معسكرات وتجنيد وانتحاريون قُصّر.. هكذا يتمدد "داعش" في خراسان

الخميس 31/يوليو/2025 - 11:01 م
طباعة معسكرات وتجنيد وانتحاريون محمد شعت
 

في الوقت الذي تواصل فيه حركة طالبان إحكام سيطرتها على أفغانستان بعد انسحاب القوات الأميركية، برز تنظيم "داعش-ولاية خراسان" كأحد أخطر التهديدات التي تتنامى على الساحة الإقليمية والدولية، وتحديدًا في آسيا الوسطى وجنوب آسيا. فالتنظيم الذي تأسس عام 2015، كمنافس لطالبان وتنظيم القاعدة في منطقة خراسان التاريخية، سرعان ما تحوّل إلى رأس حربة في تنفيذ الهجمات الانتحارية ونقل المعركة إلى خارج الحدود الأفغانية.

وفي أحدث تقييم له، سلّط فريق الرصد والتحليل المعني بالعقوبات في مجلس الأمن الدولي الضوء على تصاعد خطر هذا التنظيم، مؤكدًا أن "داعش-خراسان" يُعد التهديد الأخطر في المنطقة، بما يمتلكه من شبكات تجنيد، وقدرة على التكيف، وطموح في توسيع رقعة نشاطه نحو دول الجوار والعالم.

وبحسب التقرير الأممي الصادر في يوليو 2025، فإن البيئة "المتساهلة" التي وفرتها حركة طالبان للجماعات الإرهابية داخل أفغانستان، مكّنت تنظيم داعش-خراسان من إعادة بناء نفسه، بل وتجنيد مقاتلين جدد من مناطق مختلفة، تشمل آسيا الوسطى وشمال القوقاز وشرق آسيا. هذه البيئة سمحت له بالاستفادة من خيبة الأمل التي أصابت عناصر سابقة في مجموعات أخرى مثل القاعدة وطالبان نفسها، فبدأ في استقطابهم ضمن ما يمكن وصفه بـ"تحالف المتمردين الساخطين"، الذين لا يجدون في حكم طالبان ما كانوا يطمحون إليه من تطبيق متشدد أو هيمنة أيديولوجية.

 

تجنيد وتوسع وإعادة انتشار

 

تُظهر بيانات مجلس الأمن أن تنظيم داعش-خراسان، الذي يضم حاليًا نحو ألفي مقاتل، كثّف من جهوده في التجنيد والتدريب خلال الأشهر الأخيرة، مستغلًا الهشاشة الأمنية التي تسيطر على المناطق الشمالية والشمالية الشرقية لأفغانستان، خاصة تلك القريبة من الحدود مع باكستان. ويشير التقرير الأممي إلى إنشاء التنظيم مدارس دينية لتلقين الأطفال الأفكار المتطرفة، كما أنشأ معسكرات خاصة لتدريب القاصرين على تنفيذ العمليات الانتحارية، في ظاهرة مقلقة تعيد إلى الأذهان أساليب "أشبال الخلافة" التي تبناها التنظيم في سوريا والعراق سابقًا.

 

ورغم مزاعم طالبان بمواجهة هذا التنظيم، فإن تقرير فريق الرصد يشير إلى أن هجمات داعش استمرت بوتيرة شبه منتظمة، مع تغيير واضح في استراتيجيات الاستهداف، حيث أصبح الشيعة، ثم طالبان، وأخيرًا المدنيون، هم الأهداف المفضلة للتنظيم. وهذا يعكس تحولًا في التفكير العملياتي لدى "داعش-خراسان"، الذي يسعى إلى ضرب العمق الطائفي واللوجستي لحركة طالبان، وتوسيع رقعة التوترات داخل أفغانستان.

 

وبالإضافة إلى عملياته داخل البلاد، يسعى التنظيم إلى توسيع نفوذه خارج أفغانستان، من خلال تنشيط خلاياه في دول الجوار مثل طاجيكستان وأوزبكستان، بل وتشير بعض التقديرات إلى وجود خطط للتمدد في باكستان وإيران، مستفيدًا من الطبيعة الجغرافية المفتوحة وضعف الرقابة الحدودية. ويؤكد تقرير مجلس الأمن أن بعض المقاتلين القادمين من سوريا بدؤوا بالوصول إلى أفغانستان، ما يفتح الباب أمام إعادة تدوير قيادات قديمة في المسرح الأفغاني.

 

طالبان، القاعدة، وداعش.. شبكة معقدة

 

رغم ما يبدو من تنافر في الأهداف بين حركة طالبان وتنظيم داعش-خراسان، إلا أن العلاقة بين الجماعات المسلحة داخل أفغانستان تظل محكومة بمصالح متداخلة، وأحيانًا بتقاطعات لا تُفصح عنها التصريحات الرسمية. فالتقرير الأممي يسلط الضوء على وجود تحالفات غير مباشرة بين طالبان وبعض الجماعات المرتبطة بداعش، مثل حركة أنصار الله الطاجيكية، والحركة الإسلامية في أوزبكستان، إضافة إلى استخدام هذه الجماعات ضمن وحدات الشرطة والجيش في ظل حكم طالبان.

 

وبالمقابل، ورغم تعهداتها بموجب اتفاق الدوحة مع الولايات المتحدة بقطع العلاقات مع القاعدة، فإن طالبان لا تزال تحتفظ بعلاقات وثيقة مع هذا التنظيم، الذي أعاد تأسيس ثمانية معسكرات تدريب جديدة في ولايات أفغانية مختلفة، وفقًا لتقرير مجلس الأمن. ويشير التقرير إلى أن زعيم القاعدة، سيف العدل، يُعتقد أنه موجود في إيران، في حين أن مسؤول التدريب الانتحاري لتنظيم القاعدة، حكيم المصري، ينشط في ولاية كونار، ويقدم تدريبات مباشرة لعناصر حركة طالبان باكستان.

وقد وثق التقرير أيضًا وجود مدارس دينية تابعة للقاعدة في ولايات مثل نورستان، ننگرهار، وكونار، تُستخدم كمراكز لتلقين الأيديولوجيا المتشددة، وبؤر لتجنيد العناصر الجديدة. كما أن تنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية يلعب دورًا داعمًا لحركة طالبان الباكستانية، خاصة في الهجوم الذي شنته الأخيرة على مدينة شيترال الباكستانية في سبتمبر 2023.

 

ويؤكد التقرير أن العلاقة بين طالبان وتنظيم القاعدة لا تزال قائمة رغم وجود بعض التوترات، مشيرًا إلى أن طالبان سمحت بوجود مقاتلين عرب من القاعدة في ولايات مثل غزنة، هلمند، وزابل، وأن عدد كبار القادة في التنظيم الموجودين داخل أفغانستان لا يتجاوز اثني عشر شخصًا، لكنهم يظلون فاعلين على مستوى التخطيط والتدريب.

 

داعش-خراسان وتهديد الاستقرار الإقليمي والدولي

 

يحذر مجلس الأمن من أن تصاعد نشاط تنظيم داعش-خراسان لا يشكل خطرًا على أفغانستان وحدها، بل على كامل الإقليم، وربما العالم. فالتنظيم لا يخفي طموحه في تنفيذ هجمات خارجية، ويعتمد في ذلك على شبكة تجنيد نشطة، يقودها شخصيات مؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي، أبرزهم الطاجيكي "خوكوماتوف شامل" المعروف باسم "أبو مسكين"، الذي يدير قناة تابعة للتنظيم على تليغرام، ويُعد من أبرز الدعاة والمجندين في صفوفه.

 

وتُجمع تقارير عدد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على أن زعيم التنظيم، شهاب المهاجر (سناء الله غفاري)، لا يزال على قيد الحياة، رغم إصابته في هجوم جوي في ولاية كونار. ويُعتقد أنه لا يزال يوجه عمليات التنظيم من مكان غير معروف، بينما تتكثف جهود داعش في استقطاب مقاتلين أجانب وطالبان منشقين.

 

في الوقت ذاته، تواصل طالبان الباكستانية، التي تضم نحو 6000 مقاتل، الاستفادة من الملاذ الآمن الذي توفره لها طالبان الأفغانية، رغم الخلافات التكتيكية بين الطرفين. وتقول باكستان إن الجماعة لا تزال تنفذ هجمات انطلاقًا من الأراضي الأفغانية، وهي الاتهامات التي ترفضها طالبان، رغم تأكيد الأمم المتحدة على استمرار الدعم اللوجستي والعملياتي لها.

 

وقد أجرى وزير الداخلية الباكستاني محسن نقفي زيارة إلى كابول مؤخرًا لبحث التعاون الأمني، ودعا إلى "محاربة الجماعات الإرهابية بشكل مشترك"، وهو ما ردت عليه قيادة طالبان بإشارات إيجابية، وفقًا لتصريحات شفقت علي خان، المسؤول بوزارة الخارجية الباكستانية. لكن الواقع الأمني على الأرض لا يُظهر تغييرًا جذريًا، خصوصًا مع تواصل نشاط داعش-خراسان في المناطق القبلية والحدودية.

 

من جهة أخرى، يؤكد تقرير مجلس الأمن أن الضغط الذي تمارسه طالبان على داعش خراسان قد نجح جزئيًا في تقليص حجم الهجمات، لكنه لم يمنع التنظيم من مواصلة التمدد. ويعزو الخبراء ذلك إلى الطبيعة اللامركزية لتنظيم داعش، وقدرته على إعادة التموضع بعد كل ضربة، بالإضافة إلى استمرار التجنيد في أوساط المحبطين من أداء طالبان.

ويتضح من تقرير مجلس الأمن صورة مقلقة للوضع في أفغانستان، حيث تتقاطع مصالح جماعات إرهابية متعددة في بيئة خصبة لانتعاش العنف والتطرف. وتظل داعش-خراسان الخطر الأبرز، ليس فقط من حيث قدرتها على تنفيذ العمليات، بل بسبب طبيعتها المتحولة وسرعة تكيفها مع الظروف الأمنية والسياسية. وبينما تتحدث طالبان عن حرب ضد داعش، تكشف المعطيات الميدانية عن شبكة علاقات غير معلنة بين الطرفين، تُغذي بدورها الاستقطاب المسلح والفوضى في الإقليم. وفي ظل غياب موقف دولي موحد، واستمرار تغاضي بعض القوى عن نشاط التنظيمات في أفغانستان، فإن تهديد داعش-خراسان سيظل مرشحًا للتصاعد، ليس فقط في آسيا الوسطى، بل في مختلف أنحاء العالم.

 

شارك