باكستان والحرب على الإرهاب.. هل تنجح الاستراتيجية متعددة الأبعاد؟

تكامل أمني وتشريعي في المواجهة
أكد رئيس الوزراء أن باكستان استخدمت
بشكل "كامل وفعال" عناصر حاسمة مثل العمليات البرية والتشريعات ذات
الصلة. وتشير هذه العبارة إلى انتقال الدولة من مرحلة الإجراءات التقليدية إلى ما
يمكن وصفه بـ"الحرب القانونية" على الإرهاب. فمن خلال إدخال تعديلات على
القوانين المتعلقة بمكافحة الإرهاب وتمويله، وتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية بموجب
تلك التشريعات، أصبحت الدولة أكثر قدرة على تفكيك الشبكات الإرهابية من الداخل، لا
سيما تلك التي تنشط عبر الحدود، أو تحتمي بغطاء مذهبي أو عرقي.
وفيما تواصل القوات المسلحة
الباكستانية تنفيذ عمليات "رد الفساد" و"ضرب العدو"، ينعكس
تكامل الأدوار بين المؤسسة العسكرية والأجهزة القضائية والتنفيذية في سلاسة تنفيذ
الخطط الميدانية والاحترازية. وقد وصف شهباز شريف دور "أبناء القوات المسلحة
البواسل" بالجدير بالتقدير، مشيرًا إلى أن "الأمة بأكملها فخورة بالضباط
والمسؤولين الذين ضحوا بأرواحهم من أجل الوطن".
من جهة أخرى، لفت شريف إلى التنسيق
الفاعل بين الحكومة الاتحادية والإقليمية، وهو ما يمثل تطورًا مهمًا في ملف مكافحة
الإرهاب، خصوصًا أن الخلافات السياسية بين المركز وبعض الحكومات الإقليمية كانت -
في مراحل سابقة - إحدى العقبات أمام تنفيذ إستراتيجيات موحدة. واليوم، بحسب ما
أكده رئيس الوزراء، يتم "تنفيذ صارم لتوصيات اللجنة التوجيهية"، وهو ما
يُنبئ بجهاز إداري وأمني أكثر تماسكًا وفاعلية.
المعركة ضد التطرف الفكري
من أبرز ملامح الاستراتيجية الجديدة،
بحسب ما أفاد شهباز شريف، التركيز على "الاتصال العام الهادف وتثبيط الفكر
المتطرف". وهو تطور نوعي يندرج ضمن الحرب الناعمة ضد الإرهاب. فالحكومة، في
هذا السياق، لا تستهدف فقط من يحمل السلاح، بل تسعى إلى تفكيك البنية الفكرية التي
تُغذي التنظيمات المتطرفة وتمنحها الشرعية الشعبية. ويدخل في هذا الإطار بناء خطاب
ديني معتدل، وتفعيل المنابر الإعلامية الرسمية في مواجهة سرديات العنف، فضلاً عن
إعادة النظر في المناهج التعليمية التي قد تتضمن مضامين تحريضية أو إقصائية.
في السياق ذاته، تبرز أهمية "منع
التهريب" كجزء من المعركة. فرئيس الوزراء ربط بين مكافحة التهريب وتحقيق
استقرار اقتصادي، مشيرًا إلى أن "منع التهريب كان له أثر إيجابي على
الاقتصاد"، في إشارة ضمنية إلى استخدام بعض الجماعات الإرهابية لشبكات
التهريب كمصدر للتمويل. وقد أسهم "التعاون بين جميع المؤسسات ذات الصلة"
في تنفيذ "عمليات فعالة" لمحاصرة هذه الظاهرة. وتُعد هذه المقاربة
دليلاً على أن باكستان باتت تُقارب قضية الإرهاب من منظور اقتصادي كذلك، وتربط بين
الأمن والاستثمار والنمو.
وتعزز هذه النظرة أيضًا تصريحات رئيس
الوزراء عن "التغييرات الثورية مثل رقمنة الأنظمة وتحسين النظام
الضريبي"، ما يدل على أن المعركة مع الإرهاب امتدت إلى مستوى حوكمة الدولة،
فكلما كانت الإدارة فعالة وشفافة، كلما ضعفت بيئة الفساد التي قد تتسلل منها
التنظيمات المتطرفة.
انعكاسات الاستراتيجية على الإرهاب
لكن هل أثمرت هذه الاستراتيجية متعددة
الأبعاد نتائج ملموسة؟ هنا يمكن التوقف عند مؤشرات مزدوجة: أمنية واقتصادية. على
المستوى الأمني، ورغم تصاعد بعض العمليات في الأشهر الأخيرة، إلا أن الأجهزة
الأمنية حققت نجاحات بارزة في ملاحقة قيادات ميدانية للتنظيمات المسلحة، وتفكيك
خلايا نائمة. وقد أشار رئيس الوزراء إلى أن "القوات الباكستانية الشجاعة
قاتلت الإرهابيين بقوة" ونالت "اعتراف العالم بانتصار باكستان في معركة
ماركا حق التاريخية"، ما يمنح الرؤية الرسمية بعدًا شرعيًا ودوليًا.
لكن في الوقت نفسه، يسلّط تصاعد
الهجمات الأخيرة الضوء على تحدٍّ مزمن يواجهه هذا النوع من الاستراتيجيات المركبة:
الحاجة إلى الاستدامة والتنسيق طويل المدى. فبعض الجماعات، لا سيما تلك النشطة في
إقليم بلوشستان أو على الحدود مع أفغانستان، تعيد تموضعها بسرعة وتستفيد من
الهشاشة الأمنية في المناطق النائية. وهنا تبرز أهمية الدمج بين الرؤية العسكرية
وبين التنمية المحلية في المناطق الأكثر عرضة للتجنيد والتطرف.
اقتصاديًا، يبدو أن الرسائل الإيجابية
بدأت تصل إلى المستثمرين، إذ أشار شهباز شريف إلى أن "الارتفاع القياسي في
بورصة باكستان والتحسن في التصنيفات العالمية" يعكس استقرارًا يُعيد الثقة
إلى المستثمرين الأجانب. ومما يدعم هذا التوجه، استمرار برنامج "إعادة
المواطنين الأفغان المقيمين بصورة غير شرعية" ضمن إطار القانون الدولي، وهو
ملف كان يثير توترًا سياسيًا وأمنيًا على الساحة الداخلية، وارتبط في فترات سابقة
بتسلل عناصر متطرفة.
ويظهر تبني باكستان لاستراتيجية متعددة الأبعاد في
مواجهة الإرهاب نضوجًا في التفكير السياسي
والأمني؛ إذ لم تعد الدولة تُقارب الظاهرة من زاوية أمنية ضيقة، بل باتت تدرك أن
النجاح في هذه المعركة يتطلب حزمة متكاملة من الأدوات، تشمل التشريعات الصارمة
التي تعزز سلطة الدولة القانونية، والخطاب الفكري المعتدل الذي يواجه التطرف ويعيد
صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، إلى جانب بيئة اقتصادية مستقرة تسحب البساط من
تحت أقدام المتشددين الذين يتغذون على التهميش والفقر، فضلاً عن التنسيق المحكم
بين المؤسسات التنفيذية والأمنية، بما يضمن تنفيذًا فعالًا للاستراتيجيات
الموضوعة. غير أن التحدي الأكبر لا يزال يكمن في قدرة الحكومة على ضمان استدامة
هذا النهج وتطوير أدواته باستمرار، خصوصًا في ظل البيئة الإقليمية المعقدة التي
تحيط بباكستان، بدءًا من الحدود المضطربة مع أفغانستان، مرورًا بالاتهامات
المتبادلة مع الهند حول دعم جماعات مسلحة، وصولًا إلى محاولات التنظيمات المتطرفة
التكيف مع المتغيرات وإيجاد ثغرات جديدة. وبهذا، فإن نجاح الاستراتيجية سيُختبر
على أرض الواقع في الأشهر المقبلة، ليُثبت ما إذا كانت المقاربة الباكستانية تمثل
بالفعل سياسة دولة مدروسة، أم مجرد رد فعل مرحلي أمام تحديات متسارعة.