في الذكرى الرابعة لوصول طالبان إلى الحكم في أفغانستان، جددت منظمة
العفو الدولية انتقاداتها الحادة لحركة طالبان، مؤكدة أن الحركة، منذ استعادة
السيطرة على أفغانستان، ألغت النظام القانوني القائم بالكامل واستبدلته بمنظومة
دينية تقوم على تفسيرها الصارم للشريعة الإسلامية. وأوضحت المنظمة، في بيان
بمناسبة هذه الذكرى، أن ما تسميه طالبان "إدارة العدالة" باتت تعسفية
وتفتقر للاتساق، وتتسم بالإفلات من العقاب وانعدام المساءلة، مع انتشار المحاكمات
المغلقة وغير العادلة، والتحيز الشخصي في تطبيق العقوبات، مثل الجلد العلني وغيره
من أشكال التعذيب وسوء المعاملة.
وقال المدير الإقليمي لمنظمة العفو الدولية في جنوب آسيا: "بعد
أربع سنوات من حكم طالبان، ما تبقى هو نظام قضائي غامض وقسري للغاية يعطي الأولوية
للطاعة على الحقوق، والصمت على الحقيقة". وفي السياق نفسه، أشارت الناشطة
الحقوقية سميرة حميدي إلى أن الحركة لم تكتف بالابتعاد عن المعايير الدولية لحقوق
الإنسان، بل ألغت أيضًا إنجازات عقدين من العمل في تطوير القضاء الأفغاني.
وأكد تقرير المنظمة أن النظام القضائي لطالبان لا يستند إلى أي قانون
مرجعي، إذ تُبت القضايا استنادًا إلى التفسير الشخصي للقاضي أو المفتي للشريعة
الإسلامية، بينما تم حل محاكم الأسرة، وإدارات قضاء الأحداث، وإدارات مكافحة العنف
ضد المرأة، ما أدى إلى حرمان النساء من أي وصول فعلي إلى العدالة والانتصاف
القانوني. وأضاف التقرير أن جلسات المحاكم تُعقد غالبًا سرًا، دون أي آلية للرقابة
العامة، ولا يتم تسجيل أو تفسير القرارات القضائية، فيما يتعرض أشخاص للاعتقال دون
أوامر قضائية، ويُحتجزون من دون محاكمة، وفي بعض الحالات يُختفون قسرًا.
ووفق حميدي، فإن نظام العدالة الذي تفرضه طالبان يقوّض المبادئ
الأساسية للعدالة والشفافية والمساءلة والكرامة الإنسانية، إذ لا يقوم على حماية
حقوق الإنسان، بل على الخوف والسيطرة، بحيث لم تعد العدالة بالنسبة لكثير من
الأفغان، وخاصة النساء، هدفًا يُسعى إليه، وإنما واقعًا يُعاش في غيابه.
اعتقالات تعسفية واستهداف للأقليات
دعت منظمة العفو الدولية طالبان إلى إلغاء قراراتها القمعية فورًا،
وإنهاء العقوبات البدنية، واحترام حقوق الإنسان لجميع المواطنين الأفغان، وضمان
استقلال القضاء وسيادة القانون عبر إصلاح النظام القضائي بما يتماشى مع التزامات
أفغانستان الدولية. كما طالبت المجتمع الدولي بالضغط الدبلوماسي والمشاركة المبدئية
مع طالبان لاستعادة النظام القانوني الرسمي وحماية حقوق الإنسان.
وأشار البيان إلى أنه بعد استعادة السيطرة على أفغانستان، أعلنت
طالبان بطلان الدستور الأفغاني وكافة القوانين السارية، وأدارت شؤون الحكم بناءً
على أوامر زعيمها هبة الله أخوندزاده، الذي يقر القوانين ويعلن نفاذها وفقًا لرأيه
الشخصي. وذكرت المنظمة في تقرير لها خلال أبريل الماضي أن الحركة سجنت نحو 20 ألف
شخص منذ أغسطس 2021 وحتى يونيو 2024، من بينهم 1500 امرأة، وأنها أصدرت أحكامًا
بالإعدام على ما بين 300 و600 سجين، وسط تقارير عن نية استئناف عقوبة
"الرجم" في قضايا الزنا.
وبحسب التقرير السنوي الصادر في 29 مايو 2024، واصلت طالبان تنفيذ
اعتقالات تعسفية واختفاءات قسرية واحتجازات غير قانونية بحق من تعتبرهم خصومًا
سياسيين، بما في ذلك مسؤولون حكوميون سابقون، وعلماء دين منتقدون، ونشطاء مدنيون،
ومدافعون عن حقوق الإنسان، وعدد من الصحفيين. ونقلاً عن تقرير لمنظمة
"التسامح"، وثقت العفو الدولية اعتقال 614 شخصًا بشكل تعسفي، وإخفاء 35
آخرين قسرًا خلال النصف الأول من عام 2024، فيما يتعرض المعتقلون للتعذيب وسوء
المعاملة والإعدام خارج نطاق القضاء.
كما أشار التقرير إلى استمرار الهجمات الممنهجة ضد أقلية الهزارة
والشيعة في أنحاء أفغانستان خلال 2024، حيث تعرضت هذه الفئة لهجمات على مواقع
دينية وتعليمية ومدنية، وتبنى تنظيم داعش-خراسان معظمها، بما في ذلك عمليات في غرب
كابول، وحادث إطلاق نار على 14 مسافرًا من الهزارة في ولايتي دايكندي وغور.
قيود صارمة على النساء
تطرق التقرير أيضًا إلى استمرار انتهاكات طالبان لحقوق النساء
والفتيات، حيث لم تكتف الحركة بالإبقاء على القيود السابقة، بل فرضت خلال 2024
حظرًا على تعليم النساء في المعاهد الطبية، وخفضت رواتب الخادمات إلى خمسة آلاف
أفغاني فقط، ما زاد من تدهور أوضاع النساء الاقتصادية، ودفع العديد من الأسر التي
ترأسها نساء إلى مزيد من الفقر. وأشارت المنظمة إلى أن هذه الإجراءات عمّقت مشكلات
النساء العاملات في الوظائف المنزلية، وأفقدتهن استقلاليتهن المالية.
وذكر التقرير أن مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان رصد في أغسطس 2024
حالات اعتداء جنسي واغتصاب بحق نساء محتجزات لدى طالبان. كما أطلقت الحركة في
يناير حملة لاعتقال النساء والفتيات غير الملتزمات بالحجاب الإلزامي، أسفرت عن
احتجاز العشرات منهن، وتعرض العديد منهن لمعاملة مهينة وتعذيب واعتداء جنسي، وفق
ما أكدته منظمة "شاهد أفغاني". وأضافت أن هناك تقارير متواصلة عن زيادة
حادة في العنف القائم على النوع الاجتماعي، فضلًا عن انتشار الزواج القسري
والمبكر. وفي هذا السياق، أبلغت منظمة "شهود أفغانستان" عن 840 حالة عنف
قائم على النوع الاجتماعي بين يناير ويونيو 2024، من بينها 332 جريمة قتل.
وأكد التقرير السنوي للعفو الدولية أن انتهاكات طالبان امتدت إلى فرض
قيود دينية مشددة، وقمع وسائل الإعلام والصحفيين، وترهيب واحتجاز أفراد من مجتمع
الميم، إضافة إلى تنفيذ إعدامات خارج نطاق القضاء، وفرض عقوبات علنية. وانتقدت
المنظمة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لفشلهما في معالجة الإفلات من العقاب على
هذه الجرائم، مشيرة إلى أن القضية التي رفعتها أمام المحكمة الجنائية الدولية
تتقدم ببطء شديد، ولم ترد طالبان حتى الآن على التقرير السنوي الجديد، لكنها دأبت في السابق على رفض مثل هذه التقارير ووصْفها بأنها "دعاية".
وتزامن صدور
البيان الأخير مع رسالة وجهها زعيم طالبان هبة الله أخوندزاده إلى مسؤولي الحركة،
دعاهم فيها إلى خدمة نظام الشريعة والسعي لرفاهية وسلام الشعب، مشددًا على وجوب
عدم استخدام كلمة "المشرف" في التعاملات الرسمية. وفي رسالته، التي
تزامنت مع الذكرى الرابعة لسقوط كابول وفرار الرئيس السابق محمد أشرف غني، اعتبر
أن أفغانستان بعد "انتهاء الاحتلال" اكتسبت "نظامًا شرعيًا
مقدسًا"، وأن الأمن الشامل تحقق، وتم إنقاذ الشعب من "الفساد والقمع
والاغتصاب والمخدرات والسرقة والنهب" وفقًا للشريعة الإسلامية، محذرًا من أن
الجحود بنعمة الله سيؤدي إلى عقاب شديد.
ورغم مرور أربع سنوات على سيطرة طالبان، لم تقدم الحركة دستورًا
جديدًا، وما زالت آلية الحكم تعتمد بالكامل على قرارات أخوندزاده وتفسيره الفردي
للشريعة الإسلامية، وسط انتقادات دولية متصاعدة ومخاوف متنامية من استمرار نهج
القمع وانتهاك الحقوق في أفغانستان.