باحث سعودي يكشف فلسفة الأخلاق النفعية عند "ابن تيمية "

الأربعاء 20/أغسطس/2025 - 12:34 م
طباعة باحث سعودي يكشف فلسفة روبير الفارس
 
خلصت دراسة للكاتب السعودي " عبد الرحمن المرزوقي "نشلاتها مجلة الفيصل في عددها الاخير بعنوان  " فلسفة الأخلاق النفعية عند ابن تيمية… نظرية المصلحة " الي ان 
"ابن تيمية " يمتلك منطقًا عمليًّا يختلف بوضوح عن منطقه النظري؛ إذ إن منطقه العملي واقعي، متغير، ومرتبط بسياقات الواقع، بينما منطقه النظري يمثل المطلق الثابت في فلسفته الأخلاقية.
ويقول عبد الرحمن المرزوقي و على الرغم من أننا نخالفه في بعض أوجه منطقه النظري، فإننا نتفق معه في منطقه العملي النفعي، الذي يفضي إلى نتائج عقلانية وواقعية، ويجعل العقل المنتمي إلى مدرسته ديناميكيًّا ومرنًا، قادرًا على التفاعل مع متغيرات الواقع دون صدام.
من هنا تظهر أهمية التمييز بين «القيم» و»الأخلاق» في فلسفة الأخلاق، ولا سيما في عالمنا المعاصر الذي تحول إلى قرية كونية، حيث لم يعد هناك مجالٌ لمجتمع أحادي الفكر أو معزول عن غيره؛ بل أصبحت معظم المجتمعات متعددة الأديان والأعراق والمعتقدات، وتعيش معًا ضمن محيط إنساني مشترك.
وبناءً على هذا، فإن القيمة الحقيقية للحوار الأخلاقي المعاصر لا تكمن في الجدل حول المرجعيات النظرية المجردة والدفاع عنها في فضاء نظري مغلق، بل تكمن في تحليل كيفية تطبيق المبادئ وقراءة النتائج المتوقعة من هذا التطبيق ضمن شروط الواقع؛ لأن التركيز على التنظير المجرد يُفضي غالبًا إلى إنتاج معرفي منفصل عن حاجات الفرد والمجتمع، بينما التركيز على التطبيق يحقق فاعلية أخلاقية حقيقية تسعى إلى مصلحة الناس في واقعهم المعيش.
ويؤكد عبد الرحمن المرزوقي علينا أن ننتقل من الجدل النظري إلى الجدل العملي مع الثقافة الدينية السائدة في المجتمع، إذا أردنا أن نخطو خطوة حقيقية ملموسة نحو التطور الأخلاقي وتضييق دائرة الخلاف، بعيدًا من الجدل حول المعتقدات المختلفة داخل المجتمع الواحد.

لأن الجدل العقائدي التجريدي (الذهني) لا يضيف فائدة للطرفين المتنازعين؛ بل يزيد من حدة الاختلاف، خصوصًا إذا كان النزاع ايمانيًّا، عقديًّا، طائفيًّا. فالفائدة الأكبر المرجوة هي أن نتطلع إلى إنزال العقل المسلم من الفضاء المثالي المتخيل (غير الواقعي) إلى الفضاء الواقعي الحقيقي. فإن رحلة الانتقال من العقل النظري (المثالي) إلى العقل الطبيعي (الواقعي) يمثل مشروع نهضة العقل العربي المعاصر؛ لأن التفكير المثالي، في انفصاله عن الواقع، ينتج عَجْزًا، بينما التفكير الواقعي، في تفاعله مع المعطيات، ينتج تمكنًا وفاعلية.
القيم والاخلاق
مما جاء في الدراسة كتب عبد الرحمن المرزوقي يقول القيم فردية أما الأخلاق فـاجتماعية، القيم نظرية وذهنية أما الأخلاق فهي عملية وتطبيقية، القيم تُعبّر عن أفكار ذاتية، في حين أن الأخلاق تتجسّد في أفعال ومعاملات موضوعية. القيم ترتبط بـالمعتقدات والمبادئ والتقاليد والأعراف، بينما الأخلاق تنعكس في سلوكيات تحمل تبريرًا منطقيًّا. القيم عادة ما تكون ثابتة ومثالية ومعيارية، أما الأخلاق فهي متغيرة ونسبية وإجرائية، تخضع لظروف المجتمع وسياقاته المختلفة.
بعد أن وضحنا الفرق بين الأخلاق العملية والقيم النظرية في فلسفة الأخلاق، دعونا نضرب بعض الأمثلة الملموسة في ثقافتنا الإسلامية لتتضح الفكرة أكثر. فمثلًا قضية «حاكمية الشريعة» تُعد، من الناحية النظرية، قيمة دينية راسخة عند أغلب المسلمين، لكن حين ننتقل إلى التطبيق، نكون أمام الأخلاق العملية. هنا يُطرح السؤال: هل من الحكمة، أو من الصواب، أو من المصلحة، تطبيق الشريعة كاملة بصورتها التراثية القديمة في دولة مدنية حديثة؟
أعتقد أن الجواب الحكيم هو: «لا»، بل لا بد من نسخة جديدة تتماشى مع ديناميكية الواقع المعاصر. في هذا المثال، نحن لا نتحدث عن صحة مبدأ «حاكمية الشريعة» من حيث الأصل النظري، بل نناقش إمكانية تطبيقه في الواقع فقط. وهذا هو الفرق الجوهري بين القيم والأخلاق؛ فالقيم تقاس بالمبادئ الذهنية المعنوية، بينما تقاس الأخلاق بالعواقب العملية على أرض الواقع. فالشخص الذي يؤمن بفكرة «حاكمية الشريعة» ليس بالضرورة أنه يرى ضرورة تطبيقها في كل وزمان ومكان؛ فالقيمة شيء، والتطبيق الأخلاقي شيء آخر.
نحن، في هذا المقال، لا نناقش القيم النظرية الذاتية، التي تختلف تصوراتها بين الأفراد بحسب أديانهم وأعرافهم ومذاهبهم، بل نركز على الجانب التطبيقي الموضوعي في الواقع، وصناعة أرض وسطية قابلة للتطبيق بين المختلفين داخل مجتمع متنوع. فالفيصل، دائمًا، في المجتمع المتعدد لا يكون على مستوى القناعات الفردية، بل في التطبيق المشترك؛ لأن الأهم دائمًا هو «المصلحة العامة» وجودة التطبيق، وجلب المنافع قدر الإمكان وفقًا للنوازل والمتغيرات.
وهنا نصل إلى واحدة من أهم النظريات في فلسفة ابن تيمية، وهي «نظرية المصلحة»، كما سماها جون هوفر في كتابه «ابن تيمية حياته وفكره». ولمن أراد تبسيطًا، فلجون هوفر سلسلة مرئية قصيرة على اليوتيوب يشرح فيها هذه النظرية باختصار.
نظرية المصلحة وفلسفة الأخلاق النفعية
ابن تيمية، على الرغم من حِدّته الشديدة وتعصبه أحيانًا في الفهم الديني «النظري» والقيم الإسلامية الكبرى، فإنه «براغماتي» ونفعي ونسبي في التطبيق؛ وهذا ما يهمنا. فمثلًا: ابن تيمية كان يرى الخلافة واجبًا شرعيًّا، من الناحية النظرية، لكنه لم يطالب قط بإسقاط الحكام أو الخروج عليهم من أجل تحقيقها؛ لأنه أولًا: كان يفرق بين فكرة الخلافة من الناحية النظرية الكلية في الذهن، وفكرة تطبيقها في الواقع. ثانيًا: كان يقيس القضية بعدسة «المصلحة العامة»، ومدى الضرر والنفع الذي سيحصل للمجتمع جراء المطالبة بالخلافة بحسب الزمان والمكان.
لم يكن يتعامل مع الفكرة بمنظور مجرد أو مطلق، بل كان يتتبع المعطيات الواقعية، ويُمعن النظر في الظروف المحيطة، ويطرح تساؤلات نقدية من قبيل: هل تتيح الأوضاع القائمة إقامة الخلافة؟ وهل يتلاءم نظامها مع معطيات العصر؟ فهو لم يكن ينظر بعين واحدة في التطبيق. ولذلك، قال في زمانه: إن الظروف لا تسمح بإقامة الخلافة لأن عللها قد رُفعت، فلا يصح المطالبة بشيءٍ زالت معطياته وانعدمت مقوماته في ذلك الزمن الذي يعيش فيه.
ولعلّ ما يُعبّر عن هذه الرؤية الواقعية البراغماتية هو قوله الشهير: «ستون عامًا تحت حكم حاكم ظالم خيرٌ من يوم واحد بلا حاكم». هذه نظرة براغماتية نفعية وواقعية تتعامل مع الظروف بواقعية ونسبية، بعيدًا من المثالية، وتهدف في جوهرها إلى تحقيق «المصلحة العامة».
يذكر ابن تيمية في بعض كتبه أنه لا يوجد واقع مثالي كامل، وأن كل شيء نسبي بقدر الإمكان، وأن الكمال لا يتحقق إلا في الكليات الذهنية. وكان يكرر دائمًا في أجوبته عن الأسئلة الأخلاقية التي كانت ترد إليه في عصره: أنه يجب قياس الحكم الأخلاقي التطبيقي بمعيار المصلحة؛ فإذا كان النفع أكبر من الضرر، أصبح الأمر أخلاقيًّا، وإذا كان الضرر أكبر من النفع، أصبح الأمر غير أخلاقي، حتى وإن كان شرعيًّا وواجبًا نظريًّا في الدين؛ لأنه يرى أن الشريعة، في المقام الأول، جاءت لمصلحة الناس كغاية كبرى، ولا بد لنا أن نكون في صف الشريعة لتحقيق هذه الغاية عبر التفاعل مع الواقع بمرونة وديناميكية.
وأن هذه الغاية الكبرى المرجوة من الشريعة لا تتحقق من الشريعة ذاتها -نظريًّا- من دون واقع حقيقي وتطبيق عملي متفاعل مع معطيات شرطية توصلنا إلى تحقيق هذه «المصلحة العامة» المرجوة من أجل عامة الناس.
في هذا السياق يقول ابن تيمية: العدل لا يتحقق بمجرد الإيمان بالشريعة من دون المتطلبات الضرورية لتطبيقها، فالعدل لا يتحقق بمجرد الإيمان الذهني بالإسلام، في صورة مثالية منفصلة عن حقيقة الواقع المتغير الذي يحتاج إلى تفاعل ومعطيات مختلفة للوصول إلى العدل. ويشدد على نسبية وجود أخطاء وتقصير حتمي في تطبيق العدل ذاته والشريعة نفسها. فيقول في قانون العدل: «إن الله يقيم الدولة العادلة حتى وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة». ويضيف أيضًا أن أمور الناس تستقيم مع العدل الذي يتضمن أنواعًا من الإثم والذنوب أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، حتى وإن كان خاليًا من الإثم والذنوب «مجموع الفتاوى» (م٢٨ ص ١٤٦). هنا ابن تيمية كأنه يقول لنا: علينا أن نبدأ من الجزئيات إلى الكليات، من الواقع إلى الحكم الذهني، فبالمعطيات تتحقق النظريات.
يقول ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (م٢٨ ص١٤٦): «وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم؛ ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة؛ ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم»؛ فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورًا له مرحومًا في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء؛ فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة؛ فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه والحسد له؛ والتعدي عليه في حقه.

وحول نسبية الخير والشر عند ابن تيمية كتب المرزوقي يقول 
يرى ابن تيمية في تصوره لمسألة الخير والشر أنه لا يوجد خير محض ولا شر محض؛ فداخل كل خير «شر قليل» لا يؤثر في حقيقة أنه خير، وداخل كل شر «خير قليل» لا يؤثر في حقيقة أنه شر «مجموع الفتاوى» (المجلد٣٥، ص٣٠). هذه النظرة الواقعية نحتاجها في ثقافتنا، خصوصًا داخل المنظومة الشرعية التي تميل أحيانًا إلى المثاليات النظرية. يضرب ابن تيمية أمثلة متعددة على نسبية الخير والشر في سلوك البشر، ويؤكد أن الإنسان، بطبيعته، يقع في الخطأ النسبي «الحتمي» بالضرورة حتى عندما يسعى إلى الخير ويقصده بنية صادقة.
فالحاكم العادل والسياسي الذي يؤمّن حياة الناس ويقيم النظام، لا بد أن يقع في أخطاء؛ بسبب رغبات النفس، مثل حب السلطة ومحاباة المقربين. وكذلك طالب العلم الشرعي، مهما بلغ من المعرفة والورع، سيقع في الخطأ، سواء عبر اجتهاد خاطئ، أو ميل غير واعٍ إلى رأي معين. ومن اللافت أن ابن تيمية أشار إلى أن المتخصص في علم الشعائر والعبادات، غالبًا ما ينزلق إلى نوع من الرهبنة أو المبالغة في الزهد، رغم أن الشريعة لا تطلب منه ذلك. وهنا يتضح أن ابن تيمية كان واقعيًّا نسبيًّا ذا فلسفة أخلاقية براغماتية (المرجع نفسه).
ولتعزيز هذا التصور البراغماتي الأخلاقي عند ابن تيمية، نسرد هنا اقتباسين مهمين يُظهران مدى وعيه بتعقيدات الواقع الأخلاقي. ففي الاقتباس الأول يقول: «فإن كثيرًا من الناس يستشعر سوء الفعل؛ ولا ينظر إلى الحاجة المعارضة له التي يحصل بها من ثواب الحسنة ما يربو على ذلك؛ بحيث يصير المحظور مندرجًا في المحبوب أو يصير مباحًا إذا لم يعارضه إلا مجرد الحاجة، كما أن من الأمور المباحة؛ بل والمأمور بها إيجابًا، أو استحبابًا: ما يعارضها مفسدة راجحة تجعلها محرمة أو مرجوحة، كالصيام للمريض، وكالطهارة بالماء لمن يخاف عليه الموت، كما قال صلى الله عليه وسلم: «قتلوه قتلهم الله! هلا سألوا إذا لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال» (مجموع الفتاوى، م٣٥ ص٢٩).
أما في الاقتباس الثاني، فيقول (في مجموع الفتاوى م٣٥ ص٣٠): «والصورة الثانية، إذا كان يمكن فعل الحسنات بلا سيئة؛ لكن بمشقة لا تطيعه نفسه عليها، أو بكراهة من طبعه بحيث لا تطيعه نفسه إلى فعل تلك الحسنات الكبار، المأمور بها إيجابًا أو استحبابًا، إن لم يبذل لنفسه ما تحبه من بعض الأمور المنهي عنها‏، التي إثمها دون منفعة الحسنة فهذا القسم واقع كثيرًا: في أهل الإمارة، والسياسة، والجهاد، وأهل العلم، والقضاء، والكلام؛ وأهل العبادة، والتصوف، وفى العامة، مثل من لا تطيعه نفسه إلى القيام بمصالح الإمارة -من الأمر بالعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وأمن السبل، وجهاد العدو، وقسمة المال- إلا بحظوظ منهي عنها، من الاستئثار ببعض المال؛ والرياسة على الناس، والمحاباة في القسم،‏ وغير ذلك من الشهوات، وكذلك في الجهاد؛ لا تطيعه نفسه على الجهاد إلا بنوع من التهور. وفي العلم لا تطيعه نفسه على تحقيق علم الفقه، وأصول الدين، إلا بنوع من المنهي عنه، من الرأي، والكلام، ولا تطيعه نفسه على تحقيق علم العبادة المشروعة، والمعرفة المأمور بها، إلا بنوع من الرهبانية».
من الأدلة الأخرى التي تؤكد أن ابن تيمية كان نسبيًّا وواقعيًّا في نظرته إلى مفهومي الخير والشر، قوله: «ليس العاقل الذي يعرف الخير والشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين (مجموع الفتاوي م٢٠ ص٥٤). هذا القول يعد من صلب الأخلاق النسبية القائمة على تحقيق «المصلحة العامة». فحين يقال في النقاشات: إن الأخلاق نسبية، فالمقصود غالبًا ليس القيم النظرية، بل الأخلاق التطبيقية.
فالقيم، في المستوى النظري، مثالية، لكن الواقع غير مثالي، فليس الإبداع في أن تعرف ما هو الخير وما هو الشر «نظريًّا»؛ وإنما الإبداع والمهارة المفيدة -وفقًا لابن تيمية- تكمن في قدرتك على التفضيل وقياس خير الخيرين وشر الشرين؛ لأنه يرى أن الواقع غير قابل للكمال المطلق كما هو في الذهن. يؤكد ابن تيمية: أنه لا يوجد واقع مثالي، وإنما الواقع هو نسخة نسبية من العالم المطلق الإلهي، بمعنى أن الدولة هي نسخة غير مثالية تسعى للوصول إلى الكمال الإلهي «المثالي»، لكنها تظل نسبية قدر الإمكان 

شارك