ليبيا بين شرعية الدولة ونفوذ العائلة: صدام حفتر نائباً لوالده.. توريث أم مواجهة للإرهاب؟

السبت 16/أغسطس/2025 - 10:29 ص
طباعة ليبيا بين شرعية الدولة أميرة الشريف
 
في خطوة مفصلية أعادت فتح ملفات الانقسام السياسي والعسكري في ليبيا، أعلن المشير خليفة حفتر، القائد العام لما يُعرف بـ"الجيش الوطني الليبي"، تعيين نجله صدام حفتر نائباً له في قيادة المؤسسة العسكرية، في قرار حمل أبعاداً تتجاوز الإطار التنظيمي العسكري ليتقاطع بعمق مع مسارات التوريث، واحتكار النفوذ، والتدخل في المشهد السياسي الليبي الهش.
 القرار قوبل برفض صريح من قبل المجلس الرئاسي، الذي أعلن بوضوح أن تعيين المناصب العليا في الجيش اختصاص أصيل للقائد الأعلى للقوات المسلحة، المتمثل قانوناً في المجلس مجتمعاً، مما يضع تعيين صدام في خانة التجاوز على الشرعية الدستورية القائمة، ويكرّس حالة الانقسام بين شرق وغرب البلاد.
يأتي هذا التعيين في وقت حساس تمرّ فيه ليبيا بتحديات أمنية متفاقمة، على رأسها تصاعد التهديدات الإرهابية في الجنوب، وظهور خلايا نائمة لتنظيم "داعش"، وهو ما دفع بعض المحللين إلى الربط بين القرار والتطورات الأمنية، باعتبار أن حفتر يسعى إلى إحكام القبضة على المؤسسة العسكرية من خلال إسناد المناصب الحساسة إلى الدائرة المقربة من عائلته، لضمان استمرار السيطرة في ظل غيابه المحتمل بسبب التقدم في السن وتراجع قدراته الذهنية. هذا الربط يعكس ما وصفه مراقبون بأنه "مقاربة أمنية عائلية"، يتبناها حفتر في إدارته للمؤسسة العسكرية في الشرق الليبي.
صدام حفتر، الذي لم يتجاوز الخامسة والثلاثين، تسلق سلّم الرتب العسكرية بسرعة قياسية، أثارت بدورها جدلاً واسعاً حول معيار الكفاءة في المؤسسة العسكرية. فمنذ قيادته لـ"لواء طارق بن زياد" في 2016، تمت ترقيته إلى رائد، ثم إلى مقدم، ثم عميد، قبل أن يصبح فريقاً في غضون ثماني سنوات، وهو مسار غير مألوف في الجيوش النظامية، ما دفع كثيراً من الضباط المحترفين والمحللين إلى اعتبار صعوده تعبيراً صارخاً عن "التوريث العسكري" في بنية مؤسسة يُفترض أن تُدار وفق قوانين وضوابط مهنية.
ردود الأفعال جاءت متفاوتة. المجلس الرئاسي، بصفته القائد الأعلى للجيش الليبي، أبدى اعتراضه الرسمي على الخطوة.
 دعا نائب رئيس المجلس، عبد الله اللافي، إلى اجتماع عاجل، مؤكداً أن استحداث مناصب جديدة أو التعيين في أعلى مستويات القيادة العسكرية من اختصاص المجلس مجتمعاً، لا القائد العام وحده. 
هذا الموقف أعاد للأذهان الإشكالية الجوهرية في ليبيا، من يملك شرعية إصدار القرارات؟ المجلس الرئاسي باعتراف دولي؟ أم البرلمان في الشرق؟ أم القيادة العسكرية المنفصلة بقيادة حفتر؟ هذه الفوضى التشريعية تضاعف من تعقيد المشهد وتؤجل كل مسار نحو توحيد المؤسسة العسكرية.
في هذا السياق، يرى بعض المراقبين أن تعيين صدام حفتر في هذا التوقيت بالذات قد تكون له أهداف أمنية تتعلق بمحاربة الإرهاب، لكنهم يؤكدون في الوقت ذاته أن معالجة تحديات الإرهاب لا يمكن أن تتم عبر توسيع الهيمنة العائلية على مفاصل الدولة، بل عبر توحيد الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتعزيز المهنية، ووضع استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة التطرف.
 وقد سبق أن أعلنت قوات حفتر نفسها عن تفكيك خلايا لداعش في الجنوب، لكن المراقبين ربطوا هذا الإعلان بإطار دعائي لتبرير تكثيف السيطرة في تلك المناطق، تحت غطاء "محاربة الإرهاب".
غير أن خطورة الخطوة لا تتوقف عند الشق العسكري أو الأمني، بل تمتد إلى عمق البنية السياسية الليبية. فعلى غرار ما حدث في جمهوريات عربية أخرى، يُنظر إلى ما يجري في الشرق الليبي بوصفه مشروعاً لتوريث السلطة بشكل تدريجي من الأب إلى الابن، خصوصاً مع ما كشفته السنوات الأخيرة من تصاعد دور أبناء حفتر في إدارة ملفات حيوية.
 فخالد حفتر يتولى الإشراف على الأركان الأمنية، وبلقاسم يدير صندوق إعادة الإعمار، فيما يتمتع صدام بسلطة واسعة في المؤسستين العسكرية والمالية، بل وحتى في بعض شبكات التهريب والاتصالات، وفقاً لما ذكره مراقبون.
المحلل السياسي عبد السلام الراجحي ذهب إلى اعتبار هذا التمكين العائلي انقلاباً على أسس الدولة، مشيراً إلى أن صدام لم يتلق تعليماً عسكرياً تقليدياً، وأن ترقياته غير منطقية ولا مهنية. 
وأضاف أن المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا لم تعد تعتمد على الكفاءة، بل على درجة القرب من قائدها العام، معتبراً أن المنصب أصبح "يُورَّث بالـDNA".
 هذا التوجه، بحسب الراجحي، لن يؤدي فقط إلى تفاقم الانقسام بين المؤسستين العسكريتين في شرق وغرب البلاد، بل سيؤخر، وربما ينسف، أي جهود مستقبلية لتوحيد القوات المسلحة.
من جهته، يعتبر الباحث السياسي عبد الله الكبير أن خطوة تعيين صدام حفتر تأتي في إطار "ترتيبات احترازية" لمواجهة احتمال غياب خليفة حفتر، عبر تثبيت نجل موثوق في موقع القيادة، يمنع أي فراغ محتمل أو صراع على النفوذ داخل الدائرة العسكرية، لكنه في الوقت ذاته يعترف بأن هذا التوجه يُقوّض فرص بناء مؤسسة عسكرية ذات طابع وطني محايد، ويعزز الفجوة بين شرق وغرب ليبيا.
هذه المخاوف تتزايد في ظل استمرار فشل المحاولات الدولية والمحلية لتوحيد المؤسسة العسكرية، رغم رعاية بعثة الأمم المتحدة لعدة جولات حوار بين قادة عسكريين من الطرفين.
 وفي حين تُطرح "رؤية القائد 2030" كمشروع لإعادة بناء الجيش في الشرق، فإن هذه الرؤية لا تلقى قبولاً خارج محيط حفتر، بل تُتهم بأنها غطاء لتثبيت الحكم الفردي في شكل عسكري، دون رقابة أو مساءلة.
الدعم الغربي الضمني أو الصمت حيال هذه التطورات هو أيضاً موضع انتقاد، إذ يرى محللون أن القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تتبنى براغماتية صارخة في تعاملها مع الملف الليبي، حيث يهمها فقط وجود شريك قادر على حفظ الاستقرار ومحاربة الإرهاب، بغض النظر عن طبيعة نظامه أو شرعيته. 
هذا الموقف، إن استمر، قد يُشجع على المزيد من الممارسات الأحادية في الشرق، ويعمّق عزلة الغرب الليبي، الذي يعتبر نفسه الضحية السياسية لهذه المعادلات الدولية.
وفي المحصلة، لا يمكن النظر إلى قرار تعيين صدام حفتر نائباً للقائد العام إلا باعتباره حلقة جديدة في مسلسل التوريث السياسي والعسكري الذي يعاني منه العديد من دول المنطقة.
 وإذا لم يُقابل بموقف وطني موحد، وتوافق فعلي على قاعدة دستورية وتنفيذ اتفاقات حقيقية لتوحيد الجيش، فإن ليبيا مقبلة على مزيد من الاستقطاب، ليس فقط بين الشرق والغرب، بل أيضاً داخل معسكر حفتر نفسه، في ظل تهميش قيادات عسكرية وازنة لمصلحة "حلقة ضيقة" تُدار من داخل العائلة.
في بلد يرزح تحت وطأة الانقسام منذ أكثر من عقد، يبدو أن كل خطوة تُتخذ خارج إطار التوافق الوطني، مهما كانت مبرراتها الأمنية أو السياسية، لن تزيد الوضع إلا هشاشة.
ويري مراقبون أن تعيين صدام حفتر، بكل ما يحمله من رمزية ودلالات، قد يكون واحداً من تلك القرارات التي تُعيد رسم ملامح الصراع الليبي، لا باتجاه الحل، بل صوب مزيد من التعقيد والتمركز حول النفوذ العائلي، على حساب مشروع الدولة الوطنية الجامعة.

شارك