باكستان.. تصعيد على الحدود الأفغانية وتعاون مع واشنطن لمكافحة الإرهاب

الثلاثاء 12/أغسطس/2025 - 09:35 م
طباعة محمد شعت
 


في تصعيد لوتيرة المواجهة مع الجماعات المسلحة، أعلن الجيش الباكستاني مقتل خمسين مسلحًا خلال أربعة أيام من العمليات الأمنية المكثفة على طول الحدود الباكستانية–الأفغانية. هذه العمليات التي انطلقت في السابع من أغسطس واستمرت حتى العاشر منه، شملت مناطق وعرة في مديرية زهوب بإقليم بلوشستان، حيث نفذت القوات الباكستانية مداهمات وضربات موجهة ضد عناصر حركة طالبان الباكستانية، التي تصفها إسلام آباد بـ"الخوارج".

 

ووفق البيان العسكري الصادر في الحادي عشر من أغسطس، فإن سبعة وأربعين مسلحًا قُتلوا في الفترة من 7 إلى 9 أغسطس بمنطقة "سامبازة"، بينما لقي ثلاثة آخرون مصرعهم في عملية تطهير جرت الليلة الماضية في المناطق المحيطة بالمنطقة ذاتها. وأكد الجيش أن العملية لا تزال مستمرة حتى تحقيق الأهداف الميدانية الكاملة، مشيرًا إلى أن العناصر المستهدفة تتلقى دعمًا لوجستيًا من داخل الأراضي الأفغانية.

 

باكستان تتهم منذ سنوات حركة طالبان الباكستانية (TTP) باستخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات داخل أراضيها، مدعومة – وفق الرواية الباكستانية – بتسهيلات من أطراف إقليمية بينها الهند. ورغم نفي طالبان الأفغانية والهند هذه الاتهامات، إلا أن تقارير فريق تحليل ورصد العقوبات التابع لمجلس الأمن، الصادرة مؤخرًا، تؤكد أن للحركة نحو ستة آلاف مقاتل في أفغانستان، وتحصل على دعم عملياتي ولوجستي ملحوظ من حركة طالبان الأفغانية.

 

هذه التطورات تضع ملف الإرهاب العابر للحدود في صدارة محادثات إسلام آباد مع طالبان الأفغانية، حيث تصر باكستان على أن معالجة هذه الظاهرة تستدعي تعاونًا أمنيًا مباشرًا ووقفًا لاستخدام الأراضي الأفغانية منصةً لتهديد أمنها القومي.


التعاون الباكستاني–الأمريكي: خطوة جديدة في مواجهة الخطر

 

تزامن التصعيد العسكري الباكستاني مع إعلان مشترك بين باكستان والولايات المتحدة، يوم 11 أغسطس، يؤكد التزام البلدين بمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره. جاء ذلك خلال الجولة الأخيرة من الحوار الباكستاني–الأمريكي لمكافحة الإرهاب، التي استضافتها إسلام آباد، وترأسها عن الجانب الباكستاني السكرتير الخاص للأمم المتحدة نبيل منير، وعن الجانب الأمريكي منسق مكافحة الإرهاب بالإنابة في وزارة الخارجية جريجوري دي لوجيرفو.

 

الحوار الثنائي جاء بعد يوم واحد من قرار وزارة الخارجية الأمريكية إدراج "جيش تحرير بلوشستان" الانفصالي و"لواء مجيد" التابع له على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وهي خطوة وصفت بأنها تعكس جدية واشنطن في دعم جهود باكستان لمحاصرة هذه الجماعات.

 

وشدد الجانبان على ضرورة تطوير استراتيجيات فعالة لمواجهة التهديدات، بما في ذلك تلك التي يشكلها تنظيم داعش–خراسان وحركة طالبان الباكستانية، إلى جانب جيش تحرير بلوشستان. وأشاد الوفد الأمريكي بالنجاحات التي حققتها باكستان في احتواء الكيانات الإرهابية، وأعرب عن تعازيه في ضحايا الهجمات الأخيرة، مثل حادث قطار جعفر إكسبريس وتفجير حافلة مدرسية في خوزدار.

 

كما ناقش الطرفان تعزيز البنية المؤسسية وقدرات الاستجابة للتهديدات الأمنية المتطورة، بما يشمل مواجهة إساءة استخدام التكنولوجيا لأغراض إرهابية. واتفقا على مواصلة التنسيق في المحافل الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، لدعم تدابير مكافحة الإرهاب طويلة الأمد.

 

جيش تحرير بلوشستان ولواء مجيد: جذور وتداعيات التصنيف الأمريكي

 

جيش تحرير بلوشستان، الذي تأسس أواخر التسعينيات، يمثل امتدادًا للحركات الانفصالية البلوشية التي تعود جذورها إلى السنوات الأولى لاستقلال باكستان عام 1947، عندما اندلعت أولى الانتفاضات المسلحة في الإقليم اعتراضًا على ضمّه للدولة الجديدة. شهدت العقود التالية ثلاث موجات رئيسية من التمرد المسلح (1958 و1973 و2004)، جميعها مدفوعة بمطالب أكبر بالحكم الذاتي وتقاسم أكثر عدالة للثروات الطبيعية، وعلى رأسها الغاز الطبيعي والمعادن.

 

ومع مرور الوقت، تطور جيش تحرير بلوشستان إلى تنظيم مسلح منظم يعتمد تكتيكات الكرّ والفرّ، مستفيدًا من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبلوشستان، والتي تصعّب على القوات الحكومية بسط السيطرة الكاملة. أما "لواء مجيد"، فهو الجناح الانتحاري الأكثر تطرفًا داخل الحركة، ظهر اسمه عام 2011، وبرز عالميًا في 2018 بعد هجومه على القنصلية الصينية في كراتشي، ثم سلسلة من العمليات ضد أهداف باكستانية وأجنبية، بما في ذلك فندق فاخر في جوادر عام 2021.

 

القرار الأمريكي الأخير صنّف هذين الكيانين كمنظمات إرهابية أجنبية، بعد أن كان "لواء مجيد" مدرجًا منذ 2019 ضمن قائمة "المنظمات الإرهابية العالمية الخاصة". وبموجب التصنيف الجديد، يُجرّم أي دعم أو مساعدة للجماعة داخل الأراضي الأمريكية، مع تجميد أصولها ومنع التعامل المالي معها.

 

الحكومة الباكستانية رحبت بالخطوة، معتبرة إياها دعمًا لجهودها الداخلية في حظر نشاط هذه الجماعات، حيث كانت إسلام آباد قد أعلنت "لواء مجيد" ككيان إرهابي في 18 يوليو 2024. وزير الخارجية الباكستاني وصف القرار بأنه اعتراف دولي بخطر هذه التنظيمات، فيما شدد مسؤولون أمريكيون على أن التصنيف أداة فعّالة لعزل الجماعات الإرهابية وحرمانها من الموارد.

 

انعكاسات إقليمية واحتمالات المستقبل

 

من المرجح أن يؤدي التصنيف الأمريكي إلى تضييق الخناق على شبكات الدعم المالي واللوجستي لجيش تحرير بلوشستان ولواء مجيد، خاصة بين الجاليات البلوشية في الخارج. لكن التجارب السابقة – مثل إدراج واشنطن حركة طالبان الباكستانية عام 2010 أو جماعة عسكر طيبة عام 2001 – تشير إلى أن هذه الخطوات لا تكفي وحدها للقضاء على الإرهاب، بل يجب أن تُدعم بجهود محلية شاملة تشمل العمل الأمني والاستخباراتي والتنمية الاقتصادية.

 

في السياق الحالي، تملك باكستان فرصة لاستثمار الزخم الدولي لتعزيز عملياتها الميدانية، مع ضرورة معالجة جذور التوتر في إقليم بلوشستان، مثل ضعف الخدمات وتهميش المجتمعات المحلية وعدم استفادتها من المشاريع الاقتصادية الكبرى. نجاح هذه المقاربة المزدوجة – أمنيًا وتنمويًا – قد يحوّل التصنيف الأمريكي من إجراء رمزي إلى نقطة تحول فعلية تحد من نشاط الجماعات المسلحة، وتفتح الباب أمام استقرار نسبي في واحدة من أكثر المناطق اضطرابًا في باكستان.

 

كما أن استمرار الحوار الباكستاني–الأمريكي لمكافحة الإرهاب، وتنسيق الجهود في المحافل الدولية، يمكن أن يسهم في تعزيز بيئة إقليمية أقل عرضة لاختراق الجماعات المتطرفة، خصوصًا في ظل التحديات الأمنية المتشابكة بين باكستان وأفغانستان. لكن النجاح في ذلك سيتوقف على قدرة الأطراف المعنية على تحقيق توازن بين الحلول الأمنية العاجلة والمعالجات السياسية والاجتماعية بعيدة المدى.

 

شارك