أربع سنوات من القيود… هل ينجح العالم في تغيير سياسات طالبان؟

الأربعاء 13/أغسطس/2025 - 12:37 ص
طباعة محمد شعت
 

 

بعد مرور أربع سنوات على استعادة حركة طالبان السيطرة على أفغانستان، يبدو أن البلاد دخلت مرحلة غير مسبوقة من الانكماش الحقوقي، خصوصًا فيما يتعلق بحقوق المرأة. هيئة الأمم المتحدة للمرأة وصفت المشهد بأنه "أشد أزمة حقوق امرأة خطورة في العالم"، مؤكدة أن هذه الأزمة أصبحت أمرًا طبيعيًا في نظر السلطات، وأن قرارات الحركة القمعية ليست مؤقتة، بل راسخة ومستمرة.

 

تشير الهيئة إلى أن قرارات طالبان، منذ أغسطس 2021، حرمت النساء من حقوقهن الإنسانية وكرامتهن بشكل منهجي. فالفتيات ممنوعات من التعليم بعد سن الثالثة عشرة، والنساء محرومات من معظم الوظائف والأنشطة السياسية، وفي العديد من المناطق لا يُسمح لهن حتى بالسير في الشوارع دون مرافقة ذكرية، كما يمنع معظمهن من اتخاذ قرارات تتعلق بشؤون أسرهن. هذه القيود لا تتوقف عند التعليم والعمل، بل تمتد إلى الرعاية الصحية، حيث فُرض حظر على تدريب النساء أو علاجهن على أيدي أطباء ذكور، وهو ما أدى إلى تقليص شديد في إمكانية وصولهن للخدمات الصحية الضرورية.

 

قيود ممنهجة وآثار كارثية

 

تصف الأمم المتحدة عواقب هذه السياسات بالكارثية، إذ تعيش النساء حياة أقصر ويعانين من تدهور صحي متواصل. ترتفع معدلات وفيات الأمهات بشكل مقلق، فيما تتزايد حالات زواج الأطفال والعنف ضد المرأة بلا رادع قانوني أو مجتمعي. ووفقًا لتقرير وكالة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين، فإن 78% من النساء الأفغانيات اليوم لا يعملن ولا يتلقين التعليم، وهناك توقعات بارتفاع معدل وفيات الأمهات بنسبة 50% بحلول 2026، بينما لا تشعر سوى 36% من النساء أن لهن تأثيرًا على قرارات أسرهن. هذه الأرقام وضعت أفغانستان في المرتبة الثانية عالميًا من حيث اتساع الفجوة بين الجنسين بعد اليمن.

 

التدهور لا يتوقف عند النساء، بل يتأثر به المجتمع بأسره. الأزمات الإنسانية المتشابكة والفقر المزمن جعلا الحياة أصعب للجميع، لكن النساء والفتيات يتحملن العبء الأكبر. رغم ذلك، تؤكد الأمم المتحدة أن المرأة الأفغانية لا تزال متمسكة بالأمل وتؤمن بإمكانية تحقيق المساواة، داعية المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري لدعمها، وعدم تركها تواجه هذه التحديات وحيدة.

 

تاريخ يعيد نفسه

 

بالنظر إلى التجربة السابقة لطالبان بين عامي 1996 و2001، يمكن ملاحظة أن ما يحدث اليوم ليس انحرافًا طارئًا بل تكرار لنهج قديم. في تلك الفترة، فرضت الحركة قيودًا صارمة على النساء، منعت التعليم والعمل، وأغلقت أبواب الجامعات، ومنعت حتى خروج النساء من المنزل دون مرافقة ذكر. ورغم أن قادة الحركة حاولوا، قبل عودتهم إلى السلطة عام 2021، طمأنة الداخل والخارج بوعود بالسماح للنساء بالتعليم حتى مستوى الدكتوراه، فإن هذه الوعود سرعان ما انهارت بمجرد إحكام قبضتهم على الحكم، وأعيدت القيود القديمة بأشكال أكثر صرامة وتنظيمًا.

 

هذه الخلفية التاريخية تفسر لماذا تصف فرشته عباسي، الباحثة في شؤون أفغانستان لدى هيومن رايتس ووتش، الوضع الحالي بأنه "أسوأ كابوس تعيشه النساء والفتيات الأفغانيات". فالحظر على التعليم بعد الصف السادس، ومنع العمل، وحرمان النساء من حرية التنقل، كلها ممارسات راسخة في فكر الحركة وليست إجراءات مؤقتة.

 

إغلاق الأفق التعليمي والصحي

 

تؤكد هيومن رايتس ووتش أن أفغانستان اليوم هي الدولة الوحيدة في العالم التي يُحظر فيها على الفتيات الالتحاق بالمدارس بعد الصف السادس. هذا الحظر لا يقتصر أثره على الفتيات فقط، بل يهدد مستقبل النظام الصحي والاقتصادي للبلاد، إذ سيؤدي إلى نقص حاد في الكوادر الطبية النسائية والممرضات والمعلمات في المستقبل القريب. ومع غياب العاملات الصحيات، ستتفاقم أزمة الرعاية الصحية، خاصة في مجتمع لا يسمح فيه للنساء بتلقي العلاج من أطباء ذكور في كثير من الحالات.

 

تقرير المنظمة يشير أيضًا إلى القيود على الرياضة والأنشطة الترفيهية، ومنع النساء من دخول المتنزهات، فضلًا عن التضييق على حرية التعبير والصحافة، واعتقال وتعذيب المحتجين والصحفيين والمنتقدين. وفي ظل انقطاع جزء كبير من المساعدات الدولية، ارتفعت معدلات انعدام الأمن الغذائي لتشمل أكثر من نصف السكان، مع كون النساء والفتيات الفئة الأكثر تضررًا.

 

منظمة أوتشا التابعة للأمم المتحدة تحذر من أن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2024 تواجه نقصًا حادًا في التمويل، وهو ما يهدد بزيادة تفاقم الأزمة. في الوقت نفسه، يرى المراقبون أن استمرار الحظر التعليمي يبدد سنوات حاسمة من عمر الفتيات، كما حدث تمامًا في فترة حكم طالبان الأولى، حين ضاعت خمس سنوات من تعليم الفتيات ولم تتمكن كثيرات من تعويضها أبدًا.

 

المجتمع الدولي بين الضغط والدعم

 

في ظل هذه الصورة القاتمة، تتصاعد الدعوات الدولية لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه طالبان. ترى هيومن رايتس ووتش أن على الحكومات أن تدعم الجهود الرامية إلى محاسبة قادة الحركة، وألا تسمح بأن تمر انتهاكاتهم بلا عقاب. لكنها في الوقت ذاته تدعو الدول المانحة إلى إيجاد طرق مبتكرة لتخفيف الأزمة الإنسانية من دون أن يؤدي ذلك إلى تقوية سياسات طالبان القمعية.

 

أحد المقترحات هو دعم مبادرات التعليم عبر الإنترنت أو في الخفاء، التي تديرها نساء أفغانيات داخل البلاد، مع توفير الحماية والتمويل لها. كما يمكن للمجتمع الدولي فرض عقوبات محددة تستهدف المسؤولين المتورطين في الانتهاكات، بدلاً من العقوبات الشاملة التي قد تزيد من معاناة الشعب. كذلك، يمكن ربط أي تعامل دبلوماسي أو اقتصادي مع طالبان بإحراز تقدم ملموس في مجال حقوق الإنسان، وخاصة رفع الحظر عن تعليم الفتيات.

 

الضغط السياسي يجب أن يترافق مع دعم المجتمعات المحلية التي تسعى للحفاظ على حقوق النساء، وتمويل برامج لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتوفير خدمات الصحة والتعليم بطرق بديلة وآمنة. كما أن استمرار التذكير بانتهاكات طالبان في المحافل الدولية يمكن أن يحافظ على زخم القضية ويمنع طيها تحت أزمات أخرى.

 

في نهاية المطاف، تبقى معاناة المرأة الأفغانية تحت حكم طالبان واحدة من أكثر الأزمات الحقوقية إلحاحًا في العالم. فالمسألة ليست مجرد حرمان من التعليم أو العمل، بل هي محاولة منظمة لإقصاء نصف المجتمع من الحياة العامة، وتفريغ المجال العام من أي صوت نسائي. وبينما تصمد النساء الأفغانيات بإرادة قوية، فإن المجتمع الدولي يواجه اختبارًا حقيقيًا لإثبات ما إذا كان الدفاع عن حقوق الإنسان مبدأ ثابتًا، أم شعارًا يتلاشى أمام حسابات السياسة والمصالح.

 

شارك