حملة جديدة ضد النساء تثير قلقًا أمميًا بشأن حكم طالبان

انتقد ريتشارد بينيت، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في أفغانستان، بشدة حملة الاعتقالات التي شنتها حركة طالبان مؤخرًا ضد النساء والفتيات في العاصمة كابول، معتبرًا أنها تمثل تصعيدًا خطيرًا في "التحرش الممنهج القائم على النوع الاجتماعي"، وتؤكد أن الحركة ماضية في ترسيخ نمط سلطوي يُقصي المرأة من الحياة العامة.
وقال بينيت، في تصريحات نشرها عبر منصة "X"، إن ما حدث في الأيام الأخيرة من اعتقالات على خلفية "ارتداء الحجاب بشكل غير لائق" يعيد إلى الأذهان حملة القمع التي وقعت في أوائل عام 2024، لكنه أشار إلى أن الاعتقالات هذه المرة اتسمت بمستوى أعلى من العنف والترويع، ما أثار حالة من الذعر بين النساء والأسر في العاصمة.
قمع ممنهج
ووفق تقارير دولية فإن هذه الحملة ليست حدثًا معزولًا، بل تأتي ضمن
سلسلة من السياسات التي تنتهجها طالبان ضد المرأة منذ عودتها إلى الحكم في أغسطس
2021. فقد فرضت الحركة حظرًا شاملًا على التعليم الثانوي والجامعي للفتيات، وحرمت
آلاف الطالبات من مواصلة دراستهن في جميع الولايات. كما أصدرت أوامر بمنع النساء
من العمل في المؤسسات الحكومية، والمكاتب التابعة للأمم المتحدة، والمنظمات غير
الحكومية، باستثناء قطاعي التعليم والصحة، اللذين باتا يخضعان أيضًا لضوابط صارمة
تحدّ من مشاركة النساء فيهما.
إلى جانب ذلك، فرضت طالبان قواعد صارمة على ملابس النساء، وألزمت كل فتاة
أو امرأة بارتداء "اللباس الشرعي" كما تراه هي، مع تشديد الرقابة في
الأماكن العامة، وشنّ حملات تفتيش ومراقبة في الشوارع والأسواق. ووثّقت تقارير
عديدة قيام قوات طالبان باعتقال فتيات بسبب "عدم تغطية الوجه"، أو
ارتداء عباءات ملوّنة، في إجراءات اعتُبرت شكلًا من أشكال التحكم الكامل في الجسد
والسلوك، يتجاوز الحجاب ليصل إلى تفاصيل شخصية تفتقر لأي أساس قانوني.
إدانات دولية متصاعدة
تصريحات ريتشارد بينيت جاءت في إطار موجة أوسع من الإدانات الدولية
التي تواجهها حركة طالبان بسبب انتهاكاتها المستمرة لحقوق النساء. فقد عبّرت "المفوضية
السامية لحقوق الإنسان"، و"منظمة العفو الدولية"، و"هيومن
رايتس ووتش" عن قلقها العميق من تصاعد القمع، محذّرة من أن الإجراءات الأخيرة
ترتقي إلى مستوى "التمييز الممنهج"، الذي قد يُصنّف كجريمة ضد الإنسانية
إذا استمر بالشكل الحالي. ودعت هذه المنظمات المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات أكثر
جرأة، تتجاوز الإدانات الخطابية إلى إجراءات ملموسة، تشمل العقوبات الدبلوماسية،
وتعليق أي اعتراف سياسي محتمل بالحكومة الأفغانية القائمة.
وبينما تحاول طالبان تبرير سياساتها بأنها نابعة من "تفسيرها
الخاص للشريعة الإسلامية"، فإن معظم الهيئات الدينية في العالم الإسلامي رفضت
هذا التفسير، مؤكدة أنه لا أساس له في الفقه الإسلامي المتوازن، وأن الإسلام لم
يمنع التعليم أو العمل عن النساء. بل إن بعض علماء الدين الأفغان أبدوا معارضة
صامتة لهذه السياسات، لكنهم يواجهون خطر القمع أو التهميش في ظل هيمنة الأجهزة
الأمنية على الحياة العامة.
مستقبل بلا ضمانات
المخاوف لا تتعلق فقط بالحاضر، بل تمتد إلى مستقبل المرأة في
أفغانستان، الذي يبدو أكثر قتامة مع مرور الوقت. فقد تسببت قرارات طالبان في عزل
النساء عن الحياة العامة، وتدمير أحلام جيل كامل من الفتيات، كان يأمل بمستقبل
تعليمي ومهني يتيح لهن الإسهام في بناء المجتمع. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى
أن أكثر من مليون فتاة حُرمن من التعليم خلال العامين الماضيين فقط، فيما تراجع
تمثيل النساء في القوى العاملة بنسبة تتجاوز 85%، وهو ما يؤثر سلبًا على الاقتصاد
والمجتمع بشكل عام.
ويؤكد مراقبون أن غياب التعليم والعمل ليس فقط انتهاكًا لحقوق
المرأة، بل هو أيضًا "كارثة تنموية" ستقود البلاد إلى مزيد من الانغلاق
والجهل والفقر. إذ لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض بنصفه فقط، فيما يُجبر النصف الآخر
على البقاء في الظل. ووسط هذا القمع، تراجعت تمامًا أي ملامح لحراك نسوي أو مدني،
حيث أُغلقت الجمعيات النسائية، وتم حظر المظاهرات، واعتقال ناشطات بارزات، ما جعل
من المعارضة النسائية أمرًا محفوفًا بالخطر.
وتسود حالة من الإحباط بين النساء الأفغانيات، حيث تشعر كثيرات بأن
العالم قد خذلهن، ولم يعد يبدي نفس الاهتمام الذي كان سائدًا في السنوات الأولى
بعد 2001. فالمجتمع الدولي اليوم منقسم، ومنشغل بأزمات أخرى، فيما تتراجع أولوية
الملف الأفغاني على أجندة الدبلوماسية الغربية. ومع غياب الضغط الدولي المؤثر،
ونجاح طالبان في فرض السيطرة الكاملة داخليًا، تتضاءل فرص التغيير أو الانفتاح في
المستقبل القريب.