التنوع الديني في مناطق سيطرة الحوثيين .. يواجه خطر الانقراض شبه الكامل

السبت 16/أغسطس/2025 - 11:43 ص
طباعة التنوع الديني في فاطمة عبدالغني
 
في تقرير أثار قلقاً بالغاً لدى الأوساط الحقوقية والدبلوماسية، حذرت اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية من أن التعددية الدينية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين شمال اليمن باتت على شفا الانقراض شبه الكامل، نتيجة سلسلة من الانتهاكات الممنهجة والجسيمة لحرية المعتقد طالت الأقليات الدينية والنساء على حد سواء، وجاء التحذير في سياق وصف دقيق لحالة تضييق غير مسبوقة تمارسها الجماعة بحق البهائيين والمسيحيين واليهود وأتباع الطائفة الأحمدية، عبر القيود الصارمة والتلقين القسري وإرغام غير المسلمين على أداء ممارسات دينية لا يؤمنون بها، فضلاً عن إدخال مضامين طائفية ومعادية للسامية في المناهج التعليمية.
التقرير أشار إلى أن الحوثيين استمروا منذ سنوات في ارتكاب انتهاكات منظمة طالت الحريات الدينية، بما في ذلك إخضاع الطلاب والمعتقلين لدروس دينية قسرية، وإجبار غير المسلمين على دراسة القرآن أو حضور برامج عقائدية خاصة بالجماعة. 
ومنذ عام 2015، أجرت الجماعة ما يقارب 500 تعديل على المناهج الدراسية بهدف نشر فكرها الأحادي، وهو ما أجبر أسراً مسيحية على مغادرة مناطق سيطرتها لتفادي إجبار أطفالها على الصلاة في المساجد أو الالتحاق بمعسكرات التلقين، كما حدث مع أسرة مسيحية في 2024، وذكر التقرير حالات طرد لطلاب مسيحيين رفضوا حضور حصص القرآن، واحتجاز أشخاص لفترات طويلة في معسكرات حوثية.
أما أوضاع المعتقلين من الأقليات الدينية، فقد وصفها التقرير بالقاسية، إذ يتعرضون لسوء معاملة ممنهجة بسبب انتماءاتهم، ويُجبرون على حضور دروس دينية كشرط للإفراج عنهم، ونقل عن معتقل بهائي أن رفاقه تعرضوا للاعتداء بعد وضعهم في زنازين مشتركة مع سجناء من تنظيمي القاعدة وداعش، أُبلغوا بانتماءاتهم الدينية مسبقاً، كما وثق التقرير حوادث ترحيل قسري لقيادات دينية، مثل ترحيل آخر مجموعة من اليهود عام 2016، واحتجاز ليبي مرحبي، آخر يهودي معروف في اليمن، منذ سنوات رغم أوامر قضائية بالإفراج عنه، مع إخضاعه لتعذيب جسدي ونفسي متكرر.
وفيما يتعلق بالبهائيين، الذين يقدَّر عددهم بنحو ألفي شخص، أوضح التقرير أنهم تعرضوا لحملات اعتقال وملاحقة، كان أبرزها في مايو 2023 حين داهمت قوات حوثية مؤتمراً سنوياً لهم في صنعاء واعتقلت 17 شخصاً، أُفرج عنهم لاحقاً بعد إجبارهم على التوقيع على وثائق تنكر معتقدهم، وما زالوا ممنوعين من الاجتماع أو التواصل الديني حتى 2025. 
أما المسيحيون، فقد تقلص عددهم من 41 ألفاً إلى بضعة آلاف فقط، بعد أن توقفت معظم تجمعاتهم عن العبادة بين أكتوبر 2023 وسبتمبر 2024، وغادر كثير من المتحولين الجدد مناطق الحوثيين هرباً من العنف، بينما قُتل أحدهم على يد أسرته بسبب إيمانه، ووثق التقرير استهداف موظفي الأمم المتحدة باعتبارهم "مسيحيين وأعداء للإسلام"، وإجبار بعضهم على اعترافات مصورة تحت الإكراه.
كما أشار التقرير إلى أن الطائفة الأحمدية لم تسلم من الاستهداف، حيث اعتُقل العشرات من أتباعها في مطلع 2024 بينهم قائد الجماعة، وأُطلق سراحهم بعد إخضاعهم لبرامج تلقين ديني وإجبارهم على التخلي عن معتقداتهم. 
أما النساء، ففرض الحوثيون عليهن قيوداً مشددة تشمل حظر السفر إلا بوجود محرم، وإغلاق المحال النسائية، واستخدام وحدات "الزينبيات" لفرض برامج تعليم طائفي في المدارس والمساجد والمنازل.
 وذكر التقرير أن نساء الأقليات في وضع أكثر خطورة، حيث أُجبرت مسيحيات على تغطية وجوههن بالكامل، وتعرضت بهائيات لمضايقات تمس مفاهيم الحياء بهدف الإذلال، مع فرض اتهامات "أعمال غير أخلاقية" تصل عقوبتها إلى الإعدام.
التقرير وثق أيضاً ممارسات تمييزية في توزيع المساعدات الإنسانية، إذ يُحرم كثير من البهائيين والمسيحيين منها بسبب هويتهم أو خوفهم من الاعتقال إذا قصدوا مراكز التوزيع، فيما رُفض علاج بعض المسيحيين في المستشفيات، وخلصت اللجنة إلى أن هذه السياسات تمثل جزءاً من مشروع أيديولوجي أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية مذهبية مغلقة.
ويرى المراقبون أن ما جاء في التقرير يعكس خطراً وجودياً على ما تبقى من التنوع الديني في اليمن، وأن ممارسات الحوثيين تجاوزت حدود الانتهاكات الفردية لتتحول إلى سياسة ممنهجة تستهدف محو أي حضور ديني أو ثقافي خارج الإطار الذي تحدده الجماعة، وتؤكد تقارير صحفية أن استمرار هذه السياسات لن يؤدي فقط إلى تفريغ البلاد من مكوناتها التاريخية، بل سيعزز مناخات التطرف والعزلة، ويضع اليمن على مسار أكثر قتامة، تتآكل فيه فرص السلام والتعايش لصالح نموذج أحادي لا يقبل الآخر.

شارك