السودان بين فكيّ الإرهاب والجوع.. الفاشر تختنق تحت الحصار وصرخات المدنيين تُدفن
الجمعة 15/أغسطس/2025 - 01:04 م
طباعة

في وقتٍ تتصاعد فيه ألسنة اللهب من مدينة الفاشر المحاصرة، وتتصاعد أرقام الضحايا والنازحين، يجد السودان نفسه غارقًا في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث، حيث باتت الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع تهدد بتحول الدولة الهشة إلى مرتع خصب للإرهاب العابر للحدود، ومسرحاً للفوضى الإقليمية.
الفاشر.. مدينة تنهار تحت الحصار
لليوم الثالث على التوالي، تواصلت المعارك الضارية في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي أصبحت أيقونة لمعاناة مدنية مكتومة وصمود متهالك.
أعلن الجيش السوداني وقوات الحركات المسلحة المتحالفة معه عن صدّ هجوم واسع شنته قوات الدعم السريع على المحاور الشرقية والجنوبية للمدينة، في محاولة جديدة لاختراق خطوط الدفاع. لكن خلف هذه البيانات العسكرية، تئن الفاشر تحت حصار خانق، مستمر منذ أكثر من عام.
وفي ظل هذا الحصار، أعلنت منظمة "أطباء بلا حدود" عن وفاة أكثر من 40 شخصًا في دارفور نتيجة أسوأ تفشٍ للكوليرا تشهده البلاد منذ سنوات، مشيرة إلى أنها عالجت أكثر من 2300 حالة في أسبوع واحد فقط.
وفي مخيمات النزوح حول المدينة، انتشرت المجاعة، وارتفعت معدلات الوفيات، خاصة بين الأطفال والنساء.
الصور القادمة من الفاشر لم تعد تعبّر فقط عن معركة عسكرية، بل عن كارثة إنسانية صامتة، تتفاقم بفعل تواطؤ الصمت الإقليمي، وانهيار النظام الصحي، وتعمّد أطراف النزاع استخدام سلاح الحصار كسلاح فتاك يوازي القصف المدفعي.
قوة عسكرية.. أم تنظيم إرهابي؟
اللافت أن الممارسات التي تنتهجها قوات "الدعم السريع"، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، لم تعد تقتصر على العمل العسكري المباشر، بل تجاوزته إلى ما يمكن وصفه بـ"إرهاب منظم" يستهدف المدنيين كوسيلة للضغط والابتزاز السياسي.
حملات التطهير العرقي، الهجمات على مخيمات النازحين، استخدام الاغتصاب والعنف الجنسي كسلاح حرب، والتجنيد القسري للأطفال، جميعها تُعيد إلى الأذهان أنماط الإرهاب الممنهج الذي مارسته تنظيمات مثل "داعش" و"بوكو حرام"، ليس ذلك تشبيهًا عاطفيًا، بل توصيفًا دقيقًا لممارسات قوات أصبحت تُتهم دوليًا بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
ففي أبريل 2025، ارتكبت "الدعم السريع" مجزرة في مخيم زمزم للنازحين، أسفرت عن مقتل أكثر من 1500 مدني، وفقًا لتقارير أممية.
تكررت الانتهاكات في مخيم أبو شوك مؤخرًا، حيث قُتل أكثر من 40 شخصًا، في هجمات وصفتها مفوضية حقوق الإنسان بأنها "فظائع لا تطاق".
مجلس الأمن يرفض الأمر الواقع
وفي تحرك دولي نادر من حيث اللهجة الحادة، أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 2736، الذي يرفض تشكيل أي حكومة موازية في السودان، في إشارة مباشرة لمحاولات "الدعم السريع" لفرض واقع سياسي بالقوة من خلال إدارات مدنية تابعة لها في المناطق التي تحتلها.
كما طالب المجلس برفع الحصار عن مدينة الفاشر فورًا، في خطوة تعكس قلقًا متصاعدًا من تفجر الوضع الإنساني إلى ما هو أسوأ.
بيان مجلس الأمن جاء متناغمًا مع بيان شديد اللهجة أصدره 29 مانحًا دوليًا، من ضمنهم الاتحاد الأوروبي وكندا والمملكة المتحدة والنرويج، دعوا فيه إلى هدنة إنسانية فورية، وفتح ممرات آمنة لخروج المدنيين، ورفع القيود البيروقراطية أمام دخول المساعدات.
القصف يمتد
اتساع رقعة القتال جعل من دارفور وكردفان ساحتين لمعارك متقاطعة ومفتوحة. ففي مدينة الضعين، مركز ولاية شرق دارفور، تعرض مبنى وزارة التخطيط العمراني لقصف جوي من طائرات الجيش السوداني، بحسب ما أعلنت الإدارة المدنية التابعة للدعم السريع.
تسبب الهجوم في إصابة العشرات وتدمير المبنى بالكامل، وسط تبادل للاتهامات بين الجانبين حول الأهداف "المشروعة" للضربات الجوية.
أما كادوقلي، عاصمة جنوب كردفان، فشهدت أعنف قصف مدفعي منذ بدء الحرب، استمر أكثر من ساعة وأسفر عن سقوط ضحايا في صفوف المدنيين.
ومع استمرار الحصار المفروض من قوات الدعم السريع، أصبحت المدينة على شفا مجاعة، وسط تفشي أمراض مثل الكوليرا والملاريا والدسنتاريا.
الحرب كأداة للتمكين.. والإرهاب كآلية حكم
الواقع على الأرض يكشف أن أطراف النزاع، لا سيما الدعم السريع، تستخدم الحرب وسيلة لإعادة تشكيل موازين القوى في السودان. فبالتوازي مع العمليات العسكرية، تسعى هذه القوات إلى فرض أنظمة حكم بديلة، على غرار ما تفعل الجماعات المسلحة في مناطق النزاع حول العالم.
ما يحدث في السودان لا يمكن فصله عن الأنماط الإرهابية الكلاسيكية: من التجنيد القسري للأطفال، إلى تدمير البنية التحتية، وفرض الإتاوات، وإنشاء إدارات موازية.
هذه الممارسات تضع الدعم السريع في مواجهة مباشرة مع تعريفات الإرهاب الدولي، وتجعل من السودان ساحة مفتوحة أمام قوى خارجة عن القانون تبحث عن موطئ قدم في منطقة مضطربة أصلاً.
التحذير الأخير.. قبل الانهيار الشامل
في ظل هذا التصاعد المأساوي، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من خطر "الاضطهاد العرقي" و"جرائم حرب" و"جرائم ضد الإنسانية"، داعيًا المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل.
وقد تكون هذه التحذيرات الإنذار الأخير قبل أن ينزلق السودان إلى فوضى شاملة. فما يجري اليوم لا يهدد فقط وحدة البلاد، بل يفتح الباب أمام تحوّل دارفور وكردفان إلى مناطق خارجة تمامًا عن سلطة الدولة، تُدار بمنطق السلاح والإرهاب.
وسط هذا المشهد السوداوي، يقف ملايين المدنيين في الفاشر وكادوقلي والضعين وغيرها بين سندان الحرب ومطرقة الحصار، عاجزين عن النجاة، في ظل عجز دولي عن فرض السلام، وتراخٍ إقليمي سمح لقوى خارجة عن القانون بتمزيق البلاد.
لم تعد المسألة صراعًا سياسيًا أو عسكريًا، بل معركة بقاء ضد إرهاب مستتر بثوب القوة، يحاصر شعبًا بأكمله ويعيد رسم حدود الخراب في خريطة السودان.