قمع المعلمين في مناطق الحوثي.. بين الإخفاء القسري والتأهيل الطائفي
الأحد 03/أغسطس/2025 - 12:13 م
طباعة

في تطور جديد يعكس تصاعد القمع والاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي المسلحة، أدانت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات بأشد العبارات قيام مليشيا الحوثي الإرهابية باختطاف أكثر من 12 مدرسًا من أبناء مديرية ماوية بمحافظة تعز، واقتيادهم قسرًا إلى معتقلاتها في مدينة الصالح بالمحافظة ذاتها، في خطوة تعكس نمطًا متكررًا من الانتهاكات الموجهة ضد الكوادر التعليمية والتربوية، لا سيما أولئك الذين يُشتبه بعدم ولائهم للمليشيا أو رفضهم للانخراط في أنشطتها الفكرية والسياسية ذات الطابع الطائفي.
وبحسب ما أكدته الشبكة الحقوقية، فإن حملة الاختطافات الأخيرة تندرج ضمن استراتيجية حوثية ممنهجة لتصفية قطاع التعليم من الأصوات المستقلة أو المناهضة، وتحويل المدارس من مؤسسات وطنية للتعليم إلى أدوات تعبئة أيديولوجية، يتم من خلالها تمرير خطاب الجماعة الطائفي ومشروعها السياسي.
وأشارت الشبكة إلى أن عملية الاعتقال تمت خارج الأطر القانونية، ودون صدور أوامر قضائية أو توجيه تهم واضحة للمختطفين، ما يشكل انتهاكًا صارخًا للمادة التاسعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمواد ذات الصلة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وأوضحت الشبكة أن المختطفين أُخِذوا إلى جهة مجهولة داخل معتقلات جماعة الحوثي في مدينة الصالح، وتم حرمانهم من التواصل مع أسرهم أو السماح لمحامين بزيارتهم، ما يُعد من صور الإخفاء القسري المحظور دوليًا، كما لفتت إلى أن هذه الممارسات ليست معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات التي طالت مئات المعلمين في مختلف المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة، شملت الفصل من الوظيفة، الاعتقال، التهديد، التجويع، والإجبار على حضور دورات فكرية مذهبية، تهدف لإعادة "تأهيلهم" وفق رؤية الحوثيين العقائدية.
ويرى مراقبون أن هذا التصعيد ضد المعلمين يعكس عمق الأزمة التي تمر بها العملية التعليمية في اليمن، ويدل على محاولة حوثية منهجية للهيمنة الكاملة على المدارس ليس فقط إداريًا، بل ذهنيًا وفكريًا، من خلال فرض مناهج تعليمية ذات مضامين طائفية، وإقصاء المعلمين المستقلين أو غير المنتمين إلى الجماعة، تمهيدًا لتنشئة أجيال تدين بالولاء للمشروع الحوثي لا للوطن.
ويحذر المختصون من أن الاستهداف المتكرر للمعلمين، وإخضاعهم للترهيب أو الإخفاء القسري، قد يؤدي إلى انهيار شبه تام في النظام التعليمي، ويُنتج جيلًا محرومًا من فرص التعليم السليم، ما ينعكس سلبًا على مستقبل اليمن بأسره، فالمعلم بحسب تعبير أحد المراقبين، "هو العمود الفقري لأي نهضة مجتمعية، وإذا جرى ضربه، سقط المجتمع في دائرة الجهل والتعبئة الممنهجة".
وفي ضوء هذه التطورات، طالبت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات بالإفراج الفوري وغير المشروط عن كافة المعلمين المختطفين، ووقف جميع الممارسات التعسفية ضد التربويين في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، كما دعت الأمم المتحدة، ممثلة بمبعوثها الخاص إلى اليمن، وكافة المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، إلى التدخل العاجل لحماية المعلمين من هذا الاستهداف الممنهج، وفتح تحقيقات مستقلة وشفافة بشأن هذه الانتهاكات، بما يكفل محاسبة المسؤولين عنها.
وحثت الشبكة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمفوضية السامية لحقوق الإنسان على إدراج هذه الانتهاكات ضمن تقاريرهم الدورية، والضغط على جماعة الحوثي لوقف تسييس التعليم، والكف عن فرض خطاب الكراهية والطائفية داخل المؤسسات التعليمية.
ويجمع المراقبون على أن استهداف التعليم في اليمن لم يعد مجرد نتيجة عرضية للصراع، بل بات جزءًا من استراتيجية قسرية تسعى إلى إعادة صياغة الوعي المجتمعي، وفرض مشروع عقائدي منغلق يعادي التنوع الفكري والديني، إن ما يحدث – بحسب توصيف الشبكة – "جريمة مركبة، تمس المعلم والطالب، الحاضر والمستقبل، وتستهدف أحد آخر ما تبقى من أدوات الاستقرار الاجتماعي في بلد تمزقه الحرب".
واختتمت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات بيانها بالتأكيد على أن استعادة كرامة المعلم وتهيئة بيئة تعليمية حرة وآمنة تشكل الخطوة الأولى نحو بناء يمن جديد قائم على المواطنة، والسلام، والدولة العادلة، وأن الصمت عن هذه الانتهاكات يرقى إلى مستوى التواطؤ مع جريمة تستهدف النسيج الوطني من جذوره.