أزمة اللاجئين.. هل تعمق الفجوة بين طالبان وإيران؟
الثلاثاء 15/يوليو/2025 - 08:22 م
طباعة

في مشهد متكرر، لكنه هذه المرة أكثر قسوة وشمولًا، تواصل إيران ترحيل مئات الآلاف من اللاجئين الأفغان، في واحدة من أكبر موجات الإعادة القسرية في تاريخ الجوار الإقليمي لأفغانستان. وعلى الرغم من أن طهران استضافت ملايين الأفغان لعقود طويلة، فإن نهجها تجاه اللاجئين شهد تحوّلًا صارخًا منذ سيطرة حركة طالبان على العاصمة كابول في أغسطس 2021، حتى بلغ مستوى الترحيل ذروته خلال الأسابيع الماضية، ما أثار قلقًا دوليًا واسعًا بشأن انتهاكات محتملة لحقوق الإنسان، وتفاقم الأزمة الإنسانية في الداخل الأفغاني.
الأمننة والتكتيك السياسي
يندرج سلوك إيران تجاه اللاجئين ضمن ما تسميه الدراسات الأمنية الحديثة "نظرية الأمننة"، التي تفترض أن الحكومات قد تُضفي طابعًا أمنيًا على قضايا معينة – كالهجرة – لتبرير اتخاذ تدابير استثنائية. وبحسب هذا المنظور، لم تعد قضية اللاجئين مجرد مسألة إنسانية، بل تحوّلت إلى معطى سياسي وأمني وظفته طهران لتعزيز خطابها الداخلي وتوجيه رسائل ضمنية إلى أطراف خارجية.
ففي ظل الأزمات الاقتصادية الخانقة الناتجة عن العقوبات الغربية وتراجع قيمة العملة، إلى جانب التوترات الإقليمية مع إسرائيل والولايات المتحدة، لجأت إيران إلى استخدام ملف اللاجئين كأداة ضبط اجتماعي ورسالة سياسية مزدوجة. اتهم وزير الداخلية الإيراني بعض اللاجئين بالتورط في "أعمال تخريبية"، ما يعكس محاولة لصناعة تهديد داخلي يُوظف لتبرير السياسات الأمنية المشددة، وتحويل الأنظار عن الأزمات الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية.
وتحمل عمليات الترحيل رسائل متعددة: فهي، من جهة، محاولة لإظهار القبضة الأمنية الصارمة أمام الداخل الإيراني؛ ومن جهة أخرى، تُستخدم كورقة ضغط ضد حكومة طالبان التي لا تزال تواجه صعوبات في نيل الاعتراف الدولي، كما تهدف إلى تسليط الضوء على ما تعتبره طهران تقاعسًا دوليًا في احتواء الأزمة الأفغانية، وتحميل الآخرين جزءًا من العبء الإنساني.
ويدعم هذا التوجه شعور إيران بالضغط نتيجة تصاعد التوترات الإقليمية في الخليج والبحر الأحمر، إضافة إلى التحالفات الأمنية الناشئة بين إسرائيل وبعض الدول العربية، ما جعل إيران ترى في سياسات الترحيل أداة للرد غير المباشر على الضغوط الخارجية.
أزمة تتجاوز القدرة
تُظهر الأرقام فداحة المشهد؛ إذ تشير بيانات رسمية إيرانية إلى أن نحو 717 ألف أفغاني قد تم ترحيلهم من إيران هذا العام، فيما قالت حركة طالبان إن نحو نصف مليون لاجئ دخلوا البلاد في أقل من شهر واحد فقط. وتُقدّر إدارة اللاجئين الإيرانية أن 6.1 مليون أفغاني يعيشون على أراضيها، وتُخطط لتقليص هذا العدد إلى ثلاثة ملايين، أي بنحو النصف، خلال فترة قصيرة.
لكن استقبال هذا العدد الكبير من العائدين يشكل عبئًا هائلًا على حكومة طالبان التي تعاني أصلًا من عجز حاد في الموارد وافتقار للبنية التحتية المؤسساتية. فثلثا السكان في أفغانستان بحاجة إلى مساعدات إنسانية، والخدمات العامة – خاصة في المناطق الريفية – شبه مشلولة، والتعليم معطّل – لا سيما للفتيات – بينما البطالة والفقر ينتشران بشكل كبير، ما يجعل عودة اللاجئين في هذه الظروف عامل ضغط إضافي يمكن أن يتسبب في اضطرابات اجتماعية واقتصادية.
ويحذر المجلس النرويجي للاجئين من أن القدرات الإنسانية المحلية "تُستنزف بشكل خطير"، مشيرًا إلى أن الكثير من العائدين عاشوا في إيران لعقود، وبعضهم وُلد هناك، ويعودون الآن إلى وطن لا يملك الحد الأدنى من مقومات الحياة. وقال جاكوبو كاريدي، رئيس القسم الأفغاني في المجلس، إن "مستوى الاحتياجات تجاوز الموارد المتاحة"، وإنهم يشهدون "وصول عائلات مرهقة ومصدومة".
ضغوط متزايدة على طالبان
من الناحية السياسية، تمثل هذه الأزمة اختبارًا كبيرًا لقدرة حركة طالبان على الحكم. فمع تزايد الضغوط الداخلية الناتجة عن البطالة ونقص الغذاء وغياب التنمية، تجد الحركة نفسها مضطرة لاستيعاب مئات الآلاف من العائدين دون وجود خطة واضحة لإعادة دمجهم. هذا الوضع قد يؤدي إلى تصعيد التوترات داخل المجتمعات المحلية، خاصة إذا ما نشبت صراعات على الموارد أو ارتفعت معدلات الجريمة والنزوح الداخلي.
وعلى المستوى الرمزي، تضع الأزمة طالبان في موقف حرج؛ فهي تدّعي أنها استعادت "السيادة" على البلاد، لكن عجزها عن تأمين حياة كريمة للعائدين قد يقوّض شرعيتها في نظر السكان، بل وربما يشجع على تجدد حركات التمرد أو المعارضة المسلحة، لاسيما في ولايات حدودية تعاني من التهميش التاريخي.
علاقات على حافة التوتر
في ظل هذا التصعيد، تبرز تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين إيران وحركة طالبان. فعلى الرغم من وجود تنسيق في بعض الملفات، فإن طهران لم تعترف رسميًا بحكومة طالبان، واحتفظت بموقف براغماتي حذر. العلاقات بين الطرفين لطالما كانت مضطربة؛ فإيران ذات الأغلبية الشيعية تنظر بريبة إلى حكم طالبان ذي الخلفية السنية المتشددة، لكن الحاجة إلى الاستقرار على الحدود، ومصالح التجارة والطاقة، دفعت الجانبين إلى التعايش الواقعي.
غير أن استخدام طهران لملف اللاجئين كأداة ضغط سياسي قد يُفسَّر في كابول على أنه ابتزاز دبلوماسي أو محاولة لإخضاع طالبان لمطالب إيرانية معينة، كمنح امتيازات اقتصادية، أو ضبط الجماعات السنية المعارضة لإيران على الحدود. هذا التفسير قد يزيد من تدهور العلاقة بين الجانبين، وربما يدفع طالبان إلى التقارب أكثر مع دول منافسة لإيران، مثل باكستان أو تركيا أو قطر، ما قد يُحدث تحولًا في التوازن الإقليمي الهش.
لا تقتصر عمليات الترحيل على إيران، بل تتكرر في باكستان أيضًا، ما يُضاعف حجم الأزمة. وتقول بيانات الأمم المتحدة إن 1.4 مليون لاجئ عادوا إلى أفغانستان هذا العام، منهم أكثر من مليون من إيران وحدها، مما يُنذر بانهيار إنساني غير مسبوق.
وقد دعا الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي الدول المضيفة إلى وقف الترحيلات القسرية، معتبرًا أن الظروف في أفغانستان "غير مؤهلة" لعودة اللاجئين. وقال إن عمليات الإعادة القسرية "يمكن أن تُفاقم الوضع الأمني وتُولّد تهديدات جديدة لا تصب في مصلحة أحد".
كما أعربت منظمات دولية عن قلقها من تأثيرات هذه الموجات على الاستقرار الاجتماعي، محذرة من أن عودة اللاجئين دون تخطيط مسبق قد تُشعل موجات نزوح داخلي، أو تدفع العائدين إلى البحث عن طرق هجرة جديدة غير نظامية، ما يُعيد تدوير الأزمة.
حتى الآن، لا تلوح في الأفق أي مبادرة دولية فعّالة لمعالجة الأزمة بشكل جذري. فالمجتمع الدولي لا يزال مترددًا في التعامل مع حكومة طالبان، ما يعوق تنفيذ خطط إنمائية شاملة، ويُحبط فرص إعادة دمج العائدين. وفي المقابل، تواصل الدول المضيفة للاجئين – وفي مقدمتها إيران – سياسات الضغط والإبعاد، دون الالتزام بمعايير العودة الطوعية والكريمة المنصوص عليها في المواثيق الدولية.
وتذهب قراءات إلى أن هناك مخاوف من أن يؤدي استمرار هذه الأزمة إلى مزيد من الانهيار في البنية المجتمعية الأفغانية، وزيادة عزلة طالبان دوليًا، وهو ما قد يفتح الباب أمام تصاعد موجات التطرف أو تدخلات إقليمية جديدة، في بلد لم يتعافَ بعد من حروبه الطويلة.