في إيران: المسيحيون تحت المقصلة بعد الحرب مع إسرائيل
الأحد 17/أغسطس/2025 - 04:34 م
طباعة

اعترفت وزارة الاستخبارات الإيرانية رسميا باعتقال 53 مواطنا مسيحيا بتهمة "التعاون مع إسرائيل"، وذلك في إطار حملة أمنية واسعة عقب انتهاء الحرب التي استمرت 12 يوما بين إيران وإسرائيل في يونيو الماضي. هذه الاعتقالات تثير مخاوف دولية واسعة حول استهداف الأقليات المسيحية في إيران تحت ذرائع أمنية وسياسية.
تفاصيل الاعتقالات والاتهامات
أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية (موس) في بيان رسمي أنها "حيدت" 53 "مرتزقة للموساد" زعمت أنهم "تدربوا في الخارج" على أيدي كنائس في الولايات المتحدة وإسرائيل، وتصرفوا "تحت غطاء حركة التبشير المسيحية الصهيونية". البيان اتهم المعتقلين بالمشاركة في "أنشطة مناهضة للأمن" وحتى "حيازة أسلحة".
التمييز بين الطوائف المسيحية
يتبع البيان الرسمي نمطا معتادا في التعامل الإيراني مع المسيحيين، حيث يميز بين المسيحيين الإنجيليين الذين يوصفون بـ"الصهاينة"، والمجتمعات المسيحية التاريخية من أصول أرمنية وآشورية الذين يوصفون كمؤيدين "مخلصين". هناك أقل من 100,000 مسيحي أرمني وآشوري في إيران اليوم، وهم أقلية دينية معترف بها رسميا، بينما تشير التقديرات إلى وجود حوالي 800,000 مسيحي من المتحولين الذين لا يحظون بأي اعتراف رسمي.
الحرب الإيرانية الإسرائيلية
بدأت الحرب الإيرانية الإسرائيلية في 13 يونيو 2025 باستهداف إسرائيل لمنشآت نووية وعسكرية رئيسية في إيران. استمر الصراع 12 يوما وانتهى بوقف إطلاق النار في 24 يونيو، وسط وساطة من الولايات المتحدة وقطر. خلال هذا الصراع، قتلت إسرائيل أكثر من 30 قائدا عسكريا إيرانيا رفيع المستوى و14 عالما نوويا.
حملة الاعتقالات الواسعة
في أعقاب وقف إطلاق النار، شنت السلطات الإيرانية حملة اعتقالات واسعة استهدفت المئات من الأشخاص بزعم "التعاون" أو "التجسس" لصالح إسرائيل والولايات المتحدة. وفقا لمنظمة Article 18، تم اعتقال أكثر من 50 مسيحيا في الشهر التالي لوقف إطلاق النار، مقارنة بـ40 حالة اعتقال في الأشهر الستة السابقة.
وتركزت الاعتقالات في خمس مدن رئيسية على الأقل: طهران، رشت، أروميه، كرمانشاه، وورامين. لاحقا، امتدت العمليات لتشمل مدنا إضافية مثل أمول، لاهيجان، شيراز، مشهد، كرج، وإصفهان. هذا التوسع الجغرافي يشير إلى طبيعة منهجية للحملة الأمنية.
ردود الفعل الدولية والحقوقية
أصدرت مجموعة من خبراء الأمم المتحدة بيانا يعبر عن القلق من استهداف الأقليات منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. وأكدوا أن "المئات من الأفراد، بما في ذلك أعضاء الأقليات العرقية والدينية، تم احتجازهم بتهم التعاون أو التجسس".
المقررة الخاصة للأمم المتحدة حول حقوق الإنسان في إيران، مي ساتو، والمقررة الخاصة حول حرية الدين أو المعتقد، نازيلا غانيا، حذرتا من أن "المواقف ما بعد الصراع يجب ألا تستخدم كفرصة لقمع المعارضة وزيادة القمع".
تقارير منظمات حقوق الإنسان
وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش الاضطهاد المنهجي للأقليات الدينية في إيران بأنه "جريمة ضد الإنسانية". التقرير الذي نشر في أبريل 2024 وثق كيف تحرم السلطات الإيرانية البهائيين من حقوقهم الأساسية في كل جانب من جوانب حياتهم.
منظمة Article 18 المتخصصة في توثيق انتهاكات حرية العبادة في إيران أكدت أن الاعتقالات الحالية تمثل تصعيدا خطيرا. مدير المنظمة منصور برجي أوضح أن "العديد من الكنائس حول العالم تجعل خدماتها متاحة للجماهير عبر الإنترنت، وحيث أن المتحولين المسيحيين في إيران محظور عليهم حضور كنائس الأرمن والآشوريين، يسعى الكثيرون للوصول إلى التعاليم المعروضة من الكنائس في الخارج".
وأقر البرلمان الإيراني في أواخر يونيو قانونا جديدا بعنوان "تشديد العقوبة على التجسس والتعاون مع النظام الصهيوني والدول المعادية ضد الأمن القومي والمصالح". هذا القانون يسمح بعقوبات أكثر صرامة، بما في ذلك عقوبة الإعدام، للأفراد المتهمين بالتعاون مع دول مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل.
المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور هادي طاهان نظيف أقر يوم الجمعة أن أجزاء من مشروع القانون تظل "إشكالية قانونيا". وقال: "نظرا لأن القوانين الجنائية تتطلب دقة، كانت هناك غموض وعيوب تحتاج إلى حل".
الإعدامات المتسارعة
منذ انتهاء الصراع، نفذت إيران ثماني عمليات إعدام على الأقل بحق أشخاص متهمين بالتجسس لصالح إسرائيل. في أغسطس 2025، أعدم روزبه وادي، العالم النووي الإيراني، بتهمة التجسس لصالح إسرائيل وتمرير معلومات حساسة حول عالم نووي آخر قتل خلال الغارات الإسرائيلية.
التأثير على المجتمع المسيحي
يواجه المسيحيون في إيران مخاوف أمنية متزايدة في ظل الحملة الحالية.
وفقا لمنظمة Transform Iran، "المسيحيون في إيران تحت مراقبة أكثر من أي وقت مضى. الحكومة تسعى للانتقام". السلطات تفتش السيارات والمنازل والمحتوى الرقمي في هواتف الناس، وبعضهم يتم إيقافهم عشوائيا في الشارع.
قطع الصلات الخارجية
اضطرت بعض المنظمات إلى قطع صلاتها مع المؤمنين المحليين الذين كانت تدعمهم، ببساطة لحمايتهم من الاضطهاد المحتمل. كما يحذف البعض جميع البيانات الرقمية من أجهزتهم التي تربطهم بالأنشطة المسيحية، تحسبا للاعتقال.
السجل التاريخي للاضطهاد
تشير تقارير مركز حقوق الإنسان في إيران إلى أن اضطهاد المسيحيين ارتفع بشكل حاد في العام الماضي، حيث زاد السجن بست مرات مقارنة بالعام السابق. في طهران وحدها، تمت محاكمة أكثر من 300 شخص، وحكم على ما يقرب من 100 بأحكام سجن طويلة لممارسة إيمانهم.
وفي عام 2024، تم تسريب أكثر من 3 ملايين ملف قضائي من محاكم طهران بين 2008 و2023، تضمنت قضايا أكثر من 300 مسيحي واجهوا تهما متعلقة بإيمانهم أو أنشطتهم الدينية. هذه الملفات كشفت عن الجهد المنسق من قبل السلطات الأمنية والقضائية في إيران للتمييز بين المسيحيين المعترف بهم من أصول أرمنية وآشورية، وأولئك الذين تعارضهم الحكومة.
التداعيات الإقليمية والدولية
تواجه إيران ضغوطا دولية متزايدة للكشف عن مصير المعتقلين وظروف احتجازهم، وضمان احترام حقوقهم الدينية والقانونية. منظمة العفو الدولية أكدت أن "المسؤولين الإيرانيين يجب أن يوقفوا جميع خطط تنفيذ عمليات إعدام تعسفية وحماية جميع المعتقلين على خلفية اتهامات التجسس لإسرائيل من الاختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة".
الدعوات للمحاسبة
دعت اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية إلى تكثيف الضغط الدولي على إيران لإنهاء هذه الجريمة ضد الإنسانية. التقرير أوصى بأن تدعم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة جميع تدابير المساءلة المتاحة لهذه الجرائم، بما في ذلك التحقيق والمحاكمة من خلال المحاكم المحلية.