باكستان والصين.. تحالف دفاعي لمواجهة الإرهاب وتحديات الإقليم

في ظل تزايد العمليات الإرهابية في باكستان، وتنامي التهديدات التي
تواجه مشروع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، تتعزز الحاجة إلى تعاون استراتيجي أكثر عمقًا بين بكين وإسلام
آباد في مجال مكافحة الإرهاب. هذا التعاون لم يعد خيارًا تكتيكيًا، بل تحول إلى
ضرورة تفرضها الجغرافيا، وتشكلها المصالح المشتركة، وتقودها التحديات المتصاعدة
التي تضرب استقرار باكستان وتهدد الاستثمارات الصينية الهائلة في البلاد.
الأمن الإقليمي في الصدارة
خلال الزيارة، عقد رئيس أركان الجيش الباكستاني اجتماعات مكثفة مع
عدد من كبار المسؤولين الصينيين، من بينهم نائب الرئيس هان تشنغ ووزير الخارجية
وانغ يي. وركزت هذه اللقاءات على جملة من القضايا الاستراتيجية، في مقدمتها الأمن
الإقليمي والديناميكيات الجيوسياسية المتغيرة في جنوب ووسط آسيا، إضافة إلى
التعاون المتنامي ضمن مشروع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، الذي يُعد ركيزة
اقتصادية أساسية في العلاقات بين البلدين.
وفي بيان مشترك، أعرب الجانبان عن "ارتياحهما العميق لوتيرة
ومستوى التعاون الثنائي"، مؤكدين التزامهما بمبادئ السيادة المتساوية،
والشراكة الاستراتيجية الشاملة، والتنسيق في المحافل الإقليمية والدولية، لا سيما
في ظل بيئة أمنية تتسم بعدم الاستقرار في آسيا الوسطى وأفغانستان.
شهدت باكستان في السنوات الأخيرة موجات متكررة من العمليات
الإرهابية، تصاعدت بشكل لافت منذ استيلاء طالبان على الحكم في أفغانستان عام 2021.
وبحسب تقارير معهد الدراسات الأمنية في إسلام آباد، فقد زادت وتيرة الهجمات بنسبة
60% خلال عام 2023، وشهد عام 2024 معدلات مروعة في عدد الضحايا، خصوصًا في إقليم
خيبر بختونخوا وبلوشستان.
وتتنوع خلفيات الجماعات المنفذة لتلك الهجمات، بين حركة طالبان
الباكستانية (TTP)،
وتنظيم "داعش-خراسان"، والانفصاليين في بلوشستان، والذين ركزوا بشكل
متزايد على استهداف العمال والمشروعات الصينية. هذه التهديدات الإرهابية لا تنبع
فقط من دوافع أيديولوجية، بل تحركها عوامل إقليمية معقدة، منها هشاشة الوضع الأمني
في المناطق الحدودية مع أفغانستان، وتراخي الحكومة الأفغانية في لجم تحركات
الجماعات المسلحة التي تتخذ من الأراضي الأفغانية ملاذًا آمنًا.
كما أن بعض تلك الجماعات تستغل الخطاب المناهض للتدخلات الأجنبية في
البلاد، وتستثمر في حالة الاستياء الشعبي المحلي تجاه بعض مشروعات CPEC، التي يعتبرها البعض
تهميشًا للمجتمعات المحلية. هذه الديناميكيات الداخلية المعقدة تجعل من محاربة
الإرهاب في باكستان معركة طويلة الأمد، تتطلب شراكات أمنية أوسع، لا سيما مع قوى
دولية لها مصالح مباشرة مثل الصين.
ما الذي يمكن أن تقدمه الصين؟
لم تكن الصين تقليديًا لاعبًا نشطًا في الشؤون الأمنية خارج حدودها،
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا تدريجيًا في عقيدتها الأمنية، خاصة في ضوء توسع
استثماراتها الخارجية عبر مبادرة "الحزام والطريق". وتعد باكستان من أهم
حلفاء الصين، وأكثرهم اعتمادًا على الدعم الاقتصادي والأمني الصيني، مما يبرر
اهتمام بكين المتزايد بدعم الجهود الباكستانية لمكافحة الإرهاب.
تقدم الصين دعمًا استخباراتيًا متطورًا، وقد زادت من مستوى التنسيق
الأمني مع باكستان عبر آلية "الاجتماع المشترك لمكافحة الإرهاب"، الذي
يُعقد دوريًا بين وزارتي الدفاع والداخلية في البلدين. كما ساعدت بكين في توفير
تكنولوجيا متقدمة للمراقبة الجوية والبرية، تشمل طائرات مسيرة وأنظمة مراقبة إلكترونية
عالية الدقة، جرى استخدامها في مناطق القبائل وبلوشستان.
وتشير تقارير غير معلنة إلى أن الصين قد خصصت ميزانية خاصة لدعم
العمليات الأمنية حول مشروعات CPEC، فضلًا عن قيامها بتدريب وحدات خاصة من الشرطة الباكستانية، تعرف
باسم "قوة الحماية الخاصة"، والتي تتولى تأمين المشاريع الصينية
والعاملين فيها. كما تسعى بكين إلى تعزيز التعاون الثلاثي مع باكستان وأفغانستان
لتضييق الخناق على الجماعات العابرة للحدود.
ومن الجدير بالذكر أن الصين تمتلك خبرة قوية في محاربة الحركات
الانفصالية داخل حدودها، خاصة في إقليم شينجيانغ، وقد طورت نموذجًا متكاملًا في
التعامل مع التهديدات الداخلية، يجمع بين الوسائل الأمنية الصارمة والتكنولوجيا
والرقابة المجتمعية. وتسعى بعض الدوائر الأمنية الباكستانية للاستفادة من هذه
التجربة، خاصة في مناطق التوتر كبلوشستان.
أمن CPEC
أولوية استراتيجية
يشكل مشروع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC) حجر الزاوية في
العلاقات بين البلدين. ويمتد هذا المشروع من إقليم شينجيانغ الصيني شمالًا، حتى
ميناء غوادر الباكستاني جنوبًا، متضمنًا استثمارات تزيد عن 62 مليار دولار في
البنية التحتية والطاقة والنقل.
تدرك باكستان أن تحقيق الاستقرار الأمني هو شرط أساسي لجني ثمار هذا
المشروع، لا سيما أن الجماعات المسلحة أصبحت تركز في عملياتها على استهداف مشروعات
CPEC، في محاولة لتعطيلها
وكسب اهتمام إعلامي ودولي. وقد شهد العامان الأخيران استهداف عدد من المهندسين
والعاملين الصينيين، ما دفع بكين إلى توجيه تحذيرات صارمة لإسلام آباد بضرورة
تأمين هذه المشاريع.
وتعتبر الصين أن حماية CPEC لا تخدم فقط المصالح الباكستانية، بل هي قضية أمن قومي بالنسبة
لها، لأن الممر يمثل أحد أهم منافذها إلى المحيط الهندي، ويقلص اعتمادها على
الممرات البحرية التقليدية المعرضة للتهديد الأمريكي. ولذلك، فإن بكين مستعدة
للذهاب إلى أبعد مدى لحماية هذا الاستثمار، بما في ذلك الضغط لتغيير السياسات
الباكستانية تجاه الجماعات المسلحة، أو التدخل المباشر عبر أدواتها الاستخباراتية.
وتفكر باكستان من جانبها في تخصيص وحدات عسكرية مستقلة لحماية الممر
الاقتصادي، كما تسعى للحصول على دعم مالي وتقني من الصين لتعزيز قدراتها على
مراقبة وتأمين خطوط الإمداد، خاصة في المناطق الصحراوية والجبال الوعرة التي يسهل
استخدامها كملاذات آمنة للمسلحين.
تعاون ثلاثي مرتقب
من أبرز النقاط التي ظهرت مؤخرًا في النقاشات الأمنية بين الصين
وباكستان، هو الدفع نحو إنشاء آلية ثلاثية مع أفغانستان لمواجهة التهديدات العابرة
للحدود. تدرك بكين أن تجاهل الوضع الأمني في أفغانستان يعني بقاء خاصرتها الغربية
مكشوفة، وأن استقرار باكستان لن يتحقق بالكامل إلا بضبط الحدود بين البلدين.
وقد عُقدت عدة اجتماعات ثلاثية على مستوى وزراء الخارجية خلال
العامين الماضيين، وأُطلقت مبادرات لبناء الثقة وتبادل المعلومات الأمنية. وتطمح
الصين لأن تساهم هذه الآلية في استقرار المناطق الحدودية، خاصة وأن لطالبان بعض النفوذ
على الجماعات المسلحة الباكستانية، وقد تمارس ضغوطًا لضبط سلوكها، مقابل حوافز
اقتصادية أو دبلوماسية من بكين.
غير أن مستقبل هذا التعاون يظل مرهونًا بعدة عوامل، منها قدرة طالبان
على ضبط الأمن الداخلي، ومدى تجاوبها مع الشروط الصينية، فضلًا عن مدى قدرة باكستان
على التنسيق الفعّال في الملفات الاستخباراتية الحساسة. لكن على المدى الطويل، فإن
التعاون الثلاثي قد يشكل ركيزة لاستراتيجية أمنية إقليمية أكثر شمولًا.
دلالات التوقيت ورسائل إقليمية
تحمل زيارة رئيس الأركان الباكستاني إلى بكين دلالات متعددة في
توقيتها ومضمونها. فهي تأتي في وقت تواجه فيه باكستان تحديات أمنية متزايدة على
جبهتها الغربية، خاصة بعد تصاعد الهجمات في إقليمي بلوشستان وخيبر بختونخوا، إلى
جانب التوترات المتكررة على الحدود مع أفغانستان.
وفي المقابل، تتصاعد التنافسات الإقليمية في منطقة آسيا الوسطى
والمحيط الهندي، حيث تسعى القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة والهند، إلى تعزيز
نفوذها في مواجهة الصين. ومن هنا، فإن تكثيف التنسيق الأمني بين بكين وإسلام آباد
يُعد رسالة واضحة بأن البلدين يعتزمان الدفاع عن مصالحهما المشتركة في وجه أي
تهديدات محتملة.
ويرى مراقبون أن باكستان، من خلال هذه الزيارة، تبعث برسالة طمأنة
إلى بكين مفادها أنها لن تسمح بتهديد المصالح الصينية على أراضيها، في ظل تصاعد
استهداف المشاريع الصينية من قبل جماعات انفصالية ومسلحة. وفي المقابل، تعيد الصين
التأكيد على دعمها الثابت لباكستان، ليس فقط على الصعيد الأمني، بل في جميع
المحافل الإقليمية والدولية.
توازن استراتيجي في بيئة متغيرة
الزيارة تمثل أيضًا تأكيدًا على استراتيجية باكستان في الحفاظ على
توازن دقيق في علاقاتها مع القوى الكبرى، إذ ترى إسلام آباد أن علاقتها مع بكين لا
تتعارض مع انفتاحها على قوى أخرى مثل الولايات المتحدة ودول الخليج. ومع ذلك، فإن
عمق التعاون العسكري مع الصين، والاستمرار في التنسيق الأمني رفيع المستوى، يعكس
إدراكًا باكستانيًا لأهمية الاعتماد على شريك موثوق في بيئة إقليمية غير مستقرة.
وفي ضوء هذه التطورات، يبدو أن التحالف الباكستاني الصيني يشهد مرحلة
جديدة من التبلور، لا تقتصر فقط على الدعم السياسي أو المشاريع الاقتصادية، بل
تتوسع لتشمل التعاون الدفاعي والتنسيق الاستراتيجي، في مواجهة تهديدات لا تفرق بين
حدود الجغرافيا وأيديولوجيات الأطراف.