إعلان مبادئ في الدوحة بين الكونغو وحركة إم 23.. بارقة أمل أم جرس إنذار في وجه الإرهاب؟

السبت 19/يوليو/2025 - 01:10 م
طباعة إعلان مبادئ في الدوحة أميرة الشريف
 
 شهدت العاصمة القطرية الدوحة، 19 يوليو 2025، توقيع إعلان مبادئ بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وحركة "إم 23" المتمردة، في مسعى لإنهاء القتال الدموي الذي يعصف بشرق البلاد.
 الإعلان، الذي تم برعاية قطرية ومراقبة دولية، يشكل نافذة أمل وسط واحدة من أكثر النزاعات تعقيدًا في إفريقيا، والتي لطالما ارتبطت بمصالح متشابكة، وحروب بالوكالة، وتداخلات إقليمية تغذيها سياسات النفوذ والإرهاب المتستر.
تأتي هذه الخطوة بعد محادثات استمرت عدة أيام في الدوحة خلال مطلع أبريل الماضي، وهي الأولى من نوعها منذ أن شنت حركة "إم 23" هجومها الخاطف على شرق الكونغو، مسيطرة على مدن استراتيجية، أبرزها مدينتا غوما وبونياغانا. 
وشكل هذا التصعيد المفاجئ صدمة للمجتمع الدولي، خصوصًا مع الكلفة الإنسانية الكارثية التي خلفها الهجوم؛ إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى مقتل الآلاف، ونزوح مئات الآلاف من المدنيين، أغلبهم من النساء والأطفال، في مشهد لا يختلف كثيرًا عن صور النزاعات الطائفية في مناطق الصراع الكبرى، إلا أن أهمية الاتفاق الأخير لا تكمن فقط في محتواه –الذي لا تزال تفاصيله الدقيقة طي الكتمان– بل في توقيته وسياقه. 
فالمحادثات جاءت في ظل ضغط دولي متزايد على أطراف النزاع، وسط تحذيرات من تحول الصراع في شرق الكونغو إلى بؤرة إرهاب جديدة في القارة الإفريقية.
 فالحركة المتمردة، التي تأسست بدعوى الدفاع عن مصالح أقلية التوتسي، متهمة دوليًا بالحصول على دعم مباشر من رواندا المجاورة، وهو ما تؤكده تقارير أممية وغربية منذ سنوات، وتدعمه أدلة على وجود تسليح وتمويل ووجود ميداني لعناصر رواندية داخل الكونغو.
رواندا، من جانبها، تنفي باستمرار هذه الاتهامات، مدعية أن تدخلها يأتي في إطار "الدفاع عن النفس"، وتحديدًا لمواجهة ميليشيات كونغولية تدّعي كيغالي أنها مكوّنة من مرتكبي الإبادة الجماعية التي شهدتها البلاد عام 1994. 
ولم يعد هذا التبرير مقنعًا للمجتمع الدولي، خاصة مع تواتر الأدلة على تورط رواندي مباشر في دعم إم 23، التي أدرجت في أكثر من تقرير دولي ضمن الجماعات المسلحة التي قد تشكل تهديدًا أمنيًا إقليميًا وربما دوليًا.
وما يعزز القلق من تحول شرق الكونغو إلى مرتع للإرهاب هو تفكك السلطة المركزية في بعض المناطق، ووجود أكثر من 120 جماعة مسلحة تنشط في الإقليم، أغلبها ذات طابع عرقي أو طائفي، وبعضها على صلة بتنظيمات إرهابية دولية، مثل "داعش" و"القاعدة"، كما تشير عدة تقارير استخباراتية. 
في هذا السياق، تصبح حركة إم 23 –بصرف النظر عن خلفيتها العرقية أو السياسية– جزءًا من مشهد معقد قد ينفجر في أي لحظة، مما يهدد بإشعال حرب إقليمية جديدة في قلب إفريقيا، ويفتح الباب واسعًا أمام الجماعات الإرهابية لتجنيد ونشر نفوذها بين المهجرين واللاجئين والمقاتلين السابقين.
ولا يمثل الاتفاق الذي تم توقيعه في الدوحة نهاية المطاف، بل هو بداية مسار طويل وشائك لإحلال السلام. ويعرف المتابعون للملف الكونغولي أن الهدنات الورقية سبق أن أُبرمت عدة مرات، لكنها سرعان ما تهاوت تحت نيران السلاح.
 لكن هذه المرة، ثمة مؤشرات مختلفة: أولًا، الوساطة جاءت من قطر، الدولة التي باتت تلعب دورًا فاعلًا في الوساطات الإقليمية والدولية، مع سجلّ حديث يشمل أفغانستان، السودان، وملفات معقدة في الشرق الأوسط.
 ثانيًا، الضغوط الغربية، لا سيما من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بلغت حدّ التهديد بفرض عقوبات على قادة سياسيين وعسكريين في المنطقة إذا ما استمرت الأعمال العدائية.
 ثالثًا، هناك رغبة متنامية في بعض الأوساط الإفريقية، خصوصًا داخل الاتحاد الإفريقي، في إنهاء الحروب بالوكالة، التي تُستخدم فيها الحركات المتمردة كأدوات جيوسياسية لزعزعة الخصوم.
لكن العقبة الكبرى أمام تنفيذ إعلان المبادئ تكمن في غياب الثقة بين الطرفين، وتحديدًا في ما يتعلق بالتزامات حركة إم 23 بنزع السلاح، وتسليم المناطق التي سيطرت عليها، والانخراط في عملية سياسية شاملة.
 فعلى الرغم من توقيع الاتفاق، فإن قيادات الحركة لم تصدر حتى الآن موقفًا رسميًا واضحًا بشأن الخطوات العملية المقبلة، بينما تخشى حكومة كينشاسا من أن يكون التوقيع مجرد مناورة تكتيكية لالتقاط الأنفاس، لا أكثر.
كما أن المعضلة الأمنية في شرق الكونغو لا تتعلق فقط بإم 23، بل بمنظومة متشابكة من الفاعلين المحليين والدوليين، ومصالح اقتصادية ضخمة، أهمها الثروات المعدنية التي تزخر بها المنطقة، وعلى رأسها الكولتان والكوبالت، وهما عنصران أساسيان في صناعة التكنولوجيا الحديثة، ما يجعل الإقليم ساحة صراع مفتوحة بين الشركات العالمية، وشبكات التهريب، والقوى الإقليمية المتصارعة.
ويري مراقبون أن الاتفاق الموقّع في الدوحة يجب أن يُنظر إليه كخطوة أولى في ماراثون طويل، لا كحدث نهائي. وإذا أراد المجتمع الدولي، ومن ضمنه قطر، إنجاح هذه المبادرة، فإن الأمر يتطلب مراقبة لصيقة للالتزامات، وآلية محاسبة واضحة لأي خروقات، وضمان إشراك المجتمع المدني المحلي، وتوفير الحماية للمدنيين، خاصة في المناطق التي كانت تحت سيطرة المسلحين.
وفي الوقت نفسه، من الضروري أن تتم معالجة الملف الأكبر المتعلق بالإرهاب العابر للحدود في إفريقيا الوسطى والشرقية.
 فالحركات المسلحة في الكونغو باتت تُستَخدم أو قد تُستخدم كممرات لتهريب السلاح، وتدريب المقاتلين، وتوسيع نفوذ الجماعات المتطرفة، وإذا لم يتم تطويق هذه البؤر مبكرًا، فقد يستفيق العالم قريبًا على مشهد جديد من "صوملة" الشرق الإفريقي، حيث تتقاطع الأجندات الإقليمية والدولية فوق جثث المدنيين.
ويشير مراقبون إلي أن توقيع إعلان المبادئ في قطر هو جرس إنذار لا يقل أهمية عن كونه بارقة أمل،  إنذار بأن العنف إذا تُرك ليستشري، فإنه سيتحول إلى سرطان سياسي وأمني تتجاوز تداعياته حدود الكونغو بكثير، وبادرة أمل في أن الإرادة السياسية، إذا اقترنت بوساطة نزيهة، وضغط دولي مسؤول، يمكنها أن تضع حدًا لصراع حصد من الأرواح أكثر مما حصدت حروب كاملة في أماكن أخرى من العالم.

شارك