واشنطن تصعّد حملة "الضغط القصوى" وتضرب البنية التحتية المالية والتكنولوجية الإيرانية بعقوبات جديدة

السبت 09/أغسطس/2025 - 10:55 ص
طباعة واشنطن تصعّد حملة فاطمة عبدالغني
 
في خطوة تُعد من أكبر موجات العقوبات منذ انطلاق حملة "الضغط القصوى"، وجهت الولايات المتحدة ضربة مزدوجة للآلة الاقتصادية والتكنولوجية للنظام الإيراني، معلنة فرض عقوبات على 18 كيانًا وفردًا متورطين في شبكات التهرب المالي والرقابة الداخلية، وتشير هذه الخطوة إلى أن واشنطن باتت تستهدف العمق المالي والتقني الذي يُمكّن طهران من تمويل أنشطتها الإقليمية والتسلحية، وقمع مواطنيها في الداخل، في ظل تعثر الجهود الدبلوماسية والتصعيد الإقليمي المستمر.
رسالة واشنطن الحاسمة
أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تامي بروس، في منشور على منصة "إكس" (تويتر سابقًا) أن الخطوة تأتي ضمن الاستراتيجية التي أطلقتها إدارة الرئيس ترمب، موضحة "في إطار حملة الضغط القصوى التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، نستهدف 18 كياناً وشخصاً جديداً لتسهيلهم محاولات إيران للتهرب من العقوبات الأمريكية".
وأضافت "سنواصل حرمان إيران من الأموال التي تستخدمها لدعم أنشطتها التخريبية في العالم".
نظام رسائل مصرفية بديل: محاولة للتحايل على نظام "سويفت"
من أبرز الكيانات المستهدفة شركة RUNC Exchange System Company، التي طورت نظامًا بديلًا للمراسلة المصرفية عبر الحدود (CUMS)، مصممًا خصيصًا للتحايل على الأنظمة الدولية المعمول بها في تسوية المدفوعات مثل نظام "سويفت"، وبحسب وزارة الخزانة تم استخدام هذا النظام للتواصل مع بنك "كونلون" الصيني، وهو بنك خاضع للعقوبات، بهدف تسهيل التحويلات غير المشروعة لعائدات النفط الإيراني.
وفي بيان صادر عن وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، قال "نتيجةً لحملة الضغط القصوى التي شنّها الرئيس ترامب، وعزلته المتزايدة عن النظام المالي العالمي، لم يعد لدى النظام الإيراني أي ملجأ للاختباء"، مضيفًا "ستواصل الخزانة عرقلة مخططات إيران الرامية إلى التهرب من عقوباتنا، ومنع وصولها إلى الإيرادات، وتقليص موارد برامجها التسلحية من رأس المال، وذلك لحماية الشعب الأمريكي".
بنك "سايروس": الواجهة الخفية لعائدات النفط
ومن بين الكيانات المعاقبة أيضًا بنك سايروس الخارجي، الذي أُسس بسرّية في "جزيرة كيش" بالخليج العربي عام 2021، بناءً على ترخيص من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بهدف تسهيل شراء السلع والخدمات من الخارج دون الكشف عن ارتباطه بالبنك المركزي الإيراني.
وتشير وثائق الخزانة إلى أن البنك يُدار فعليًا من قبل بنك بارسيان الخاضع للعقوبات، وتم استخدامه لتحويل عائدات نفطية مباشرة إلى الحرس الثوري الإيراني، وقد طالت العقوبات كبار المسؤولين التنفيذيين في هذا البنك، بينهم هادي نوري وعلي رضا فاتحينوجوكامبري وعادل برجيسيان، لتورطهم في هذه العمليات.
تكنولوجيا المعلومات في خدمة الدولة البوليسية
في الجانب التكنولوجي، فرضت الخزانة الأمريكية عقوبات على شركة FANAP القابضة للبرمجيات، التي تمتلكها أو تخضع لسيطرة بنك باسارغاد، وتعد FANAP لاعبًا رئيسيًا في تصميم أنظمة الدفع والمراقبة الإلكترونية في إيران، بما في ذلك أجهزة الصراف الآلي المحلية وتطبيقات المصادقة البيومترية.
وقد استخدمت الحكومة الإيرانية منتجات FANAP وشركاتها التابعة في دعم مشاريع مثل شبكة المعلومات الوطنية (NIN)، وهي بنية تحتية للإنترنت المحلي تهدف لعزل الإيرانيين عن الشبكة العالمية، بالإضافة إلى تطوير تطبيق "سروش" البديل عن "تلغرام"، وبرنامج التعرف على الوجه "Behnama" المستخدم من قبل شرطة الأخلاق لفرض قوانين الحجاب.
وشملت العقوبات مدير FANAP، شهاب جوانمردي، الذي تربطه صلات بوزارة الاستخبارات والحرس الثوري الإيراني، كما فُرضت عقوبات على شركاتها الفرعية، منها Dotin وFANAP Tech وParsa وBaran Telecom وغيرها، لتورطها في توفير تقنيات تُستخدم في قمع الحريات وتوسيع نطاق الرقابة الرقمية في إيران.
تصعيد تدريجي واستراتيجية احتواء طويلة الأمد
يرى مسؤولون أميركيون أن هذه الحزمة تمثل تصعيدًا "منظمًا" في الضغط على طهران، وبحسب بيان رسمي صادر عن وزارة الخزانة، فإن العقوبات تأتي تنفيذًا للأمر التنفيذي رقم 13902، والمبني على مذكرة الأمن القومي الرئاسية رقم 2، والتي تهدف إلى "إضعاف البنية التحتية الاقتصادية للنظام الإيراني وتعطيل قدراته على التهرب من العقوبات".
شبكة العقوبات تُضيّق الخناق على طهران
يرى مراقبون دوليون أن واشنطن باتت تعتمد نهجًا مركبًا في معاقبة إيران، لا يقتصر على الكيانات النفطية أو العسكرية، بل يشمل شبكات التكنولوجيا المالية، والأدوات الرقمية، وحتى الشركات المملوكة للدولة أو المرتبطة بها في الظل، ويشير المحللون إلى أن العقوبات الأخيرة تستهدف عصبًا حيويًا في المنظومة الإيرانية، إذ تضرب شبكة التمويل غير الرسمي الذي يربط بين صادرات النفط، والأنظمة المصرفية في الصين وشرق آسيا، وفرق التجسس الداخلي.
وبينما تحاول إيران الاستفادة من تغيرات الجغرافيا السياسية العالمية، كالتقارب مع روسيا والصين، تؤكد هذه الإجراءات الأمريكية أن واشنطن لا تزال تمتلك أدوات ضغط نافذة، وقادرة على تعطيل شبكات الظل المالية حتى خارج نطاق الدولار.
ويحذر خبراء من أن استمرار إيران في تطوير أدوات مالية وتكنولوجية بديلة قد يعمق من عزلتها، لكنه قد يُسرّع في ذات الوقت ولادة نظام اقتصادي موازٍ بمساندة قوى منافسة للغرب، ومع ذلك تبقى قدرة طهران على الصمود أمام هذا الكم المتسارع من العقوبات موضع شك، خاصة مع تصاعد الأزمة الداخلية، واحتدام الغضب الشعبي، وانهيار قيمة العملة المحلية.

شارك