تصاعد التطرّف العنصري في إسبانيا.. اشتباكات في توري باتشيكو تكشف وجهًا جديدًا للإرهاب الداخلي
الثلاثاء 15/يوليو/2025 - 10:35 ص
طباعة

في تطور ينذر بتداعيات خطيرة على السلم المجتمعي في أوروبا، تحولت بلدة توري باتشيكو الواقعة في إقليم مورسيا الإسباني إلى مسرحٍ لاشتباكات عنيفة بين سكان محليين ومهاجرين، في مشهد يعكس تصاعد التوترات العرقية والتحديات المتراكمة في ملف الاندماج.
هذه الأحداث، التي بدأت في أعقاب اعتداء على رجل إسباني مسن، كشفت عن تصدعات عميقة في نسيج المجتمع المحلي، وأعادت إلى الواجهة نقاشًا ملحًا حول تنامي العنصرية وتوظيف العنف السياسي في سياقات ترتبط عضوياً بقضية الإرهاب الداخلي الذي بات يهدد استقرار أوروبا من الداخل، لا من الخارج فحسب.
وأعلنت الشرطة الإسبانية عن توقيف عشرة أشخاص منذ بدء الاضطرابات، من بينهم ثلاثة مهاجرين متهمين بالمشاركة في الاعتداء على الرجل البالغ من العمر 68 عامًا، والذي أظهر مقطع مصوّر لحظة تعرضه للضرب المبرح على يد ثلاثة شبان، قالت السلطات إنهم من أصول شمال أفريقية.
الحادث، الذي وقع في وضح النهار، أشعل غضباً واسعاً في أوساط سكان البلدة، ولم تمضِ ساعات على انتشاره حتى بدأت جماعات يمينية متطرفة بتنظيم تحركات في الشوارع، استهدفت المهاجرين لفظيًا وجسديًا، مستخدمة الحدث كمبرر لتصعيد عنصري غير مسبوق.
الموقوفون السبعة الآخرون، بينهم مواطنون إسبان ومغربي واحد، اعتقلوا لتورطهم في أعمال شغب أعقبت الحادث، وُجهت لهم تهم تتعلق بالإخلال بالنظام العام، والتحريض على الكراهية، وارتكاب أعمال عنف متعمدة.
وكشفت السلطات أن جزءًا كبيرًا من المشاركين في الاضطرابات قدموا من خارج توري باتشيكو، وأن عددًا كبيرًا منهم يحمل سجلات جنائية مرتبطة بسوابق عنف، في إشارة إلى وجود تعبئة منظمة عبر شبكات تطرف يميني تعمل على مستوى وطني، وربما عابر للحدود.
في مواجهة هذا التصعيد، سارعت الحكومة إلى تعزيز الانتشار الأمني في البلدة، حيث أكدت مندوبة الحكومة المركزية في مورسيا، ماريولا غيفارا، أن الأمور باتت تحت السيطرة مع حلول مساء الأحد، بفضل تدخل أمني مكثف واعتقالات مستمرة شملت حتى الآن نحو عشرة أشخاص.
ومع ذلك، لا تزال المخاوف قائمة من عودة التوتر في أي لحظة، خاصة في ظل استمرار التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت المنصة الأبرز لتحركات الجماعات المتطرفة في أوروبا.
منظمات حقوقية محلية ودولية سارعت إلى التنديد بما وصفته بـ"التحريض العنصري"، حيث دعت الجمعية المغربية لدمج المهاجرين إلى ضرورة وقف الاعتداءات وضمان حماية حقيقية للجاليات المقيمة، محذّرة من أن العنف قد يأخذ منحى أكثر تطرفاً إذا لم تتم معالجة جذور الأزمة، لا الاكتفاء بالتدخلات الأمنية الظرفية.
ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه الجالية المغربية أكبر جالية أجنبية في إسبانيا، إذ تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد المغاربة المقيمين في البلاد يتجاوز 920 ألف شخص، معظمهم يتركزون في مناطق زراعية ويعملون في ظروف صعبة ضمن قطاعات تعتمد على اليد العاملة الرخيصة.
وقال رئيس بلدية توري باتشيكو، بيدرو أنخيل روكا، إن المهاجرين يشكلون نحو 30% من سكان البلدة، ومعظمهم يقيمون فيها منذ أكثر من عشرين عاماً، مندمجين في سوق العمل المحلي، لكنه في الوقت ذاته حذّر من مخاطر استغلال الحادث الأخير من قبل جماعات متطرفة قدمت من خارج البلدة لإثارة الفوضى، مؤكدًا أن مكافحة الجريمة يجب ألا تُستغل لتبرير خطاب الكراهية أو لتشويه صورة المهاجرين بأكملهم بسبب أفعال فردية.
ما جرى في توري باتشيكو لا يمكن فصله عن موجة صعود اليمين المتطرف في أوروبا خلال العقد الأخير، حيث بات هذا التيار يحظى بتأثير سياسي واجتماعي متزايد، ويستغل حوادث معزولة لتأجيج الخوف، خصوصاً حين يكون ذلك الآخر مهاجراً أو مسلمًا.
ومع وجود وسائل تواصل اجتماعي مفتوحة، تتحول هذه الحوادث بسرعة إلى وقود لحملات تحريضية منظمة، تتجاوز الحدود الجغرافية وتؤثر في الرأي العام بشكل لحظي.
التحريض الذي قادته جماعة "اطردوهم الآن" عبر تطبيق تليغرام ليس سوى نموذج على هذه الديناميكيات. الجماعة، المعروفة بارتباطاتها بعدد من المجموعات العنصرية في أوروبا، دعت صراحة إلى مطاردة المهاجرين المغاربة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت بعض هذه الجماعات تمثل تهديدًا أمنيًا حقيقيًا يعادل التهديدات التي تمثلها الحركات الجهادية، خصوصاً من حيث قدرتها على تعبئة الشارع واستخدام أدوات رقمية لنشر العنف.
وأشار تقرير حديث صادر عن وكالة الشرطة الأوروبية "يوروبول" بوضوح إلى أن الإرهاب اليميني يمثل اليوم أحد أخطر التهديدات الأمنية في القارة، حيث تتنامى خلايا وشبكات تنشط تحت رادار المؤسسات الرسمية، وغالبًا ما تجد غطاءً سياسياً ضمن بعض الأحزاب اليمينية الصاعدة.
في هذا السياق، تبدو أحداث توري باتشيكو ليست مجرد شغب محلي، بل إنذار أمني بضرورة إعادة تقييم المخاطر التي يشكلها التطرف العنصري في الداخل الأوروبي.
إذا كانت إسبانيا قد نجحت في احتواء الاشتباكات الأخيرة أمنيًا، فإن التحدي الحقيقي لا يزال قائمًا: كيف يمكن ضمان السلم المجتمعي في مدن باتت تعاني من استقطاب حاد، وتواجه ضغوطًا ديمغرافية واقتصادية، وسط بيئة إعلامية مشبعة بالتحريض والكراهية؟ الجواب لا يكمن فقط في زيادة عدد قوات الشرطة، بل في تبني استراتيجية شاملة تعالج جذور التهميش الاجتماعي، وتواجه خطاب الكراهية بنفس الصرامة التي تُواجه بها تهديدات الإرهاب التقليدي.
ويري مراقبون أن تجربة السنوات الأخيرة أظهرت بأن الإرهاب لم يعد حكرًا على جماعات منظمة تتبع أيديولوجيا دينية متطرفة، بل بات يتجلى أيضًا في أعمال عنف داخلي تقوم بها مجموعات قومية متطرفة، تجد لنفسها مبررات زائفة باسم "الدفاع عن الهوية" أو "استعادة السيادة"، وهنا، يصبح لزامًا على الحكومات الأوروبية أن تتعامل مع هذا النوع من التطرف بنفس القدر من الحزم والتحليل الأمني والاستخباراتي، وإلا فإن مجتمعاتها ستظل عرضة لاندلاع أزمات مشابهة، وربما أكثر دموية، في المستقبل القريب.