سقوط هيرشبيلي: الانهيار الأمني الذي يعيد تشكيل الصومال

الأحد 10/أغسطس/2025 - 07:24 م
طباعة سقوط هيرشبيلي: الانهيار
 
تواجه ولاية هيرشبيلي، إحدى أهم الولايات الفيدرالية في الصومال، أزمة أمنية عميقة تهدد بقلب التوازنات الأمنية والسياسية في البلاد. وفقا لمحللين أمنيين، باتت أكثر من 60% من ولاية هيرشبيلي تحت نفوذ قوي أو سيطرة شبه كاملة من حركة الشباب المسلحة.

هذا التوسع الاستراتيجي للحركة الإرهابية لم يؤثر فقط على الأوضاع الأمنية، بل تسبب أيضا في شل مؤسسات الحكومة الإقليمية بشكل شبه كامل، ما أجبر العديد من الوزراء على مزاولة أعمالهم من مقديشو بدلا من العاصمة الرسمية للولاية، جوهر.

التوسع الاستراتيجي لحركة الشباب في هيرشبيلي
يصف الخبراء الأمنيون هيرشبيلي بأنها "بؤرة النزاع الأكثر نشاطا في الصومال حاليا"، حيث تتكرر الكمائن والاغتيالات والتفجيرات على الطرق الرئيسية بين منطقتي هيران وشبيلي الوسطى. هذا التطور يعكس استراتيجية متطورة من حركة الشباب تهدف إلى السيطرة على المحاور الحيوية وقطع خطوط الإمداد الحكومية.

خلال الفترة الماضية، شنت حركة الشباب هجمات متواصلة على طرق الإمداد الرئيسية في المنطقة، وباتت تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي الريفية، حيث تفرض رسوم جمع الضرائب على السكان المحليين كنوع من أنواع الحكم البديل.

استعادة مدن استراتيجية
في تطور خطير، نجحت حركة الشباب في استعادة السيطرة على مدن كان قد طردت منها سابقا، بما في ذلك بلدة موقوكوري الاستراتيجية في إقليم هيران. هذه البلدة تحتل موقعا حيويا عند تقاطع طرق متعددة في شرق هيران، ما يوفر للحركة منصة انطلاق لمزيد من التوغلات في الأراضي الخاضعة للسيطرة الحكومية، وفقا لـ المنشر الاخباري

استخدمت الحركة في هجومها على موقوكوري سيارات مفخخة وقذائف الهاون، وتمكنت من إجبار القوات الحكومية والمليشيات المحلية على الانسحاب بعد اشتباكات عنيفة. وبحسب ادعاءات الحركة، قتل أكثر من 47 جنديا وعنصرا من مليشيات المعاويسلي خلال الهجوم.

تعطيل الحكم الإقليمي ونقل السلطة إلى مقديشو
أظهرت المعطيات أن استمرار تهديدات حركة الشباب ضد المسؤولين الحكوميين كان عاملا رئيسيا في اتخاذ قرار إقامة الوزراء في العاصمة الفيدرالية، حيث يشعرون بأمان أكبر مقارنة بجوهر. هذا التطور يعكس فقدان الحكومة الإقليمية لسيطرتها الفعلية على معقلها التقليدي.

أحد المحللين في مقديشو أكد أن "الحكم من الإقليم بات رمزيا دون سيطرة فعلية أو وصول مدني". هذا الوضع يشير إلى تحول جذري في طبيعة الحكم الفيدرالي الصومالي، حيث تبدو الولايات الإقليمية عاجزة عن ممارسة سلطاتها الدستورية في مواجهة التهديدات الأمنية.

ومع نقل مراكز القرار إلى مقديشو، شهدت المناطق الريفية في هيرشبيلي انقطاعا شبه كامل في الخدمات الحكومية الأساسية. وقد استغلت حركة الشباب هذا الفراغ لترسيخ أنظمة حكم بديلة تشمل جباية الضرائب وتقديم خدمات القضاء والأمن وفقا لتفسيرها الخاص للشريعة الإسلامية.

استراتيجية التطويق والحصار
شهدت بداية عام 2025 تصعيدا جذريا في نشاط حركة الشباب من خلال ما أطلقت عليه "عملية رمضان". بدأت العملية في 20 فبراير 2025 بهجمات منسقة على مواقع عسكرية متعددة، مستخدمة تكتيكات السيارات المفخخة والهجمات الأرضية المتزامنة.

استهدفت هذه العمليات مدنا استراتيجية مثل أدان يبال وجوهر، عاصمة هيرشبيلي، في محاولة لتطويق العاصمة الفيدرالية مقديشو من الشمال. هذه الاستراتيجية تهدف إلى قطع خطوط الإمداد الرئيسية وعزل القوات الحكومية في معاقلها الحضرية.

وفقا لتقارير ميدانية، تكبدت القوات الحكومية والمليشيات المتحالفة معها خسائر فادحة خلال موجة الهجمات هذه. في معركة واحدة في أدان يبال، تمكنت مجموعة من 100 مقاتل من حركة الشباب من إجبار ما بين 2500-3000 من القوات الحكومية والمليشيات المتحالفة على الانسحاب.

هذا التباين الكبير في النسب يعكس ليس فقط التفوق التكتيكي للحركة، بل أيضا تراجع معنويات القوات الحكومية وضعف التنسيق بين الوحدات المختلفة. كما يشير إلى تطور قدرات حركة الشباب العسكرية واستخدامها لتكتيكات أكثر تقدما.

السياق الأوسع: انهيار الاستراتيجية الفيدرالية
كانت الحكومة الفيدرالية الصومالية قد أطلقت في أغسطس 2022 هجوما مضادا طموحا ضد حركة الشباب بدعم من الولايات المتحدة وتركيا. نجح هذا الهجوم في استعادة أكثر من 215 موقعا، معظمها في ولايتي هيرشبيلي وغلمدغ.

لكن هذه المكاسب أثبتت أنها مؤقتة وهشة. منذ ذلك الحين، لم تنجح حركة الشباب في استعادة معظم الأراضي التي فقدتها فحسب، بل توسعت أيضا في جهود التجنيد عبر الصومال وشرق أفريقيا، وحافظت على قوتها المالية كأغنى فرع لتنظيم القاعدة.

يحدث تقدم حركة الشباب في سياق تفتت سياسي متزايد في الصومال. الصراعات المستمرة على السلطة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء مثل بونتلاند وجوبالاند قوضت التنسيق وجهود مكافحة الإرهاب.

مؤتمر التشاور الوطني الذي عقد في مايو 2025 لم تحضره أكثر الولايات اكتظاظا بالسكان وأهمية عسكريا، وهما بونتلاند وجوبالاند، ما يسلط الضوء على التفتت السياسي والخلافات العميقة مع الرئيس محمود حول مساعيه المتصورة لمركزة السلطة التنفيذية وإضعاف النموذج الفيدرالي.

مخاطر النزوح والتشريد
مع تصاعد العنف في هيرشبيلي، تواجه المنطقة مخاطر نزوح جماعي للسكان المدنيين. وفقا لتقرير تحليل الحماية لمقاطعة جوهر، فإن الفيضانات والصراع هما المحركان الرئيسيان للنزوح في المنطقة.

أبرز المخاطر الأمنية التي تواجه السكان تشمل السرقة والابتزاز والطرد القسري، والهجمات على المدنيين والقتل غير المشروع، والتجنيد القسري للأطفال في القوات والجماعات المسلحة.

تستهدف حركة الشباب بشكل منهجي البنية التحتية الحيوية في هيرشبيلي، بما في ذلك الطرق والجسور ومحطات الكهرباء. هذا التدمير المتعمد يهدف إلى شل الحياة الاقتصادية وزيادة اعتماد السكان على الخدمات التي توفرها الحركة.

كما تركز الحركة على استهداف المسؤولين الحكوميين والعاملين في المنظمات الإنسانية، ما أدى إلى انسحاب العديد من المنظمات الدولية من المنطقة وتقليل الخدمات المتاحة للسكان المدنيين.

دور البعثة الأفريقية الانتقالية
شهد عام 2025 تحولا جذريا في طبيعة الوجود الأفريقي في الصومال مع انتقال بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال (أتميس) إلى بعثة دعم واستقرار الاتحاد الأفريقي في الصومال (أوسوم). هذا الانتقال واجه تحديات مالية كبيرة وتوترات متزايدة بين الصومال وإثيوبيا.

البعثة الجديدة ورثت جميع مشاكل أتميس مع مواجهة تحديات إضافية أكثر خطورة. النقص المالي الذي يواجه البعثة، والمقدر بأكثر من 100 مليون دولار، يهدد قدرتها على تنفيذ مهامها الأساسية.

الدعم الأمريكي المحدود
رغم زيادة الضربات الجوية الأمريكية ضد حركة الشباب منذ تولي الرئيس ترامب منصبه في يناير 2025، إلا أن التركيز الأمريكي يبدو منصبا بشكل أكبر على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في بونتلاند. هذا يترك زخم حركة الشباب في جنوب ووسط الصومال دون رادع فعال.

تهديد الاستقرار الإقليمي
سيطرة حركة الشباب على أجزاء واسعة من هيرشبيلي تشكل تهديدا مباشرا للاستقرار الإقليمي. قرب الولاية من العاصمة مقديشو يعني أن أي توسع إضافي للحركة قد يهدد قلب النظام السياسي الصومالي.

كما أن سيطرة الحركة على الطرق التجارية الرئيسية بين مقديشو والمناطق الشمالية تؤثر سلبا على التجارة والاقتصاد في البلاد. هذا التطور قد يؤثر أيضا على دول الجوار، خاصة كينيا وإثيوبيا، اللتين تواجهان بالفعل تهديدات أمنية من حركة الشباب.

مع تصاعد القتال في هيرشبيلي، يتوقع موجة جديدة من النزوح الداخلي نحو مناطق أكثر أمانا، بما في ذلك مقديشو والولايات المجاورة. هذا النزوح سيضع ضغوطا إضافية على الموارد المحدودة والخدمات الأساسية في المناطق المستقبلة.

على المستوى الإقليمي، قد تشهد الدول المجاورة تدفق لاجئين إضافيين، خاصة كينيا التي تستضيف بالفعل مئات الآلاف من اللاجئين الصوماليين في مخيم دادعاب.

 مستقبل غامض لهيرشبيلي والصومال.. سيناريوهات محتملة
مع سيطرة حركة الشباب على أكثر من 60% من ولاية هيرشبيلي، تبرز عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل المنطقة. السيناريو الأول يشمل توسع إضافي للحركة نحو جوهر وتحقيق سيطرة كاملة على الولاية، ما قد يمهد لهجوم على مقديشو نفسها.

السيناريو الثاني يتضمن استقرار الوضع الحالي مع استمرار التقسيم الفعلي للولاية بين مناطق تسيطر عليها حركة الشباب وأخرى تحت السيطرة الحكومية الاسمية. هذا السيناريو قد يؤدي إلى ترسيخ حالة من الفوضى طويلة الأمد.

الحاجة إلى استراتيجية جديدة
الوضع الحالي في هيرشبيلي يؤكد الحاجة الملحة إلى إعادة تقييم جذرية للاستراتيجية الأمنية الصومالية. الاعتماد على النهج العسكري فقط أثبت عدم فعاليته في مواجهة حركة تتمتع بدعم شعبي في مناطق معينة وقدرة على التكيف مع المتغيرات الأمنية.

ضرورة العمل على معالجة الأسباب الجذرية للصراع، بما في ذلك الفقر والتهميش والظلم الاجتماعي، قد تكون أكثر أهمية من العمليات العسكرية المباشرة. كما أن تحقيق المصالحة السياسية بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء ضروري لإنجاح أي استراتيجية أمنية شاملة.

الوضع في هيرشبيلي ليس مجرد أزمة أمنية محلية، بل يمثل اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة الصومالية على البقاء والاستمرار في شكلها الفيدرالي الحالي. النتائج في هذه الولاية الاستراتيجية ستحدد إلى حد كبير مستقبل الصومال برمته وإمكانية تحقيق الاستقرار والتنمية في القرن الأفريقي.

شارك