بين نيران داعش وإهمال المجتمع الدولي: من يدفع ثمن أزمة مخيم الهول؟

السبت 02/أغسطس/2025 - 09:54 ص
طباعة بين نيران داعش وإهمال حسام الحداد
 
تشهد منطقة مخيم الهول في شمال شرق سوريا حالة من التوتر والانفلات الأمني المتزايد، تجسّد آخر فصولها في حادثة حرق ونهب وتخريب طالت ثلاثة مراكز تابعة لمنظمات إنسانية تعمل داخل المخيم. وأفادت مديرة المخيم لصحيفة «الشرق الأوسط» أن هذه الاعتداءات ليست معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة أعمال عدائية تتكرر داخل المخيم، في ظل ظروف أمنية متدهورة، وعجز واضح عن السيطرة على الأوضاع الميدانية في هذا التجمع السكاني الهش والمعقّد.
ويُعدّ مخيم الهول من أكثر المخيمات حساسية في سوريا، إذ يؤوي أكثر من 60 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، بينهم عائلات تنتمي أو يُشتبه بانتمائها لتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). وقد بات المخيم ساحة لصراعات متعددة، سواء بين السكان أنفسهم أو بين جهات متطرفة تستغل ضعف السيطرة الأمنية لبسط نفوذها وبث الخوف والفوضى. المنظمات الإنسانية العاملة هناك تواجه تحديات جسيمة، ليس فقط على صعيد تقديم الخدمات، بل أيضًا في تأمين سلامة طواقمها ومنشآتها.
وتعيد الحادثة الأخيرة إلى الأذهان سلسلة من الحوادث السابقة التي شهدها المخيم، مثل الحريق المروّع الذي اندلع في فبراير 2021، وأسفر عن مقتل أربعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال، وإصابة 26 آخرين. وقد سلطت تلك الواقعة الضوء على هشاشة بنية الحماية داخل المخيم، ودفع الأمم المتحدة حينها إلى تجديد الدعوة لإيجاد حلول طويلة الأمد لأزمة الهول، بما في ذلك تسريع عمليات الإعادة إلى أوطان المحتجزين وتحسين الأوضاع الإنسانية والأمنية داخله.
كما لا يمكن إغفال حادثة يناير 2022، التي شهدت مقتل عامل إغاثة سوري في هجوم مسلح استهدف منشأة صحية داخل المخيم، في واقعة عكست حجم المخاطر التي تواجهها المنظمات الدولية والمحلية في بيئة ملغّمة بالتطرف والعنف. هذه الحوادث مجتمعة ترسم صورة قاتمة لمستقبل المخيم، ما لم تتضافر الجهود الدولية والإقليمية لمعالجة جذور الأزمة، وتوفير حلول إنسانية وأمنية تضمن الكرامة والسلامة للسكان المحتجزين داخله.

الخلفيات
يُعد مخيم الهول من أكثر البؤر تعقيدًا في المشهد السوري، حيث تتداخل فيه الأزمات الأمنية والإنسانية والاجتماعية والسياسية، ما يجعله أرضًا خصبة للعنف والانفلات وتفاقم المأساة الإنسانية. ومع أن المخيم أنشئ كمأوى مؤقت للنازحين واللاجئين، إلا أنه تحوّل مع مرور الوقت إلى مركز لاحتجاز عشرات الآلاف من النساء والأطفال، كثير منهم على صلة بتنظيم "داعش". في هذا السياق، تبرز أربع خلفيات رئيسية تُفسر أسباب استمرار التدهور في المخيم، وتُسلّط الضوء على حجم التحديات التي تواجهها المنظمات الإنسانية والدول المعنية.
أولًا: الوضع الأمني الهش
يقع مخيم الهول في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، وتُشرف عليه قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. إلا أن هذا الإشراف يظل اسميًا في كثير من الأحيان، إذ تشير تقارير ميدانية إلى أن عناصر من تنظيم "داعش" لا يزالون يحتفظون بوجود ونفوذ داخل المخيم، خاصة في أقسامه التي تضم عائلات مرتبطة بالتنظيم. ويُعتقد أن هؤلاء العناصر يستغلون ضعف الرقابة الأمنية لممارسة أنشطة التلقين الأيديولوجي والتجنيد، ما يحوّل المخيم إلى بيئة خصبة لإعادة إنتاج التطرف.
هذا الواقع الأمني غير المستقر يجعل من الصعب ضمان سلامة العاملين في المجال الإنساني، ويُعرّضهم باستمرار لهجمات مباغتة، سواء بالأسلحة البيضاء أو النارية أو الحرائق المتعمدة. كما أن غياب استراتيجية أمنية فعالة يتسبب في تكرار أعمال العنف داخل المخيم، ويمنع أي مسار حقيقي نحو تحسين الأوضاع أو إعادة التأهيل، سواء للسكان أو للبيئة المحيطة.
ثانيًا: الظروف الإنسانية المزرية
يعاني سكان المخيم من أوضاع إنسانية كارثية، إذ يشهد نقصًا حادًا في الغذاء والدواء والمياه الصالحة للشرب، في ظل ضعف البنية التحتية وتراجع الدعم الدولي. وتزداد المعاناة في فصلَي الشتاء والصيف، حيث تتسبب درجات الحرارة القاسية في انتشار الأمراض، دون وجود مرافق طبية مؤهلة لعلاج الحالات الحرجة. كما أن سوء التغذية يؤثر بشكل مباشر على الأطفال، الذين يشكلون شريحة كبيرة من قاطني المخيم.
تُفاقم هذه الظروف من حدة التوترات داخل المخيم، خاصة في القسم المعروف بـ"الآنيكس"، الذي يضم نساء وأطفالًا أجانب من جنسيات غير سورية أو عراقية، ويُعتبر من أكثر المناطق عزلة وتقييدًا للحركة. يُمنع سكان هذا القسم من الخروج أو التواصل بحرية، ما يؤدي إلى تصاعد مشاعر الاحتقان واليأس، ويُشكّل بيئة محفوفة بالعنف الداخلي والانفجارات السلوكية المفاجئة.
ثالثًا: استغلال المساعدات الإنسانية
ثمة تقارير متكررة تفيد بأن قوات سوريا الديمقراطية تستغل المساعدات الإنسانية التي تُقدَّم للمخيم، سواء لتحقيق أهداف سياسية تتعلق بإبراز دورها أمام المجتمع الدولي، أو لتحقيق مكاسب مادية من خلال التحكم في توزيع الإغاثة وفرض إتاوات على دخولها. هذا الاستغلال يُقوّض ثقة السكان المحليين في الجهات المشرفة، ويُضعف من فعالية الدعم المُقدّم، بل ويؤدي في كثير من الأحيان إلى حرمان بعض الفئات من حقها في المساعدات.
من جهة أخرى، تُواجه المنظمات الإنسانية صعوبات جمّة في الوصول إلى المخيم أو العمل داخله بحرية، نتيجة لهذه التدخلات غير المشروعة. كما أن هذا الاستغلال السياسي والمادي يُساهم في تغذية مشاعر الغضب لدى السكان، الذين يشعرون بأنهم رهائن لصراعات لا علاقة لهم بها، ما يُمهّد الطريق أمام المزيد من أعمال التخريب والتمرد والانضمام لمشاريع متطرفة.
رابعًا: انتشار الفكر المتطرف بين السكان
يُعتبر وجود أفكار متطرفة داخل المخيم من أخطر التحديات، خصوصًا أن عددًا كبيرًا من النساء والأطفال الموجودين فيه لهم صلات مباشرة أو غير مباشرة بمقاتلي تنظيم "داعش". وتُشير تقارير إلى أن بعض النساء يقمن بأنشطة تلقين فكري داخل المخيم، وينقلن العق
الدلالات
تُعدّ الأحداث المتكررة في مخيم الهول، من هجمات مسلحة إلى أعمال تخريب ضد المراكز الإنسانية، مؤشراً خطيراً على تعمق أزمة هذا المخيم، الذي لم يعد مجرد مأوى مؤقت للنازحين بل تحوّل إلى بؤرة أمنية وإنسانية وسياسية معقدة. ما يحدث في الهول لا يعكس فقط هشاشة الوضع في الداخل السوري، بل يكشف أيضًا عن إخفاق المنظومة الدولية في التعامل الجاد مع هذا الملف المزمن. ومن خلال تحليل دلالات هذه الأحداث، يمكن الوقوف على أربعة أبعاد رئيسية تتطلب معالجة فورية وجذرية.
أولًا: تصاعد المخاطر على العاملين الإنسانيين
تُشير الهجمات الأخيرة على مراكز منظمات إنسانية إلى ارتفاع حاد في مستوى التهديد الذي يواجهه العاملون في المجال الإغاثي داخل مخيم الهول. لم تعد هذه المخاطر محصورة في بيئة غير مستقرة، بل باتت موجهة بشكل مباشر نحو المنشآت والكوادر الإنسانية، مما يهدد بإفراغ المخيم من الخدمات الحيوية التي يعتمد عليها عشرات الآلاف من سكانه. وقد دفعت اعتداءات سابقة بعض المنظمات إلى تعليق عملياتها مؤقتًا، كما حدث أثناء مداهمات أمنية في فترات سابقة.
هذا الوضع لا يُفضي فقط إلى حرمان السكان من الغذاء والرعاية الصحية والمياه، بل يُعمّق من الأزمة الإنسانية المتفاقمة، خاصة في ظل غياب بدائل أو ضمانات أمنية لعودة فرق الإغاثة. ويطرح استمرار هذه الهجمات تساؤلات جدية حول قدرة الجهات المسيطرة على تأمين الحماية، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية لضمان بيئة آمنة للعاملين الإنسانيين.
ثانيًا: فشل الحلول الدولية في معالجة الأزمة
رغم مرور سنوات على إنشاء المخيم، ورغم الدعوات المتكررة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية لإعادة تأهيل المخيم أو تفكيكه عبر ترحيل السكان إلى بلدانهم الأصلية، لا تزال الإجراءات المتخذة بطيئة ومحدودة. تقف أمام هذا الملف عوائق سياسية وقانونية معقدة، أبرزها رفض بعض الدول استقبال مواطنيها، وعدم الاعتراف بالأطفال المولودين في مناطق سيطرة تنظيم "داعش"، وهو ما يحرمهم من وثائق رسمية وحقوق أساسية، ويُبقيهم محتجزين في ظروف غير إنسانية.
في ظل هذا الجمود، لا يزال عدد قاطني المخيم مرتفعًا، حيث يضم اليوم نحو 52 ألف شخص، يشكّل الأطفال دون سن 12 منهم حوالي 60%. هذه الأرقام تعكس كارثة إنسانية وجيلاً كاملاً مهددًا بالضياع، في غياب حل جذري يعالج مسألة المواطنة، ويُعيد دمج هؤلاء الأطفال في مجتمعاتهم من خلال التعليم والرعاية والدعم النفسي، بدلًا من تركهم عرضة للتهميش أو الاستغلال.
ثالثًا: استمرار خطر التطرف في غياب التأهيل
إن بقاء عائلات مرتبطة بتنظيم "داعش" في بيئة تعاني من الحرمان والعزلة، دون وجود برامج فعالة لإعادة التأهيل النفسي والفكري، يُشكل تهديدًا مستمرًا بإعادة إنتاج التطرف. ففي الوقت الذي يعيش فيه الأطفال في خيام متهالكة وسط انعدام التعليم والخدمات، يجد البعض من هذه العائلات في تلك الظروف فرصة لغرس أفكار متطرفة وبث الكراهية تجاه الآخر.
من دون تدخل دولي عاجل لتوفير برامج تفكيك الفكر المتطرف وإعادة الإدماج المجتمعي، فإن مخيم الهول قد يتحوّل إلى حاضنة لجيل جديد من المتشددين، تربى على العنف والانتقام والإقصاء. وبدلًا من أن يكون المخيم مرحلة انتقالية نحو التعافي، فإنه في صورته الحالية يُعيد إنتاج الأزمة بأدوات جديدة، ويؤسس لصراعات مستقبلية عابرة للحدود.
رابعًا: التحديات الإقليمية والدولية في معالجة الملف
أبرزت الحوادث الأخيرة في الهول الحاجة الملحّة إلى تعاون دولي حقيقي لمعالجة أزمة المخيم، سواء من خلال تأمين الموارد المالية واللوجستية، أو عبر تسهيل العودة الطوعية والآمنة للاجئين، كما دعت إلى ذلك الأمم المتحدة ومنظمات كـ«اليونيسف». غير أن التقدم على هذا الصعيد يظل بطيئًا، ويخضع لحسابات سياسية وأمنية ضيقة من جانب بعض الحكومات.
على سبيل المثال، قامت العراق في شهر واحد فقط بإعادة 173 عائلة من المخيم، في حين لا تزال دول أخرى – خاصة من أوروبا وآسيا الوسطى – تتردد في اتخاذ خطوات مماثلة. هذا التباطؤ لا يُبقي فقط عشرات الآلاف من الأشخاص عالقين في دائرة اليأس، بل يُضعف من جهود مكافحة التطرف ويُعقّد فرص الاستقرار الإقليمي. فمعالجة أزمة الهول ليست مسؤولية طرف واحد، بل تتطلب تنسيقًا دوليًا شاملاً يُراعي البُعد الإنساني والأمني في آن معًا.

خلاصة: حادثة حرق ونهب مراكز المنظمات الإنسانية في مخيم الهول تُسلط الضوء على الأزمة المعقدة التي يعيشها المخيم، حيث تتداخل التحديات الأمنية والإنسانية والسياسية. هذه الأحداث تُعزز الحاجة الملحة إلى حلول دولية شاملة تشمل إعادة التوطين، تحسين الأمن، وضمان وصول المساعدات بشكل عادل. دون تدخل فعال، يظل المخيم قنبلة موقوتة تهدد استقرار المنطقة وتُعرض حياة المدنيين والعاملين الإنسانيين للخطر.

شارك