"الجنائية الدولية" تلاحق قادة طالبان.. هل بدأ الحصار الدولي للحركة ؟

في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة في التعامل الدولي مع حركة طالبان، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق هيبة الله أخوندزاده، زعيم الحركة، وعبد الحكيم حقاني، رئيس المحكمة العليا، بتهمة ارتكاب "جرائم ضد الإنسانية"، لا سيما الجرائم الممنهجة ضد النساء والفتيات في أفغانستان منذ استيلاء طالبان على السلطة في أغسطس/آب 2021. ويشكّل القرار لحظة مفصلية في العلاقة المتوترة بين حكومة طالبان غير المعترف بها دوليًا ومؤسسات العدالة الدولية، ويرتبط بسياقات قانونية وسياسية أعمق من مجرد مسألة انتهاك حقوق الإنسان.
ووفق ما أعلنته الدائرة التمهيدية
الثانية في المحكمة الجنائية، فإن الزعيمين متهمان بممارسة الاضطهاد على أساس
الجنس والهوية السياسية، من خلال فرض منظومة من القوانين والمراسيم التي منعت
النساء من التعليم والعمل والتنقل، واستهدفت كل من عارض هذه السياسات أو لم يعبّر
عن الولاء لها. وأكدت المحكمة أن هذه الممارسات ترقى إلى "اضطهاد منهجي"
و"فصل عنصري على أساس النوع الاجتماعي"، مما يجعلها تدخل ضمن إطار
الجرائم ضد الإنسانية المنصوص عليها في المادة السابعة من نظام روما الأساسي.
ويستند القرار إلى أدلة جمعتها المحكمة
على مدار أكثر من ثلاث سنوات، تتضمن شهادات من ضحايا وعائلاتهم، وتقارير أممية
ومنظمات دولية، فضلاً عن وثائق رسمية صادرة عن سلطات طالبان، التي استخدمت مؤسسات
الدولة لإحكام قبضتها الأيديولوجية والاجتماعية على المجتمع، خاصة النساء
والفتيات. وقد أظهر التحقيق، بحسب المدعي العام كريم خان، أن السياسات التي وُضعت
لم تكن عرضية أو فوضوية، بل نُفذت ضمن خطة ممنهجة لإعادة تشكيل المجتمع وفق
أيديولوجيا الجماعة، على حساب الحريات الفردية والكرامة الإنسانية.
عودة إلى الواجهة
قرار المحكمة يأتي في لحظة مفصلية
أيضًا في مسار عمل المحكمة الجنائية نفسها، التي تواجه منذ سنوات انتقادات بأنها
انتقائية أو محدودة التأثير. ويعيد هذا التطور إحياء الجدل حول فعالية العدالة
الدولية في محاسبة القادة الفاعلين على الأرض، وليس فقط أولئك الذين خسروا السلطة.
فمنذ تأسيسها عام 2002 بموجب نظام روما الأساسي، أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق
رؤساء دول مثل عمر البشير في السودان، ومعمّر القذافي في ليبيا، لكنها لم تنجح
دائمًا في تنفيذ تلك المذكرات لأسباب سياسية ولوجستية.
في حالة طالبان، يتعقد المشهد بسبب استمرار
الحركة في حكم أفغانستان الفعلي، وغياب الاعتراف الدولي بها. ومع ذلك، فإن مجرد
صدور مذكرة التوقيف يضع زعيمها والقاضي الأول فيها ضمن "القائمة
السوداء" للمجتمع الدولي، ويجعل من أي تحرك خارج البلاد مخاطرة قانونية. كما
قد يُفقد الحركة أية فرصة لكسب الاعتراف الدولي الذي تسعى إليه بشتى الطرق، ويدفع
باتجاه مزيد من العزلة والضغوط.
قرار المحكمة، كما يرى مراقبون، يمثل
عودة رمزية للعدالة الدولية نحو ملف أفغانستان، بعد أن غاب عن أولويات المجتمع
الدولي لصالح ملفات أخرى أكثر سخونة مثل أوكرانيا وغزة والساحل الإفريقي. وهو يرسل
رسالة واضحة بأن الجرائم ضد النساء والفتيات، مهما كان غلافها الأيديولوجي، لن
تمرّ دون مساءلة.
طالبان ترد: عدالة منحازة أم استهداف
ديني؟
رد فعل طالبان جاء غاضبًا ومشحونًا
بالخطاب الديني والسياسي، حيث وصف المتحدث باسمها ذبيح الله مجاهد المحكمة بأنها
"لا تمثل شيئًا"، واعتبر الاتهامات "عداء صريحًا للإسلام
والشريعة". وأضاف أن الجماعة تطبق أحكام الإسلام كما تفهمها، وأن ما يُقدّم
كجرائم ضد الإنسانية لا يعدو كونه تطبيقًا لحدود الشريعة التي "يرفضها
الغرب".
بيان طالبان لم يخلُ من استحضار للقضية
الفلسطينية، إذ تساءل المتحدث عن غياب العدالة الدولية أمام ما وصفه
بـ"الجرائم الإسرائيلية اليومية في غزة"، ما يعكس استراتيجية دعائية
معتادة لدى الجماعة في التلويح بالمعايير المزدوجة للعدالة الغربية. وهي محاولة
واضحة لإعادة تأطير النقاش من حقوق الإنسان إلى صراع حضاري أوسع بين الإسلام
والغرب.
لكن مراقبين يرون أن هذا الخطاب، رغم
تأثيره المحدود داخليًا، لا يصمد أمام الحقائق الموثقة دوليًا. إذ أن ممارسات
طالبان بحق النساء شملت إغلاق المدارس والجامعات، وتقييد التنقل، وفرض الحجاب
الإجباري، ومنع النساء من العمل في معظم القطاعات، وصولًا إلى محاكمة من يظهرن في
الأماكن العامة من دون مرافق ذكر.
تأثيرات محتملة
صدور مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية
الدولية بحق قادة طالبان قد لا يُترجم مباشرة إلى اعتقال فعلي، لكنه يحمل تأثيرًا
قانونيًا وسياسيًا عميقًا. فعلى المستوى الدولي، ستكون أي دولة تستقبل هؤلاء
القادة معرضة لضغوط أو مساءلات، ما سيحدّ من تحركاتهم ويقيد آفاقهم الدبلوماسية.
كما أن الدول التي فتحت قنوات تواصل مع
طالبان – مثل الصين، روسيا، إيران، قطر، وتركيا – ستجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا.
هل تستمر في الحوار مع حكومة تواجه اتهامات جنائية دولية؟ أم تعيد تموضعها السياسي
بما يحفظ مصالحها دون التورط في دعم سلطات متهمة بانتهاكات جسيمة؟
على الصعيد الداخلي، من المتوقع أن
تستثمر طالبان القرار لتعزيز سرديتها المعتادة عن "الاستهداف الغربي"،
وحشد أنصارها في مواجهة ما تصفه بـ"حرب دولية على الإسلام". إلا أن هذه
الورقة لن تُخفف من الضغط المتزايد من قبل النساء والناشطين الذين يرون في القرار
فرصة تاريخية لكسر حاجز الخوف والمطالبة بمحاسبة قادة طالبان أمام القانون الدولي.
وتذهب قراءات إلى أن القرار قد يفتح
الباب أمام محاكمات مستقبلية بحق مسؤولين آخرين في الحركة، خصوصًا أولئك المرتبطين
بجهاز الأمن ووزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي تُتهم بتطبيق سياسات
قمعية شديدة القسوة. وقد يشكل هذا بداية مسار طويل يُعيد الاعتبار للضحايا، ويعزز
من ثقافة التوثيق والمساءلة، حتى في ظل غياب أدوات تنفيذية فورية.
وربما تكون إحدى أهم نتائج القرار على
المدى المتوسط، أنه يُحدّ من قدرة طالبان على التفاوض بشأن الاعتراف الدولي أو رفع
العقوبات. فوجود زعيمها على قائمة المطلوبين دوليًا يجعل أي حوار رسمي معها
معقدًا، ويُضعف حجة من يدافعون عن "البراجماتية السياسية" في التعامل
معها.