باكستان.. قراءة في تصاعد الإرهاب وحدود الصدام الباكستاني الهندي

في الوقت الذي تسعى فيه باكستان إلى ترميم مؤسساتها الأمنية والاقتصادية عقب سنوات من التوترات الداخلية والإقليمية، عادت موجة الإرهاب لتضرب بعنف، لا سيما في إقليمي بلوشستان وخيبر بختونخوا.
وفي أحدث العمليات، أعلنت إدارة العلاقات العامة
للقوات المسلحة الباكستانية، في بيان صدر يوم الثلاثاء، عن مقتل أربعة إرهابيين في
منطقة "كلات" ببلوشستان خلال عملية استخباراتية نفذتها قوات الأمن، وُصف
فيها المسلحون بأنهم "رعاة الهند" ومنتمون إلى جماعة تُدعى "فتنة
الهندوستان"، وهي تسمية تُعزز رواية باكستان حول ضلوع الهند في زعزعة
استقرارها.
هذه العملية، التي وُصفت بأنها
"عملية تطهير " أعقبت عملية استخباراتية نوعية في 19 يوليو، شهدت مقتل
أربعة آخرين من الجماعة نفسها. وأكد الجيش الباكستاني أنه تم خلال العملية ضبط
كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمتفجرات، فيما وصف البيان المهمة بأنها جزء من
جهد مستمر لإحباط "محاولات وكلاء الهند لتقويض الأمن في بلوشستان".
تصاعد متسارع في وتيرة الهجمات
رغم أن العنف في باكستان ليس ظاهرة
طارئة، فإن المؤشرات الأمنية خلال الأشهر الأخيرة تكشف عن تصاعد مقلق. ووفقًا
لتقرير معهد باكستان لدراسات الصراع والأمن (PICSS)، شهد شهر مايو/أيار الماضي 85 هجومًا
مسلحًا، بزيادة طفيفة عن شهر أبريل الذي سجل 81 هجومًا. لكن الأرقام المجردة تخفي
خلفها تفاصيل أكثر خطورة: فقد ارتفعت أعداد قتلى أفراد الأمن بنسبة 73%، في دلالة
على استهداف مباشر ومتزايد للمؤسسات العسكرية.
وأسفرت الهجمات عن مقتل 113 شخصًا،
بينهم 52 من أفراد قوات الأمن، و46 مدنيًا، و11 مسلحًا، إلى جانب أربعة أعضاء في
لجان السلام. كما أُصيب 182 شخصًا، معظمهم من المدنيين، في قفزة كبيرة بلغت نسبتها
145% مقارنة بالشهر السابق. ويشير هذا إلى أن الجماعات المسلحة بدأت تتحرك بأسلوب
أكثر عدوانية، معتمدين على الهجمات النوعية والتفجيرات الانتحارية.
وإلى جانب العمليات الإرهابية، نفذت
قوات الأمن الباكستانية سلسلة من العمليات الاستباقية، أسفرت عن مقتل 59 مسلحًا
خلال مايو فقط، بينما فقد خمسة جنود حياتهم. وتبرز هذه المعطيات تصعيدًا في
المواجهات المباشرة بين المسلحين والقوات الأمنية، لا سيما في المناطق الحدودية
والقبلية.
تصعيد دبلوماسي أم واقع أمني؟
لطالما شكّلت قضية الإرهاب محورًا
للتوتر الدائم بين الهند وباكستان. وبينما تتهم نيودلهي إسلام آباد بتوفير ملاذات
آمنة لجماعات كـ"جيش محمد" و"لشكر طيبة"، تتهم الأخيرة الهند
بدعم جماعات انفصالية ومتمردة، خاصة في إقليم بلوشستان. وقد أعادت العملية الأخيرة
في *كلات* هذه الاتهامات إلى الواجهة، بعد أن وصف الجيش الباكستاني الإرهابيين
المستهدفين بأنهم "وكلاء للهند"، وهو توصيف يحمل دلالات سياسية أكثر من
كونه مجرد وصف أمني.
اللافت أن تسمية الجماعة بـ"فتنة
الهندوستان" في بيان رسمي تُمثل تصعيدًا لغويًا وإعلاميًا يهدف إلى تحميل
الهند مسؤولية مباشرة عن موجة العنف، وربما إلى تحفيز الموقف الدولي للضغط على
نيودلهي. لكن في المقابل، تنفي الهند باستمرار هذه الاتهامات، وتعتبرها مجرد غطاء
تستخدمه باكستان لصرف النظر عن إخفاقاتها الأمنية.
هذا التراشق لا يقتصر على التصريحات،
بل يمتد إلى منصات الأمم المتحدة والاجتماعات الإقليمية، حيث يحرص كل طرف على
تقديم سرديته. لكن الواقع الميداني على الأرض يوضح أن الجماعات المسلحة في باكستان
باتت أكثر جرأة، مستفيدة من التحديات التي تواجهها الدولة الباكستانية على مستوى
الاستخبارات والبنية الأمنية، إضافة إلى تداعيات عودة طالبان إلى الحكم في
أفغانستان عام 2021.
تأثير مباشر على العلاقات الثنائية
منذ تقسيم شبه القارة الهندية عام
1947، لم تعرف العلاقات بين الهند وباكستان استقرارًا حقيقيًا. ومع أن البلدين
يتشاركان حدودًا جغرافية وتاريخًا ثقافيًا متداخلًا، فإن الخلافات الأمنية، لا
سيما حول إقليم كشمير ودعم الجماعات المسلحة، ظلّت تُعكر صفو أي تقارب دبلوماسي.
الاتهامات الأخيرة التي وجهها الجيش
الباكستاني للهند، والتي جاءت مدعومة بعمليات ميدانية وأدلة ملموسة على ما وصفته
بـ"ضلوع هندوسي مباشر"، من شأنها أن تُقوّض فرص أي حوار قريب بين
الجانبين. كما أنها تُعمّق الانقسام بين المؤسسات الأمنية والسياسية في كلا البلدين،
وتزيد من احتمالات التصعيد، ولو على المستوى الإعلامي والدبلوماسي.
من جهة أخرى، تُمثل هذه الاتهامات
محاولة من القيادة الباكستانية لحشد الداخل الوطني، خاصة في ظل الانتقادات الموجهة
للحكومة بشأن تدهور الوضع الأمني والاقتصادي. فإلقاء اللوم على "أيدٍ خارجية"
يمنح السلطات مساحة لإعادة ترتيب صفوفها، لكنه في الوقت ذاته يُسهم في إغلاق نوافذ
الحوار الإقليمي، ويفتح المجال أمام مزيد من الاستقطاب في منطقة جنوب آسيا.
وتأسيسا على ذلك فإن تصاعد الإرهاب في
باكستان بات حقيقة ميدانية لا يمكن إنكارها، مدعومة بالأرقام والإحصاءات وشهادات
المسؤولين. الاتهامات الباكستانية للهند، وإن كانت تكرارًا لسردية سياسية قديمة،
إلا أنها جاءت هذه المرة في سياق أكثر حساسية وخطورة، وسط تزايد الهجمات المسلحة
وتضاؤل الثقة بين المؤسسات الأمنية في البلدين.
ومن المرجح أنه ما لم يتم احتواء هذه
الأزمة من خلال مقاربة إقليمية شاملة، فإن منطقة جنوب آسيا تبدو مقبلة على مزيد من
التوترات، سواء على مستوى العمليات الإرهابية أو التراشق السياسي والدبلوماسي.
والأخطر من ذلك، أن استمرار هذا المسار قد يفتح الباب أمام مواجهات غير مباشرة
تُهدد الاستقرار الهش في المنطقة بأسرها.