البيضاء نموذجًا.. الحوثيون يحولون المحافظة إلى ساحة مفتوحة للانتهاكات

الثلاثاء 22/يوليو/2025 - 01:26 ص
طباعة البيضاء نموذجًا.. فاطمة عبدالغني – أميرة الشريف
 
منذ اندلاع الحرب في اليمن مطلع عام 2015، شكلت محافظة البيضاء واحدة من أبرز المناطق التي تعرضت لانتهاكات جسيمة من قبل مليشيا الحوثي، نظراً لموقعها الجغرافي الحساس وتنوعها القبلي والاجتماعي، ما جعلها هدفًا مباشراً لسياسات القمع والترهيب التي تنتهجها الجماعة المسلحة. 
وفي هذا السياق، أصدرت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات تقريرًا شاملاً وثّقت فيه حجم المآسي التي عاشها سكان المحافظة على مدى عشر سنوات، حيث رُصدت نحو 8,186 حالة انتهاك وأضرار بشرية ومادية منذ يناير 2015 وحتى يناير 2025، ما يعكس فداحة الوضع الإنساني المتدهور وتنامي الطابع الإجرامي لسلطة الأمر الواقع الحوثية في المحافظة.
وبحسب التقرير، قُتل 842 مدنيًا، بينهم نساء وأطفال، بوسائل متعددة وصادمة، أبرزها عمليات القنص التي حصدت أرواح 61 ضحية، إضافة إلى 285 مدنيًا أُعدموا بإطلاق النار المباشر، و198 سقطوا جراء قصف عشوائي استهدف الأحياء السكنية، فيما زرعت الألغام المضادة للأفراد الموت في طرق المدنيين، فحصدت أرواح 214 شخصًا، كما أشار التقرير إلى 41 حالة إعدام ميداني، و13 حالة قتل باستخدام الديناميت في هجمات محددة، و18 حالة قتل بوسائل لم يُفصح عنها، و14 حالة تعذيب انتهت بالوفاة، إضافة إلى 8 حالات قتل مرتبطة بالاصطدام بآليات حوثية، و17 حالة أخرى وقعت ضمن سياقات عنف متعددة.
أما عدد المصابين فقد بلغ 931 مدنيًا، بينهم نساء وأطفال، وتنوعت أسباب الإصابات لتشمل 93 إصابة مباشرة من قناصين، و271 إصابة بطلقات نارية، و163 إصابة جراء قصف عشوائي، و309 إصابات ناتجة عن ألغام تسببت في إعاقات جسدية ومضاعفات نفسية دائمة، إلى جانب 34 إصابة نتيجة هجمات بالديناميت، و14 حالة تعذيب خلفت آثارًا جسدية، و16 إصابة جراء تصادمات مع آليات حوثية، و29 إصابة بسبب حوادث أخرى.
ولم تقف الانتهاكات عند الجوانب البشرية فقط، بل شملت تدميرًا واسعًا للممتلكات العامة والخاصة، حيث تم توثيق 2,691 انتهاكًا متعلقًا بالأعيان المدنية، أبرزها 714 حالة تضرر جزئي في المنازل بسبب القصف، و346 حالة هدم كلي لمنازل الأهالي، و103 هجمات بالديناميت على بيوت السكان، بالإضافة إلى سرقة 171 مركبة خاصة، وتلف في 48 من أماكن العبادة، و12 مرفقًا صحيًا، و17 بئر مياه، و62 مزرعة، و178 محلاً تجاريًا، و114 مركبة، و38 منشأة حكومية. 
كما وثق التقرير 476 حالة اقتحام منازل، و312 حالة سرقة لممتلكات خاصة، وسبع حالات اعتداء على مقرات حزبية، و23 حالة إغلاق لمدارس خاصة، و54 حالة إغلاق لمدارس حكومية، وهو ما يشير إلى سياسة ممنهجة لتفريغ المجتمع من مراكزه التربوية والخدمية.
وعلى صعيد الحريات الشخصية، سجلت الشبكة 2,780 حالة اعتقال واختطاف، و366 حالة اختفاء قسري، و132 حالة تعذيب جسدي ونفسي، وغالبيتها تم في ظل غياب تام لأي رقابة قضائية أو قانونية، ما يعكس طبيعة نظام القمع الأمني الذي تفرضه المليشيات على المناطق الواقعة تحت سيطرتها، واستهدافها المتكرر للنشطاء والمواطنين المناهضين لأفكارها الطائفية أو المعترضين على أساليب حكمها.
وتؤكد الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن هذه الانتهاكات تشكل خرقًا صارخًا لاتفاقيات جنيف، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكافة القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني، مشددة على أن ما جرى ويجري في محافظة البيضاء من ممارسات بحق المدنيين الأبرياء يرقى إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ويعكس بوضوح الطابع القمعي والطائفي العنيف لمليشيا الحوثي التي تسعى من خلال هذه السياسات إلى بسط هيمنتها عبر إشاعة الرعب والخوف في نفوس السكان، وتصفية كل صوت معارض لها.
ويرى المراقبون أن هذا التقرير يوثق بشكل ممنهج ومسؤول واحدة من أسوأ الكوارث الحقوقية التي عرفها اليمن خلال العقد الماضي، إذ يتجاوز الطابع العددي إلى رسم صورة شاملة عن واقع الانهيار الكامل لمفهوم الحماية الإنسانية والقانونية تحت سلطة الحوثيين، ويعتبر المختصون أن محافظة البيضاء باتت نموذجًا مصغرًا يعكس طبيعة التعامل الحوثي مع المجتمع، حيث تُستخدم الانتهاكات ليس فقط كأداة للردع، بل كأداة لإعادة تشكيل البنية السكانية والفكرية للمناطق التي تقع تحت سيطرتهم. 
كما يشير مراقبون إلى أن استمرار المجتمع الدولي في الاكتفاء بالإدانة اللفظية وغياب المساءلة القانونية ساهم في تعميق شعور الضحايا بانعدام العدالة، وهو ما يستدعي تحركًا دوليًا حاسمًا، يبدأ بمساءلة المسؤولين عن هذه الجرائم وضمان عدم إفلاتهم من العقاب، ويمر عبر توفير حماية دولية عاجلة للسكان المدنيين، وانتهاءً بفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية ورفع الحصار عن المناطق المتضررة.

شارك