حكمت الهجري.. شيخ درزي أم زعيم حرب؟ بين أزمة السويداء وتقاطعات الإرهاب والإقليم

الجمعة 25/يوليو/2025 - 12:51 م
طباعة حكمت الهجري.. شيخ أميرة الشريف
 
من زوايا جبل العرب جنوب سوريا، يطل اسم حكمت الهجري اليوم على المشهد السوري كأحد أكثر الشخصيات المثيرة للجدل، ليس فقط بصفته زعيمًا روحيًا لطائفة الدروز، بل كفاعل سياسي يتنقل بين مشروعية دينية، ونفوذ مسلح، ومواقف تلامس التخوم الدولية.
فمنذ سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024، وتولي الحكومة الانتقالية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، تصاعدت مواقف الهجري إلى واجهة الأحداث، حيث بات اسمه يتردد في ساحات الاشتباك، وغرف التفاوض، ووسائل الإعلام الدولية، بل ودوائر القرار في تل أبيب وواشنطن.
فمن هو حكمت الهجري؟ ولماذا يتهمه البعض بتحويل الطائفة الدرزية إلى ورقة ضغط طائفية؟ وهل تمثل تحركاته امتدادًا لصراع داخلي على سوريا ما بعد الأسد، أم جزءًا من خارطة صراع دولي بأبعاد أمنية وإرهابية؟
 من فنزويلا إلى قنوات
وُلد حكمت الهجري عام 1965 في فنزويلا لأب مهاجر من جبل العرب، ثم عاد إلى سوريا ليكمل دراسته في كلية الحقوق بجامعة دمشق.
 كان أخوه الأكبر، أحمد الهجري، قد تقلد منصب "شيخ العقل" للطائفة الدرزية، قبل أن يلقى حتفه في حادث سير غامض عام 2012، رجحت مصادر عديدة أنه كان مدبرًا من قبل النظام السوري، بسبب تعاطفه مع الثورة السورية آنذاك.
بوفاة أحمد، ورث حكمت المشيخة، وتحول تدريجيًا إلى الشخصية الدينية الأبرز بين زعماء الطائفة الثلاثة (إلى جانب يوسف جربوع وحمود الحناوي)، إلا أن مساره كان مختلفًا منذ البداية، إذ اختار دعم نظام الأسد في السنوات الأولى من الحرب، فشجّع شباب السويداء على الانضمام للجيش السوري، وشارك في الفعاليات الرسمية التي نظمها النظام.
من داعم للأسد إلى معارضٍ له
بين 2018 و2021، بدأ الهجري يتحوّل. لم يعد فقط زعيمًا روحيًا، بل أصبح متحدثًا سياسيًا باسم الدروز في العديد من المحافل.
 ومع اندلاع مظاهرات ضد التدهور الاقتصادي، شاركت مجموعات تابعة له بفاعلية في احتجاجات السويداء ودرعا.
في عام 2023، أعلن صراحةً رفضه لسياسات النظام، ورفض التوقيع على مذكرة تفاهم صاغتها الحكومة مع ممثلي الطائفة، ما اعتُبر حينها "نقضًا للوفاق الدرزي الداخلي"، حيث أبدى جربوع والحناوي تعاونًا أكبر مع الحكومة الانتقالية الجديدة.
 الدور الغامض للمجلس العسكري في السويداء
بعد سقوط نظام الأسد، تزايد الحديث عن جهة تحمل اسم "المجلس العسكري في السويداء"، قيل إنه يعمل بتوجيهات مباشرة من الهجري، ويُتهم بإيواء عناصر من فلول النظام السابق، والمشاركة في تهريب الأسلحة والمخدرات عبر الحدود الجنوبية.
ويتقاطع دور المجلس العسكري مع ملفات أمنية حساسة، أبرزها ملف الإرهاب، حيث تتهمه تقارير استخبارية محلية ودولية بتسليح ميليشيات غير منضبطة، وتنفيذ عمليات خطف وابتزاز ضد بدو الجنوب، ما أدى إلى اشتباكات دموية أسفرت عن تهجير آلاف العائلات.
 الإرهاب والتمويل الخارجي
في أكثر المشاهد تعقيدًا، طلب الهجري رسميًا، خلال مقابلة مع صحيفة "واشنطن بوست"، تدخلًا دوليًا لحماية الدروز من "خطر الإبادة"، وهو ما فتح الباب واسعًا أمام إسرائيل لتقديم نفسها كحامٍ للأقلية الدرزية، وهو ادعاء استخدمته لتبرير ضربات جوية استهدفت مواقع حكومية سورية.
ومنذ بداية عام 2025، أصبحت تصريحات الهجري تتقاطع صراحة مع الخطاب الإسرائيلي، حيث وصف حكومة دمشق بأنها "مجرمة ومتطرفة"، وبارك الضربات الجوية الإسرائيلية، كما روّج لفكرة "ممر داوود"، وهو مشروع يُعتقد أنه يهدف لربط مناطق السويداء بشمال شرق سوريا مرورًا بإسرائيل والأردن، وهو ما اعتبرته الحكومة السورية "مشروع تفتيت ووصاية أجنبية".
 الهجري والجيش السوري الجديد
في خضم المفاوضات لتوحيد الفصائل المسلحة ضمن جيش وطني جديد، كان موقف الهجري مناهضًا لأي حديث عن نزع سلاح الدروز، مكررًا بأن "السلاح ضمان للكرامة"، ومؤكدًا أن أي نقاش حول هذا الملف "سابق لأوانه قبل صياغة دستور عادل".
وقد فُسّر هذا الموقف كرفض فعلي للانخراط في دولة سورية موحدة، خصوصًا بعد تكرار حديثه عن "حكم محلي للطائفة"، ورفضه للدستور المؤقت الذي أقرته الحكومة الجديدة، ووصفه بأنه "ظالم ولا يراعي التنوع المجتمعي".
 التورط في العنف
شهدت محافظة السويداء تصعيدًا عنيفًا في يوليو 2025، عندما اندلعت اشتباكات بين مقاتلي الهجري من جهة، والبدو والقوات الحكومية من جهة أخرى. 
وأسفرت المعارك عن مقتل عشرات، بينهم 6 جنود من الجيش السوري، وتهجير آلاف من السكان.
اللافت أن الهجري أبدى في البداية ترحيبه بدخول قوات الأمن للمدينة، لكنه سرعان ما غيّر موقفه، ودعا أنصاره لمقاومتها.
 وفي اليوم ذاته، شنت إسرائيل غارات جوية جديدة على جنوب سوريا، بالتزامن مع تصريحات نتنياهو التي توعدت بـ"حماية الدروز في جرمانا والجولان".
 الطائفية كغطاء للمشروع الانفصالي؟
يعتبر كثيرون أن خطاب الهجري، رغم نبرته الوطنية، يحمل في جوهره نزعة طائفية انفصالية، لا سيما بعد مطالبته بفتح معابر مباشرة مع الأردن، واستقباله دعوات لربط السويداء مع "قسد" شمالًا.
 كما تتهمه الحكومة السورية بالتواطؤ مع مشاريع تقسيمية تهدف لتحويل السويداء إلى كيان ذي حكم ذاتي، تدعمه إسرائيل.
كما يُحمّل معارضوه مسؤوليته عن تهجير آلاف البدو من مناطقهم، ما يشير إلى تطهير ديموغرافي ممنهج، تحت مظلة "الأمن المجتمعي"، وهي أساليب تُستخدم غالبًا من قبل الجماعات المسلحة المتطرفة.
الإرهاب المقنّع بالهوية
في جوهر الصراع، يبدو أن الهجري يستخدم الهوية الطائفية كأداة سياسية، لتقويض وحدة الدولة السورية، وتفكيك بنيتها المركزية، وهو ما يضعه، وفق مراقبين، في خانة "الزعماء المحليين الذين يتحركون ضمن أجندة إقليمية ودولية".
إن عمليات الهجوم على الجيش السوري، والتحريض ضد الحكومة، والدعوات لتدخل خارجي، واستخدام المظلومية الدينية، كل ذلك يندرج ضمن أساليب متبعة من قبل تنظيمات متطرفة، ما يجعل الهجري رغم مظهره الديني أقرب إلى نموذج "القيادة الهجينة" التي تمزج بين الدين والسياسة والميليشيا.
 سوريا الجديدة وتحدي الجماعات المسلحة
مع دخول سوريا مرحلة ما بعد الأسد، تواجه الحكومة الانتقالية معضلة معقدة: كيف تبني دولة مدنية موحدة، في ظل وجود جماعات محلية مسلحة، تتحصن بهويات دينية وعرقية؟ حكمت الهجري مثال صارخ على هذه المعضلة.
فهو رجل دين، وقائد سياسي، وصاحب نفوذ مسلح، وواجهة لمطالب طائفية، ومدعوم من أطراف خارجية، في مقدمتها إسرائيل. وبينما يراه بعض الدروز "حامي الكرامة"، يرى فيه آخرون "صانع فتنة"، و"رأس مشروع تقسيمي".
و يبدو أن مصير السويداء وسوريا، بات مرهونًا إلى حدّ كبير بقدرة الحكومة الانتقالية على إدارة هذا الملف بحكمة، وبإعادة ضبط التوازن بين سيادة الدولة ووحدة الأرض، وبين احترام التنوع وضبط الجماعات المسلحة الخارجة عن الشرعية.
هل يشكّل حكمت الهجري خطرًا أمنيًا؟
يرى مراقبون أن الملف الدرزي بقيادة الهجري لا يمكن فصله عن السياق الأمني الإقليمي والدولي. فالدعم الإسرائيلي العلني، والتحركات الدبلوماسية الغربية باتجاهه، خصوصًا لقاءاته مع مسؤولين أمريكيين، تثير مخاوف من إعادة تدوير جماعات محلية كأدوات نفوذ وابتزاز سياسي في مرحلة ما بعد الحرب، كما حدث في تجارب مشابهة بالعراق ولبنان.
ويري خبراء أن ما يقوم به حكمت الهجري في السويداء يشبه إلى حد كبير تجربة حزب الله في لبنان في بداياته: زعيم ديني يتحول تدريجيًا إلى قيادة مسلحة ذات مرجعية سياسية وأمنية خارج حدود الدولة".

شارك