من النيجر إلى الجزائر… مسارات التهديدات الإرهابية في منطقة الساحل

الأحد 10/أغسطس/2025 - 04:35 م
طباعة من النيجر إلى الجزائر… حسام الحداد
 
أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية، الأحد، أن وحدة من الجيش الوطني الشعبي تمكنت، السبت، من القضاء على أربعة متشددين مسلحين على الحدود الجنوبية الشرقية للبلاد بالقرب من النيجر، وصادرت أربعة مسدسات رشاشة كانت بحوزتهم. وأوضح البيان أن المسلحين، وهم عمراني معاذ، وبوصبع حسام، وغدير بشير معمر، وبدغيو عقبة، كانوا ينشطون ضمن جماعات إرهابية خارج الوطن، وحاولوا اختراق الحدود الوطنية والتسلل داخل التراب الجزائري، مؤكدًا أن العملية تأتي في إطار مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
الجنوب الجزائري… خط الدفاع الأول 
العملية الأخيرة التي نفذها الجيش الجزائري تكشف بوضوح أن التهديد الإرهابي على الحدود الجنوبية للبلاد لم يتراجع، بل ما زال قائمًا بقوة. هذه المنطقة لطالما شكّلت مسرحًا لمحاولات تسلل من قبل عناصر مسلحة، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية الوعرة وصعوبة المراقبة الكاملة لمساحات شاسعة من الصحراء. ورغم النجاحات الأمنية السابقة، فإن استمرار هذه المحاولات يؤكد أن الجماعات الإرهابية ترى في الجنوب الجزائري هدفًا استراتيجيًا لا يمكنها تجاهله.
الحدود مع النيجر تحديدًا تُعتبر من أكثر الممرات حيوية بالنسبة لهذه الجماعات، سواء لتهريب السلاح أو لإدخال العناصر البشرية أو حتى لتهريب البضائع والمخدرات لتمويل أنشطتها. هذا النشاط لا ينفصل عن شبكات التهريب والجريمة المنظمة، التي غالبًا ما تعمل في تنسيق غير معلن مع الجماعات الإرهابية، ما يزيد من صعوبة المواجهة ويجعل أي عملية اختراق تحمل أكثر من بُعد أمني.
توقيت هذه العملية أيضًا يضفي عليها دلالة خاصة، إذ تأتي في ظل تصاعد أعمال العنف في منطقة الساحل، وخاصة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. هذه الدول تعاني من تدهور أمني واضح بعد الانقلابات السياسية وتراجع التنسيق الأمني الإقليمي، وهو ما خلق فراغًا استغلته التنظيمات الإرهابية لتوسيع نفوذها وزيادة تحركاتها عبر الحدود. وبالتالي، فإن أي تحرك مسلح باتجاه الجزائر يمكن قراءته في إطار هذه الموجة الإقليمية من عدم الاستقرار.
الأخطر من ذلك أن امتداد الفوضى من دول الساحل نحو الشمال قد يصبح واقعًا إذا لم يتم احتواؤه مبكرًا. فالجزائر تمثل حاجزًا جغرافيًا وسياسيًا بين هذه البؤر المشتعلة والبحر الأبيض المتوسط، وأي اختراق أمني في الجنوب قد تكون له تداعيات واسعة، ليس فقط على الداخل الجزائري، بل على أمن شمال إفريقيا بأكمله. وهذا يفسر حرص المؤسسة العسكرية على إظهار الجاهزية التامة في مواجهة أي محاولة تسلل، وإرسال رسالة واضحة مفادها أن حدود الجزائر ليست سهلة المنال.
غياب الهوية التنظيمية… بين التحفظ الاستخباراتي واحتمال المهام الاستطلاعية
غياب الإعلان عن هوية الجماعة الإرهابية التي ينتمي إليها المسلحون الأربعة يثير الكثير من التساؤلات. فقد يكون هذا الصمت نابعًا من أسباب استخباراتية بحتة، حيث تُفضل السلطات عدم الكشف عن تفاصيل حساسة قد تعيق سير التحقيقات أو تفسح المجال لرصد تحركات شركائهم. في مثل هذه الحالات، تكون الأولوية هي تتبع خيوط الاتصال وتحديد مسارات الإمداد والدعم، قبل الإعلان عن الانتماء التنظيمي بشكل رسمي.
هناك احتمال آخر أن هذه المجموعة لم تكن جزءًا من عملية قتالية مباشرة، بل كانت في مهمة استطلاع لجمع معلومات حول المواقع العسكرية أو تحركات القوات الجزائرية في المنطقة. مثل هذه المهام غالبًا ما تسبق هجمات أكبر، إذ تعتمد الجماعات الإرهابية على فرق صغيرة للتجسس واستكشاف النقاط الضعيفة في خطوط الدفاع، تمهيدًا لإطلاق عمليات أكثر تعقيدًا وخطورة.
كما لا يُستبعد أن يكون هؤلاء في مهمة تهريب أسلحة أو نقل معدات لوجستية بين خلايا تنشط على جانبي الحدود. منطقة الساحل معروفة بكونها ممرًا لتهريب السلاح من ليبيا أو من مناطق النزاع الأخرى نحو عمق الصحراء الكبرى، وهو ما يضع الجزائر أمام تهديد مزدوج: الإرهاب والجريمة المنظمة. هذا التشابك يزيد من صعوبة تحديد ما إذا كانت العملية ذات طابع إرهابي صرف، أم أنها جزء من شبكة إمداد ودعم واسعة.
الأهم أن مثل هذه المحاولات إذا لم تُكتشف وتُحبط مبكرًا، يمكن أن تتطور إلى عمليات أكبر وأكثر تأثيرًا، قد تستهدف منشآت حيوية مثل خطوط الطاقة أو المراكز الأمنية أو حتى المدن الحدودية. هذا يبرز الحاجة المستمرة للحفاظ على الضغط الميداني والاستخباراتي، وعدم الاكتفاء بالعمليات الدفاعية، بل الانتقال إلى استراتيجية استباقية لضرب الخلايا في أماكن تجمعها قبل أن تصل إلى مرحلة التنفيذ.
الأثر المحلي والإقليمي… الجزائر بين تعزيز الأمن الداخلي ومواجهة تهديدات الساحل
على المستوى المحلي، تمثل هذه العملية رسالة طمأنة واضحة للمواطنين بأن القوات المسلحة الجزائرية على درجة عالية من الجاهزية واليقظة في حماية الحدود. فهي تعكس قدرة الجيش على رصد أي تحركات مشبوهة والتعامل معها بسرعة وحسم، وهو ما يعزز الثقة الشعبية في المؤسسة العسكرية باعتبارها خط الدفاع الأول عن أمن البلاد. وفي الوقت نفسه، تذكّر هذه العملية المواطنين بأن خطر الإرهاب لا يزال قائمًا، وأنه يتطلب متابعة وتعبئة مستمرة على مختلف المستويات.
لكن هذه الطمأنة لا تُخفي حقيقة أن حماية الحدود الجنوبية الشاسعة تمثل تحديًا ضخمًا من حيث الموارد البشرية والتقنيات المطلوبة. فالمساحات الصحراوية الواسعة، وصعوبة مراقبتها بشكل كامل، تجعل من الضروري الاستثمار المستمر في التكنولوجيا العسكرية، مثل الطائرات المسيّرة وأجهزة المراقبة الحديثة، بالإضافة إلى تعزيز وجود الوحدات الميدانية في النقاط الحساسة.
على المستوى الإقليمي، تشير العملية إلى أن الجزائر ليست منعزلة عن واقع العنف المتصاعد في منطقة الساحل. فالاضطرابات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر تخلق بيئة خصبة لانتشار الجماعات الإرهابية، التي تبحث دائمًا عن ممرات جديدة وآمنة لتنفيذ عملياتها أو توسيع نفوذها. هذا الواقع يجعل الأمن الجزائري مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بما يجري في الدول المجاورة، ويعني أن أي خلل أمني هناك يمكن أن ينعكس مباشرة على الداخل الجزائري.
انطلاقًا من ذلك، تفرض التطورات الأمنية في الساحل على الجزائر دورًا محوريًا في التعاون الإقليمي، سواء من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية أو عبر تنسيق العمليات الحدودية المشتركة. الهدف لا يقتصر على صد الهجمات عند الحدود، بل يتعداه إلى ضرب البنية التحتية للجماعات المسلحة في معاقلها، ومنعها من إعادة تنظيم صفوفها أو التوسع باتجاه الشمال

شارك