاحة بحكم الرئيس السابق بشار الأسد، لم تحتفظ بأي علاقات نشطة مع تنظيم القاعدة خلال الأشهر الستة الأخيرة، بحسب وكالة رويترز.
 هذه النتيجة، وإن كانت تبدو تقنية في مضمونها، إلا أن انعكاساتها السياسية قد تكون شديدة التأثير على مستقبل سوريا، وعلى اتجاه السياسات الدولية تجاهها، وعلى ملف العقوبات الأممية المفروضة منذ سنوات طويلة. 
هيئة تحرير الشام، التي كانت تُعرف سابقاً باسم جبهة النصرة، ارتبطت لفترة طويلة بتنظيم القاعدة، وكانت تمثل فرعه السوري قبل أن تعلن فك ارتباطها الرسمي به عام 2016. 
هذا الفصل بين التنظيمين لطالما قوبل بشكوك دولية، إلا أن سلوك الهيئة خلال السنوات الأخيرة، لا سيما منذ صعودها إلى السلطة، بدأ يختلف عن أنماط التنظيمات الجهادية التقليدية.
 تقرير الأمم المتحدة، الذي يغطي الفترة بين يناير و22 يونيو 2025، لم يرصد أي علاقات تنظيمية مباشرة بين الهيئة والقاعدة، ولم تسجل الأجهزة الاستخباراتية التابعة للدول الأعضاء في المنظمة الأممية أي اتصالات أو تعاون لوجستي أو مالي بين الطرفين خلال هذه الفترة.
هذه المعطيات تعزز من احتمالات أن تتقدم الولايات المتحدة، مدعومة ببعض حلفائها، بمقترح لرفع العقوبات الدولية المفروضة على الهيئة، والتي تعود إلى مايو2014، حين كانت لا تزال مصنفة كجماعة إرهابية. وتشمل العقوبات الأممية تجميد الأصول، حظر السفر على عدد من قياداتها، ومنع تصدير السلاح إليها. كما أن أحمد الشرع نفسه مدرج على قائمة العقوبات الأممية منذ يوليو2013، وهي العقوبات التي تحول دون أي تواصل رسمي مع المجتمع الدولي، وتعرقل جهود إعادة الإعمار.
لكن التقرير الأممي لم يخلُ من التحذيرات،  فقد عبرت بعض الدول الأعضاء في مجلس الأمن عن مخاوف من أن العديد من الشخصيات داخل هيئة تحرير الشام، خاصة أولئك الذين يشغلون مناصب قيادية في الحكومة الانتقالية أو الجيش السوري الجديد، لا يزالون يحملون توجهات أيديولوجية متأثرة بتنظيم القاعدة. هذه المخاوف تعكس المعضلة التي تواجه المجتمع الدولي: كيف يمكن التعامل مع جماعة كانت قبل أعوام قليلة جزءاً من منظومة الإرهاب العالمي، واليوم باتت تمسك بزمام السلطة في دولة محورية مثل سوريا؟
ورغم هذه التحفظات، فإن اللهجة العامة للتقرير كانت أقرب إلى الحيادية، وأشارت إلى أن زعيم الهيئة، ووزير داخليته أنس خطاب، يُنظر إليهما على نطاق واسع كسياسيين براغماتيين، أكثر اهتماماً بإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار الداخلي، من التمسك بخطاب أيديولوجي متشدد.
 هذا التوصيف يمثل عنصراً مهماً في النقاشات الجارية داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل العقوبات، ويُعتبر إشارة إلى أن الهيئة، أو على الأقل قيادتها العليا، قد تكون مستعدة للعب دور أكثر واقعية في سوريا ما بعد الحرب.
الولايات المتحدة، من جهتها، لم تنتظر طويلاً،  ففي مايو، أعلن الرئيس ترامب عن تغيير جذري في السياسة الأمريكية تجاه سوريا، متمثلاً في رفع العقوبات الأمريكية عن دمشق، وهو ما فُعل رسمياً بأمر تنفيذي في نهاية يونيو.
 وتُوّج هذا التوجه بإلغاء تصنيف هيئة تحرير الشام كمنظمة إرهابية أجنبية، في خطوة قوبلت بترحيب مشروط من بعض الدول، وانتقادات من أطراف أخرى لا تزال ترى في الهيئة تهديداً محتملاً.
 وبحسب تصريح صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، فإن واشنطن تراجع حالياً جميع التصنيفات الإرهابية المتبقية المتعلقة بالهيئة وسوريا، في ضوء المتغيرات الأمنية والسياسية.
وفي حال وافق مجلس الأمن على رفع العقوبات، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام سلسلة من التحولات الكبرى، ليس فقط على صعيد العلاقات الدولية مع الحكومة السورية الانتقالية، بل أيضاً في مسار إعادة الإعمار وبناء الاقتصاد السوري المنهار.
 فالعقوبات المفروضة على الكيانات السورية، بما فيها هيئة تحرير الشام، كانت تُعد من أبرز العوائق أمام تدفق الاستثمارات والمساعدات الدولية. 
رفع هذه العقوبات من شأنه أن يُنعش البيئة الاقتصادية، ويُشجع عودة رأس المال السوري المهاجر، ويفتح الباب أمام شراكات اقتصادية مع الغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة.
لكن الأهم من ذلك أن خطوة كهذه قد تضعف من نفوذ القوى المتطرفة الأخرى، التي لا تزال تنشط في بعض المناطق الحدودية.
 فالتحول السياسي الذي تقوده الهيئة، إذا ثبتت جديته، قد يُسهم في خلق نموذج بديل للجماعات الإسلامية المسلحة، يقوم على المشاركة السياسية والانخراط في المؤسسات بدلاً من العنف، وهو ما يعزز من فرضية أن منح الفرصة لهذه التجربة، رغم كل التحفظات، قد يكون أفضل من ترك الفراغات التي تستغلها تنظيمات مثل "داعش" للعودة مجدداً.
ولا يمكن إغفال البعد الجيوسياسي في هذا التحول. فبالنسبة للإدارة الأمريكية، رفع العقوبات عن سوريا لا يُعد فقط خطوة نحو الاستقرار الداخلي، بل هو أيضاً وسيلة للحد من النفوذ الإيراني والروسي المتغلغل في البلاد منذ سنوات. إن دعم حكومة سورية انتقالية أقرب إلى التوجهات الغربية قد يُعد بمثابة ورقة ضغط جديدة في لعبة التوازنات الإقليمية، ووسيلة لتقليص الحاجة إلى التدخل العسكري الأمريكي المباشر في المنطقة.
ويري مراقبون أن التقرير الأممي الذي أشار إلى غياب العلاقة بين هيئة تحرير الشام وتنظيم القاعدة ليس مجرد وثيقة أمنية، بل هو بمثابة اختبار دولي لنظرية إمكانية تحول جماعة جهادية إلى فاعل سياسي مقبول، لكن هذا التحول لا يمكن أن يُقاس فقط بعدم وجود علاقات نشطة مع القاعدة، بل يتطلب مراقبة مستمرة لسلوك الهيئة، ومدى احترامها لمبادئ الحكم الديمقراطي، وحقوق الإنسان، والانفتاح السياسي.
ويشير مراقبون إلي أن الطريق لا يزال طويلاً، لكن أولى خطواته بدأت، والتاريخ سيحكم إن كان هذا التحول حقيقياً أم مجرد مناورة تكتيكية في لعبة المصالح.

شارك