تصنيف أمريكي جديد يعزز الحرب على جماعات إرهابية في باكستان
أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية إدراج حركة "جيش تحرير بلوشستان" الانفصالية المناهضة للحكومة الباكستانية على قائمة "المنظمات الإرهابية الأجنبية"، في خطوة وصفتها بأنها تعكس التزامها المستمر بمكافحة الإرهاب. وأوضحت وزارة الخارجية الأمريكية أن هذا التصنيف الجديد يأتي امتدادًا لخطوة سابقة في عام 2019، حين أدرجت واشنطن جناح "لواء مجيد" التابع للمسلحين البلوش على قائمة "المنظمات الإرهابية العالمية الخاصة". وبموجب القرار الجديد، سيُعد أي دعم أو مساعدة للجماعة داخل الأراضي الأمريكية جريمة يعاقب عليها القانون، بعد أن كان التصنيف السابق يقتصر على تجفيف مصادر التمويل.
تأسس جيش تحرير بلوشستان في أواخر التسعينيات، لكنه يُعتبر امتدادًا تاريخيًا للحركات الانفصالية البلوشية التي تعود جذورها إلى السنوات الأولى من استقلال باكستان عام 1947، حين اندلعت أولى الانتفاضات المسلحة في الإقليم اعتراضًا على ضمّه إلى الدولة الجديدة. وتكررت الحركات المسلحة في أعوام 1958 و1973 و2004، وكلها كانت مدفوعة بمطالب أكبر بالحكم الذاتي وتقاسم عادل للثروات الطبيعية الهائلة التي يمتلكها الإقليم، خاصة الغاز الطبيعي والمعادن. ومع مرور الوقت، تطور جيش تحرير بلوشستان إلى تنظيم مسلح منظم يعتمد على تكتيكات الكرّ والفرّ، مستفيدًا من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبلوشستان التي تجعل من الصعب على القوات الحكومية فرض السيطرة الكاملة.
أما "لواء مجيد" فهو الجناح الانتحاري الأكثر تطرفًا ضمن جيش تحرير بلوشستان. ظهر اسمه لأول مرة في المشهد الأمني عام 2011، لكنه برز عالميًا في 2018 بعد تبنيه هجومًا على القنصلية الصينية في كراتشي. ومنذ ذلك الحين، نفذ اللواء سلسلة من الهجمات النوعية ضد أهداف باكستانية وأجنبية، بينها هجوم على فندق فخم في جوادر عام 2021، ومحاولات متكررة لاستهداف مشاريع مرتبطة بالممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني. وتصفه السلطات الباكستانية بأنه "أخطر أجنحة الحركة" نظرًا لاعتماده على العمليات الانتحارية وتدريب عناصره على تكتيكات عالية الخطورة.
تأييد باكستاني ودلالات إقليمية
رحبت الحكومة الباكستانية بالقرار الأمريكي، مشيرة إلى أنه يتماشى مع خطواتها الداخلية التي شملت حظر "لواء مجيد" ككيان إرهابي منذ 18 يوليو 2024. وأكد بيان وزارة الخارجية أن "لواء جيش تحرير بلوشستان/مجيد" مسؤول عن هجمات إرهابية متعددة، من بينها حادث قطار "جعفر إكسبريس" الذي أودى بحياة عشرات الركاب والجنود، إضافة إلى هجوم حافلة خوزدار الذي أسفر عن خسائر بشرية كبيرة. وشدد البيان على أن باكستان لا تزال حصنًا منيعًا في مواجهة الإرهاب، وأن تضحياتها أسهمت في حماية أمنها الداخلي ودعم الاستقرار الإقليمي والأمن العالمي.
من جانبه، أكد وزير الخارجية الباكستاني أن القرار الأمريكي يعكس اعترافًا دوليًا بخطر هذه الجماعات، فيما أوضح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن "تصنيف المنظمات الإرهابية يلعب دورًا محوريًا في الحد من الدعم للأنشطة الإرهابية، وهو أداة فعالة لعزل هذه الجماعات وحرمانها من الموارد". أما رئيس وزراء بلوشستان سرفراز بوغتي، فقد شدد على أن هذه الجماعات "سفكت دماء بريئة تحت غطاء شعارات عرقية وحقوقية زائفة"، داعيًا المجتمع الدولي إلى التكاتف لإنهاء هذا الخطر.
انعكاسات القرار وتجارب سابقة
من المتوقع أن يؤدي التصنيف الأمريكي إلى تضييق الخناق على جيش تحرير بلوشستان ولواء مجيد عبر تجميد أصولهما، ومنع حصولهما على الدعم المالي أو اللوجستي من الخارج، فضلًا عن منع الأفراد أو الكيانات الأمريكية من التعامل معهما بأي شكل. ورغم أن نشاطهما يتركز داخل باكستان، فإن وجود شبكات دعم في الشتات البلوشي المنتشر في بعض الدول الغربية قد يتأثر بشكل مباشر بهذه الإجراءات.
التجارب السابقة تشير إلى أن التصنيفات الأمريكية المماثلة كان لها أثر ملحوظ في تقليص النشاط الدولي لبعض الجماعات. على سبيل المثال، عندما أدرجت واشنطن "تحريك طالبان باكستان" على قائمتها عام 2010، واجهت الحركة صعوبات متزايدة في جمع التبرعات من الخارج، واضطرت إلى الاعتماد بشكل أكبر على مصادر تمويل داخلية، ما أثر على قدرتها على تنفيذ عمليات كبيرة في بعض الفترات. كذلك، فإن إدراج "جماعة عسكر طيبة" عام 2001، رغم استمرار نشاطها في كشمير، قلل من قدرتها على العمل في بيئة دولية مفتوحة. غير أن هذه الأمثلة تؤكد أيضًا أن التصنيفات وحدها لا تكفي للقضاء على الإرهاب، ما لم تُدعّم بجهود محلية شاملة تشمل العمل الأمني والاستخباراتي والتنمية الاقتصادية.
في حالة جيش تحرير بلوشستان ولواء مجيد، سيعتمد النجاح على قدرة باكستان على استثمار الزخم الدولي لتعزيز عملياتها الميدانية، وفي الوقت نفسه معالجة جذور التوتر في بلوشستان، التي تشمل ضعف الخدمات، وتهميش المجتمعات المحلية، وعدم استفادتها من مشاريع التنمية الكبرى. فإذا نجحت هذه المقاربة المزدوجة، فإن التصنيف الأمريكي قد يشكل نقطة تحول في الحد من نشاط الجماعات المسلحة في الإقليم، ويدفع نحو مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي في واحدة من أكثر مناطق باكستان اضطرابًا.